على مسرح بيرم التونسي، كانت لنا ثورة

في أعقاب يناير 2011، كانت هناك رغبة لدي الجميع في دفع كل شىء للأمام، وتطويع كل الوسائل والإمكانات، لخدمة الهدف الأسمى آنذاك، وهو التغيير الجذري في الوعي الجمعي للمواطنيين، الذين يعيشون علي تلك البقعة من كوكب الارض، لم يكن يناير هو المحرض أو الدافع الرئيسي، لكنه كان بمثابة ساعة الصفر، لبذل جهد أكبر، والإيمان بأن هناك ضرورة وهدف نستطيع أن نصل إليه.

إنطلاقا من تلك الأفكار، تحركت مجموعة صغيرة جدا من المسرحيين السكندريين، استطاعوا أن يتخلصوا من كل الأفكار المهيمنة والمسيطرة علي عقول العاملين بالحقل المسرحي، المصري عامة والسكندري خاصة.

المشهد المسرحي السكندري له طبيعته الخاصة، لعدة عوامل، أهمها طبيعة المدينة، وطبيعة العلاقات الإنسانية بين أفراد هذا المجتمع البعيد عن العاصمة، في ظل النظام المركزي القائم، الذي جعل من الحقل المسرحي السكندري، مجرد موّرد للمواهب، التي تصل لمرحلة معينة، بعدها تذهب لمحطة القطار، لتحجز تذكرة سفر إلى العاصمة، التي تحتكر كل الفرص والأحلام، فالمواهب تلك لا تجد في الاسكندرية سوى فرصة لكسب الخبرة، التي ستكون المدد في رحلة البحث عن الشهرة هناك في العاصمة، ليس أكثر من ذلك، ولكن هناك فصلاً ثورياً في حكاية المسرح السكندري يجب أن يروى.

نذكر اعتصام وزارة الثقافة، بمقر الوزارة بالزمالك فى القاهرة (قبيل الثلاثين من يونيو 2013) حين شاركت مجموعات من الفنانيين الشباب، ومجموعات أخرى من النخبة، من المثقفين والفنانيين، بهدف منع وزير الثقافة الإخواني الرجعي المحافظ ـ من وجهة نظرهم ـ من أن يمارس عمله، وأن يمنعوا المخطط الإخواني من الاستمرار. جدير بالذكر أن أغلب تلك المجموعة من النخبة المثقفة، هي الآن من أشد الداعمين للجنرال العسكري الأحادي الرآي، الجالس على عرش البلاد.

كما كانت هناك مجموعة من الاسكندرية تحركت في أعقاب الاعتصام، والتي كانت ترى أنه لا بد وأن يكون الخطاب الموجه ضد السلطة، من قبل الفنانيين والعاملين بالحقل المسرحي والثقافي في البلاد، هو خطاب راديكالي واضح وحاسم، ضد المنظمومة الثقافية الرسمية ككل، وليس ضد ذلك الوزير الإخواني المذكور، خطاب يهتم بإعادة هيكلة وزارة الثقافة، وإعادة النظر في ميزانية الثقافة في الموازنة العامة للدولة، وإعادة فتح المساحات والفضاءات التي تديرها الدولة، والتابعة لوزارة الثقافة، لإتاحة الفرصة لعرض الإنتاج الفني بحرية، وإعادة النظر في المنظومة الرقابية للوزارة، ومجموعة أخرى من الأهداف، التي تتلخص في عدم التركيز فقط على اسقاط ذلك الوزير التابع لمنظومة الإخوان المسلمين، التي هي بلا شك جماعة رجعية وطائفية، ولا ترى في الفن إلا مجموعة من الممنوعات والمحرمات، بدعوى الدين والأخلاق والتي تتشابه كثيرًا مع المنظومة العسكرية، في نفس الهيستيريا “الأخلاقية” التي يتم اللجوء للعنف أحيانا من أجل تطبيقها.

لجأت مجموعة الإسكندرية من المسرحيين الـ«ينايريين»،إذا ما استطعنا أن نطلق عليهم ذلك الإصطلاح، نسبة لإنتمائهم لمعسكر يناير الثوري، بأفكاره وأحلامه ورغباته وكفاحه، لجأت تلك المجموعة لتكتيك احتلال إحدى المساحات التابعة لوزارة الثقافة (مسرح بيرم التونسي) وفرض السيطرة الكاملة عليه، والاعتصام بداخله، وإقامة منصة خارج المسرح لإقامة فعاليات فنية يومية لرواد الحديقة المحيطة بالمسرح. كانت الندوات وورش العمل مع الأطفال تعقد في الصباح، وتستضيف المنصة المقامة في الحديقة فرق موسيقية وشعراء وفرق من مسرح الجامعة وحكائين مساءاً. كانت تكاليف الفعاليات يتم جمعها بنظام الإكتتاب، واستمرت الفعاليات لمدة 10 أيام، بواقع سبعين فعالية، و10 ورش عمل، ولقائين تم تنظيمهما للعمل على إنتاج ورقة بحثية، حول وجهة نظر فناني الإسكندرية المعتصمين، فى شكل وزارة الثقافة في المستقبل.

