ما بعد الباسميوسفية ولا مركزية السخرية

كتب الفيلسوف الفرنسي رولان بارت مقالاً عام 1967، بعنوان «وفاة الكاتب»، انتقد فيه أسلوب النقد الأدبي، الذي يضع الكاتب كمركز للمعنى، ويطرح تصور بديل، القارئ فيه هو مركز المعنى (أو معبر عن تعدد المعنى)، وبطبيعة الحال، الموت هنا يستخدم بصورة مجازية، كما استخدم نيتشه من قبل مصطلح موت الإله، ويعني بارت بموت الكاتب انتهاء وضعه كمركز للمعنى.

فبعبارة أخرى، يعبر الكاتب عند بارت عن مركزية المعنى وجموده، في حين يعبر القارئ عن لا مركزية المعنى وتعدده وسيولته وتعقيداته وتشابكه. وتأتي شهادة وفاة الكاتب هنا، كجزء من إطار فلسفة ما بعد البنيوية، قريبة الصلة بفلسفة ما بعد الحداثة، الرافضة لمركزية الحقيقة والسلطة واليقين. ترفض فلسفة ما بعد الحداثة، وهي من أهم الحركات الفلسفية في القرن العشرين، القصص الكبرى المركزية، المرتبطة بالسلطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والتي تعبر عن التفسير الأوحد واليقيني للأسئلة العامة المهمة المرتبطة بالوجود، وتطرح بدلا منه نموذج بديل، يعتمد على العديد من القصص الصغرى، التى تتعايش بشكل أفقي لا مركزي ولا سلطوي، بحيث لا يفرض على الجميع رؤية يقينية فوقية لا تقبل الشك. فتسعى هذه الفلسفة بالأساس لكسر احتكار المعاني ومركزية اليقين.

يقارن بارت نظريته بالتراجيدية الإغريقية، والتي يعتمد نصها على الكلمات التي تحمل معاني مزدوجة وتوريات، والتي تفهم الشخصيات في العمل الأدبي جانب واحد منها فقط، مما يؤدي إلى سوء تفاهم مستمر بين تلك الشخصيات، ويكون القارئ أو المتلقي، وفقا لبارت، هو الوحيد القادر على استيعاب الازدواجية في المعنى.

ويكتب بارت: “بهذه الطريقة يتم الكشف عن كينونة الكتابة: نص يحتوي على كتابات متعددة ناتجة عن ثقافات عديدة، تدخل في حوار مع نفسها وفي محاكاة ساخرة وخصام؛ لكن يوجد مكان واحد يجمع ويتوحد فيه هذا التعدد، وهذا المكان ليس الكاتب – كما اعتدنا القول حتى ذلك الحين – بل القارئ، القارئ هو المكان الذي يُكتب فيه جميع الاقتباسات التي يحتويها العمل المكتوب بدون ضياع أي منها. وحدة النص ليست في منشأها لكن في وجهتها”.

ومن أبرز أمثلة تعدد معاني النصوص بمعزل عن الكاتب، هو العثور على حجر رشيد في نهاية القرن الثامن عشر، مع قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر، فالقيمة التي تم استخراجها من هذا الكشف، لم تكن أبدا مرتبطة بالنص نفسه أو بـ”كاتب” النص، لكن القيمة الكبرى كانت في استخدامه بعد آلاف السنين، في فك طلاسم اللغة الهيروغليفية. المعنى كان بالنسبة لمتلقيه من علماء المصريات، هي فرصة فك طلاسم لغة قديمة، بالرغم من أن المعنى الكامن في النص الأصلي – وهو ما لا يعرفه كثيرون عن حجر رشيد – كان عبارة عن وثيقة رسمية، تمنح عفو ضريبي لبعض الكهنة، وتتناول بعض الأمور الحكومية الأخرى في العصر البطلمي.

كتب بارت مقالته تلك قبل ظهور الانترنت، وهي مساحة جديدة مسلح فيها القارئ بأدوات تكنولوجية تزيد من تنوع وتعدد وسيولة المعنى، التي تأخذ الكثير من سلطات الكاتب وتعطيها للقارئ، بل يوفر الفضاء الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي -التي صعد منها باسم يوسف – مساحة، حيث الكل كاتب (أو على الأقل كاتب محتمل) والكل قارئ، وتذيب الفوارق بين الكاتب والقارئ، وتفكك سلطة الكاتب المركزية كمنتِج للمعنى واليقين والحقيقة المطلقة.

قد لا يعي البعض غرض كاتب هذه السطور، رغم ارتباطها بحدث أثار الرأي العام مؤخرا، وهو وقف برنامج باسم يوسف، وقد يرى البعض أن المقالة تقليل من شأن سلطة باسم يوسف، كمركز للنقد السياسي الساخر، والذي وصف قرينه الأمريكي جون ستيوارت نهاية برنامجه على إنها نهاية للسخرية المصرية، وقد يظن البعض أن المقال هجوم على باسم، أو تعاطفا معه أو دعوة لعدم تحميله ما لا يستطيع، وقد يرى البعض أن المقال ضعيف وبلا معنى، وقد يستنتج البعض أن المقال عن وجود جيش “متنطور” من الساخرين في الشارع، في المواصلات العامة والمقاهى وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، مسلحين بوسائل تمكين جديدة، ستجعل من السخرية عملية شديدة اللامركزية يستحيل تقويضها والسيطرة عليها، وكل هذه الاستنتاجات الخاصة بالمعنى صحيحة (برغم تناقض بعدها) بالنسبة لحاملها: القارئ.

اعلان
 
 
أسامة دياب