تدين السيسي

يقوم المشير عبدالفتاح السيسي باستدعاء مكثف للدين في حواراته ولقاءاته بشكل لافت ومكرر. ولا يكاد يخلو حديث أو تعليق للرجل من استحضار وتكرار للآيات القرآنية والأحاديث النبوية، من أجل دعم موقفه السياسي، أو إبراز وجهة نظره في قضايا بعينها، كالمرأة والسياحة وغيرها. بيد أن ما يسترعي الانتباه ليس فقط استدعاء السيسي للدين قولا واستشهادا، وإنما ما يبدو وكأنه “مشروع” ديني ضامر ذو نزعة إيديولوجية، تعكس رؤية معينة للحياة والكون، ربما يحاول السيسي تطبيقها أو فرضها على المجتمع إذا ما أصبح رئيسا.

سؤال النشأة

يمثل سؤال النشأة أحد المفاتيح المهمة لفهم الخطاب الديني للسيسي ومحتواه ودلالاته. وهو ما يتطلب إلقاء نظرة سريعة على هذه النشأة، ومعرفة تأثيرها على تكوين الرجل فكريا ومعرفيا. وفي ضوء ما هو متاح من معلومات حول السنوات الأولى من حياة السيسي، وهي قليلة، سوف نكتشف أنه نشأ فى منطقة الجمالية (حارة البرقوقية) القريبة من حي الحسين، الذي يعد من أبرز المعالم الدينية في القاهرة، والذي تحيط به مجموعة كبيرة من المساجد والزوايا، التي تُمارس فيها العديد من الشعائر والطقوس الدينية والتقاليد المذهبية المختلفة، بدءا من  التصوف وانتهاء بالتشيع. ومن الواضح أن نشأة السيسي داخل هذه الحاضنة الاجتماعية قد صاغت أفكاره ورؤيته الدينية بشكل أو بآخر. ومن اللافت أن السيسي ينتمي لنفس العائلة التي جاء منها عباس السيسي، أحد القيادات التاريخية لجماعة الإخوان المسلمين، والذين لعبوا دورا مهما في إعادة إحيائها في السبعينيات. وقد حاول البعض الربط بين الرجلين (عبدالفتاح وعباس السيسي) بعد أن اختاره الرئيس محمد مرسي وزيرا للدفاع في أغسطس ٢٠١٢، وهو ما نفاه نجل عباس السيسي.

تخرج السيسي من الكلية الحربية عام ١٩٧٧، في وقت كانت فيه الجماعات الإسلامية في أوج نشاطها الحركي والدعوي في الجامعات والمعاهد المصرية، وكان لها مؤيدين ومتعاطفين داخل الكليات العسكرية. ويعتبر السيسي من نفس جيل الإسلاميين العسكريين الذين نفذوا اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، مثل خالد الاسلامبولي وعطا طايل وحسين عباس وغيرهم. كما أنه عاصر حالة المد الإسلامي أواخر السبعينيات، مع ظهور الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد الإسلامي. ويروج البعض أن الميول الدينية للرجل قد بدت بوضوح منتصف الثمانينيات، بشكل دفعه للتفكير في التقاعد المبكر من الخدمة العسكرية، وإطلاق لحيته والعمل بالدعوة الإسلامية. وبغض النظر عن صحة هذا الزعم من عدمه، فمن الواضح أن السيسي قد تأثر بشكل أو بآخر، بأجواء الصعود الإسلامي خلال عهدي السادات وبداية عهد مبارك.

برزت ملامح النزوع الديني للسيسي أثناء سفره للولايات المتحدة عام ٢٠٠٤، للحصول على زمالة كلية الحرب العليا الأمريكية في بنسلفانيا The US Army War College. وقد وضحت ميوله الدينية، ليس فقط من خلال سلوكه المحافظ، والذي تشير إليه إحدي أساتذته في الجامعة، وإنما أيضا من خلال مضمون أطروحته البحثية، التي حملت عنوان “الديمقراطية فى الشرق الأوسط” والتي يؤكد فيها السيسي على أهمية الثقافة والدين في الحياة العامة، وتأثيرهما على مسألة الديمقراطية في العالم العربي. وهو ما جعل البروفيسور روبرت سبرنج بورج، المتخصص في دراسة العلاقات المدنية العسكرية فى مصر، يتوقع أن يحاول السيسي إقامة نظام خليط ما بين “الإسلاموية” و”العسكرتارية”. في حين تشير خطابات ولقاءات السيسي منذ أن أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية، إلى احتلال الدين مكانة رئيسية في الرسائل التي يحاول توصيلها للجمهور.

تفكيك الخطاب الديني للسيسي

يعكس الخطاب الديني للسياسيين قدرا من رؤيتهم لأنفسهم ولمجتمعاتهم، ولدور الدين في المجال العام. وهو ما يمكن الاستدلال عليه من لقاءات وخطب وبيانات هؤلاء القادة، خاصة خلال المحكات التاريخية. وفي بعض الأحيان يكون الخطاب الديني مجرد قشرة خارجية، لا تعبر عن عمق أو توجه أيديولوجي معين، ولكنها في أحيان أخرى تعكس إيمانا وقناعة بوجود دور معين للدين في الحياة العامة.

وبوجه عام، فإن تحليل وتفكيك الخطاب الديني للسيسي يكشف عدة أمور: أولا، أن تدين السيسي يتجاوز النزعة التدينية المحافظة، التي تسم شريحة معتبرة من المصريين المعروفين بنزوعهم التقليدي نحو الدين، إلى نوع من التدين “التنظيمي”. ونقصد بذلك أن المعرفة الدينية للسيسي ليست مجرد معرفة سطحية أو اختزالية، كما هي الحال مع غالبية المصريين، والتي جاءت نتيجة لموجة “السلفنة” والتدين الشعبي، التي حدثت خلال العقد الماضي، وإنما هي معرفة تنظيمية تعكس قدر واضح من التنشئة الدينية داخل المحاضن الإسلاموية. وهو ما يشي بأحد احتمالين، أولهما، إما أن السيسي قد مر في مرحلة مبكرة من حياته (ربما بين الابتدائية والإعدادية) بأحد التنظيمات الإسلامية الساكنة، كالجمعية الشرعية أو جميعة أنصار السنة المحمدية، والتي تنتشر بأحياء القاهرة وأزقتها، أو أنه كان ـ وربما لا يزال ـ تابعا (أو متأثرا) لإحدى الطرق الصوفية، التي تقدر بالمئات، والمنتشرة في منطقة الحسين والسيدة زينب وغيرها من الأحياء الشعبية فى مصر.

ثانيا، خطاب السيسي يكشف أن لديه رؤية دينية متماسكة، تتجاوز الشعارات العامة ومغازلة الجمهور المتدين المحافظ في مصر، للحصول على تأييده، إلى العمل على فرض تصور ونمط معين للحياة. وهو ما أكده السيسي في تصريح له أخيرا، يشير فيه إلى ضرورة أن يكون للدولة وقائدها دور في حماية الدين والقيم والمبادئ في المجتمع.

ثالثا، الخطاب الديني للسيسي به قدر عال جدا من التسييس، وهو ما يتضح على مستويين. الأول هو مستوى التوظيف السياسي للدين، من خلال التأكيد على دوره فى الحياة العامة وصياغة سلوك الناس وأفعالهم، والثاني كأداة في الصراع مع جماعة “الإخوان المسلمين”. لذا لم يكن غريبا أن يصرح السيسي أنه قام بانقلاب ٣ يوليو “من أجل إنقاذ الإسلام ومصر من الإخوان”. ومن المفارقات أن السيسي يبدو وكأنه قد وقع في نفس الإشكالية التي ينتقد بها جماعة الإخوان، وهي استخدام الدين في الصراع السياسي.

رابعا، الفهم الديني للسيسي يغلب عليه الطابع الارثوذكسي التقليدي، مع مسحة شعبوية تستبطن النزعة الصوفية (الرؤي والأحلام والبشارات) من جهة، والمحتوى السلفي من جهة أخرى. وهو ينتمي لمدرسة العقل الإحالي وليس التأويلي، في فهم النصوص وإنزالها على الواقع.

خامسا، الخطاب الديني للسيسي هو خطاب دولتي فوقي بامتياز. فنشر الوعي الديني هو مسؤولية الدولة وأجهزتها. وهنا يشير السيسي إلى أن الدولة مسؤولة عن نشر “الوعي الديني الصحيح” بين المواطنين، وذلك من أجل مواجهة الفكر المتطرف، حسب قوله. وهو يكرر دائما مقولة ضرورة تجديد الخطاب الديني، واستخدامها كأداة لنزع الشرعية عن الجماعات الإسلامية خاصة الإخوان.

مآلات الخطاب: من القول إلى السياسات

من الواضح أن استخدام السيسي للخطاب الديني يتم بشكل ذكي وتلقائي، على الأقل حتي الآن. ويبدو أن الرجل يعرف كيف ومتى يستخدم هذا الخطاب. ويظل السؤال المهم: هل سيتحول القول والخطاب إلى أفعال وسياسات على الأرض؟ بمعنى أخر: هل سيتحول السيسي إلى رئيس “إسلامي” يفرض رؤيته وتصوراته على الدولة والمجتمع والمواطنين؟ ربما يكون من المبكر القول بذلك أو التنبؤ به. لكن من المؤكد أن السيسي سوف يستمر في استخدام الدين كأداة في اللعبة السياسية، خاصة مع جماعة الإخوان المسلمين. ذلك أن جزء مهم من الصراع بينه وبين الإخوان، يدور حول الدين، ليس فقط انطولوجيا وأيديولوجيا (أي الفهم والتصورات والرؤى الذهنية) وإنما أيضا لما يمثله من رأسمال اجتماعي ورمزي وروحي في الصراع السياسي والاجتماعي، ومحاولات الهيمنة على المجال العام. لذا، فربما يحاول السيسي بناء كتلة اجتماعية مضادة لكتلة الإخوان، يستثمر فيها تدينه ورؤيته المحافظة لشكل الدولة والمجتمع ومنظومة القيم الحاكمة.

من جهة أخرى، يشير الخطاب الديني للسيسي، بأن ثمة مخاطر حقيقية قد تواجه الحريات الشخصية، خاصة فيما يتعلق بالحريات الدينية وحرية الاعتقاد والتعبير. لذا فلن يكون مفاجئا أن يتبنى السيسي خطابا متشددا، تجاه الأقليات الدينية الأخرى كالشيعة والبهائيين، كمدافع عن حوزة الدين ونقائه.

ومن جهة ثالثة، فمن شأن تعاظم الخطاب الديني للسيسي مستقبلا، أن يزيد الصراع مع الجماعات الإسلامية المتشددة، التي سوف تضيف إلى أسباب خلافها معه، الخلاف الفكري والعقدي، وهو ما سوف يزيد فرص عدم الاستقرار فى البلاد.

وتظل المفارقة الأبرز فيما يخص ظاهرة تدين السيسي، هي موقف القوى الليبرالية والعلمانية، التي يبدو أن بعضها قد أصيب بحالة من الاحباط والصدمة، من الحضور البارز للدين فى خطاب السيسي وأحاديثه. ويبدو أن صراعهم مع الإخوان قد منعهم من التعبير عن هذه الصدمة، حتى لا يعطوا هذه الأخيرة فرصة للتشفي فيهم. فكثير من أولئك الذين دعموا انقلاب الثالث من يوليو، قد فعلوا ذلك تحت ذريعة التخوف من قيام الإخوان بتحويل مصر إلى دولة ثيوقراطية، ناهيك عن انتقاداتهم لما اعتبروه تضييقا على الحريات الشخصية والدينية في عهد الرئيس محمد مرسي.
 

ربما لن يسعى السيسي إلى تحويل مصر إلى دولة دينية على غرار النمط الإيراني أو الباكستاني، كما حدث في عهد الجنرال محمد ضياء الحق أواخر السبعينيات وطيلة الثمانينيات، لكنه قطعا لن يبنى دولة مدنية حرة، يتمتع فيها الأفراد بحرياتهم الشخصية دون وصاية من الدولة ورئيسها.

اعلان
 
 
خليل العناني