استطاع المعتصمون كسب تعاطف عمال مسرح بيرم التونسي، وأن يوحدوا المطالب حتي لا يستطيع مدير المسرح أن يقلّب العمال على المعتصمين، وهو ما كان يريده بشدة.

كان الاعتصام بذرة لتحول جذري في علاقة صانعي الفن بالدولة، ونقلة حقيقية في إتاحة الفرصة لمواهب عديدة، تستطيع أن تقدم منتجها الفني من خلال منصة الاعتصام بحرية كاملة، وتأسيس لفكرة الديمقراطية المباشرة، التي مارسها المعتصمون، لإختيار مسئولي الاعتصام، والتي كنا نحلم أن تتطور، بحيث تقام انتخابات داخلية، ويتم اختيار مسئولي الأمن من عمال المسرح، ومسئول للمساحة من المعتصمين، وطرد مدير المسرح.

مدير المسرح، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية، عاد إلى مصر من الخليج في بداية الألفينات، و عينته الدولة مسئولاً عن قطاع البيت الفني للمسرح في الاسكندرية. فهو ذلك الشخص الذي يفخر بصداقته الحميمة بمأمور القسم التابع له المسرح، وله سابقة فى تهديد عمال المسرح، بأنه سيطلب من مأمور القسم اعتقالهم على الفور، إذا تحركوا أي تحرك للمطالبة بحقوقهم.

دائما ما تلجأ الدولة إلي المواجهة وحسم الأمور بالعنف، في تلك اللحظات التي تشعر فيها أنها تواجه خطرا، خصوصا إذا كان ذلك الخطر هو تغيير جذري في بنية الدولة، وتأسيس لأفكار وأشكال من التنظيم، تواجه أفكار وأخلاق الدولة القائمة. فحق إختيار المسئولين بالديمقراطية المباشرة، وعزلهم بالإحتجاج، و فتح مساحة للمشاركة المجتمعية الحقيقية، والعمل على إحداث تغيير جذري في الوعي الجمعي للجماهير، وإدارة المؤسسات بشكل ذاتي، من قبل العاملين فيها العارفين بشئونها، والتقسيم العادل للعمل لخلق تشاركية حقيقية، وإتاحة الفرصة لكل من يرغب في إبداء رأيه، والعمل على تنفيذه، إذا ما اتفق الجميع على ذلك الرأي، والعمل على خلق تنظيم قاعدي متجذر ومنتشر في كل المواقع، يعمل بوحدة في سبيل تحقيق استراتيجية تخدم الجميع، وكل ما على شاكلة تلك الافكار، يهدد بنية الدولة وشكلها ومبادئها.

لذلك رأت الدولة في السادس والعشرين من يونيو، أي بعد عشرة أيام من بدء إحتلال مسرح بيرم التونسي من قبل الفنانيين، أنه لا بد من انهاء ذلك الفعل الإحتجاجي، ويومها تم إرسال مجموعة من البلطجية ليحطموا منصة الاعتصام الخارجية، كما أصابوا اثنان من الفنانيين المشاركين فى الاعتصام، أحدهما يعاني حتى الآن من اصابته تلك، التي سببت له جلطة في المخ، وتم اقتحام المسرح واخلائه من المعتصمين، دون أية ردة فعل من قبل مدير المسرح أو مسئولي الأمن.

ولم تنتفض القاهرة بالطبع ضد هذا البطش، وعلى الفور تم وصف الأمر بأنه مجرد مشاجرة بين المعتصمين، في التغطية الصحفية للحدث. تخلى معتصمو وزارة الثقافة، عن هؤلاء المعتصمين في الإسكندرية، وبالطبع لم يكن معتصمو الاسكندرية على قلب رجل واحد، فهناك أيضا تلك المجموعة المنتفعة من الدولة، والعاملة في كنف الثقافة الجماهيرية، التي تحركت وشاركت في هذا الاعتصام، فقط من أجل أن يقال أنهم شاركوا، في حين أن أصواتهم كانت تتعالى بالرفض، لتعطيل كل اجتماع يعقد، و يتم فيه مناقشة إحدى التكتيكات للتغيير المرجو، ربما لأنهم رجعيين أو جبناء، أو لأنهم أصحاب مصلحة. لا أعلم، كل ما أعلمه أن احدهم يشارك الآن في كتابة عرض مسرحي، من إنتاج مسرح الدولة، الذي لا يعرف المسرحيين خريطته الإنتاجية، عرض مسرحي (في حب مصر) كما هو مكتوب على دعايا العرض، الذي يخرجه أحد هؤلاء الشباب، أبناء دولة مبارك، الذين كانوا يتصدرون المشهد قبل الثورة، كواحد من جيل الشباب الذين تدعمهم دولة مبارك “راعية الشباب”.

اعلان
 
 
حكيم عبدالنعيم 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن