بأي حال عدت يا عيد

يهل علينا أول مايو هذا العام ونحن العمال المصريين في مفترق طرق. فقد سارت الحركة العمالية المصرية خلال العشرة سنوات الماضية في طريق انتزاع حقوقها المسلوبة عن طريق الاعتصام والإضراب والتظاهر. كما استطاعت الحركة من خلال سيرتها هذه أن تخطي طريق في حق التنظيم النقابي بحرية للعمال بعيداً عن تدخلات السلطة. الآن ومع عودة الدولة القمعية يحاولون إعادتنا إلي ما قبل نقطة البدء، بل ويحاولون سلب ما اكتسبناه بنضالنا.

مثلنا في ذلك مثل الثورة المصرية التي تقف اليوم في مفترق طرق أيضاً، فهل تستطيع الثورة المضادة أن تعيدنا إلي ما قبل عهد الدكتاتور مبارك، أم نستطيع الانتصار علي الثورة المضادة ونكمل ثورتنا؟

فبين الحركة العمالية والثورة المصرية حبل سري، ربما لا يراه بوضوح إلا من يعايشون عن قرب الأحداث في مصر عبر السنوات الأربعة عشرة الماضية. فالحركة العمالية تتغذي من رحم الثورة الأم، والثورة الأم لن تستطيع استكمال أهدافها إلا من خلال أبنائها من الحركة العمالية، والطلابية والحركة الديمقراطية. فلم تكن صدفة أن تبدأ الحركة العمالية المصرية مرحلة جديدة من مراحل صعودها في نهاية عام 2006، بعد أن حفرت الحركة الوطنية والديمقراطية المصرية فتحة في جدار نظام مبارك. عبرت منها  الحركة الاجتماعية وفي القلب منها الحركة العمالية فتحولت الفتحة الصغيرة إلي شق كبير في هذا الجدار الصلب. هذا الشق الذي ظل يتزايد حتي استطاع الملايين من الشعب المصري العبور منه إلي عهد جديد، عهد تخلى فيه الشعب المصري عن الخوف من السلطة الغاشمة، وقد كان ذلك بداية ثورة 25 يناير، التي لم تنته بعد.

قدم الشعب المصري الكثير من التضحيات من أجل تحقيق مطلب الثورة الذي خرج كشعار من حناجر ملايين المصريين “الشعب يريد تغيير النظام”. ولم تقتصر تضحيات المصريين علي تقديم الشهداء، وآلاف المعتقلين، بل أن آلاف المصريين بل وربما الملايين قد فقدوا أعمالهم ومصدر رزقهم الوحيد علي أثر إغلاق رجال الأعمال المصانع والشركات، بعد أن أستفادوا من كل الإعفاءات والامتيازات التي منحتها لهم الدولة، وكذلك بعد أن أخذوا القروض من البنوك بضمان هذه المصانع والشركات وأمتنعوا عن السداد. فما كان من العمال إلا أن طرحوا مبادرتهم لتشغيل بعض المصانع والشركات مثل عمال قوطه وأنكوباب، جاك، وقبلهم كانت تجربة المصابيح الكهربية. فخرجت الدولة بأجهزتها المختلفة لوأد حركة  تشغيل العمال المصانع. ففجأة يتم قطع الكهرباء، والغاز والمياه، وكل وسيلة تمكن العمال من التشغيل بحجة مديونية هذه الشركة أو المصنع لهذه الهيئات، وذلك لكون صاحبها لم يدفع قيمة استهلاكه سواء من الطاقة أو المياه منذ بداية تشغيله للشركة. وكأن السادة المسئولين في الأجهزة الحكومية المختلفة يكتشفون فجأة مسألة الديون ويطالبون بها العمال. وتمتنع البنوك التي أعطت لأصحاب الأعمال المليارات بدون ضمانات حقيقية عن تمويل العمال حتي يستطيعون التشغيل، بحجج أن العمال ليسوا ذو صفة، أو لعدم وجود ضمانات لدي العمال.

وتأتي احتجاجات العمال في مساهمة البحيرة، ووبريات سمنود، وغزل المحلة والحديد والصلب، الذين يتظاهرون ويعتصمون مطالبين بحقهم في العمل، والأجر، من خلال ضخ الأموال لتشغيل هذه الشركات، لكي تكذب إدعاءات الحكومة من من كونها مع  دوران عجلة الانتاج.

في المقابل وجدنا محاولات مستميتة لإعادة عقارب الساعة للوراء، وعودة الدولة القمعية. تم إصدار قوانين تجريم الاعتصامات والتظاهرات والإضرابات، وتم اعتقال العمال ومحاكمتهم بتهمة الإضراب ووقف عجلة الإنتاج.  فعندما أضرب عمال البريد ما كان من الدولة القمعية إلا أن ألقت القبض علي خمس من قيادات الإضراب بالإسكندرية،  وساومت زملائهم علي فض الإضراب مقابل الإفراج عنهم  واستخدمت نفس الطريقة مع عمال البولي بروبلين ببورسعيد، حيث تم إلقاء القبض علي ثلاثة من العمال الذين ذهبوا لقسم شرطة الزهور لتقديم طلب بالاعتصام داخل شركتهم، فما كان من قسم الشرطة إلا أن ألقي القبض عليهم، بتهمة التحريض علي الإضراب.و لولا تماسك زملائهم الذين رفضوا فض الاعتصام بالشركة تضامنا  معهم لما تم الإفراج عنهم، وما زالت معركة عمال البولي بروبلين مستمرة حيث العمال معتصمين لحين تحقيق مطالبهم بعد الإفراج عن زملائهم. هذا وما زال عمال نتاجاس الأربعة بالإسكندرية محبوسين، وبعد أن تم التجديد لهم يوم 28 أبريل خمسة عشرة يوماً للمرة الثالثة بتهمة تعطيل العمل بمرفق عام والتحريض علي الإضراب.

هذا وفي الوقت الذي أشبعنا هذا النظام  كلاماً عن كون العمال يلجئون للإضراب ولا يلجئون للتفاوض مع أصحاب الأعمال أولا، يخرج العمال ليمارسوا بقوة حقهم في التنظيم النقابي، لكي يكون أداتهم سواء في قيادة الإضراب أو التفاوض باسم العمال. فما كان من هذه السلطة إلا أن أمتنعت عن إصدار قانون الحريات النقابية القابع في الأدراج منذ عهد المجلس العسكري. الحال اليوم ان الحركة العمالية اُمطِرَت بترسانة قوانين تجرم حقهم في الإضراب والتظاهر والاعتصام، ذلك بجانب القبض علي قيادات العمال المضربين كما رأينا،  ليس هذا فقط بل أن الجيش المصري يتدخل ويضغط في العديد من المواقع العمالية للقضاء علي نقابات عمالية مناضلة، أو اعتبارها كأن لم تكن في بورسعيد والسويس على سبيل المثال.

كل هذا والعمال المصريين يقولون للنظام القمعي حتي ولو بأصوات أضعف مما سبق إحنا مكملين ثورتنا من أجل العيش والحرية والعدالة الاجتماعية. فهناك حركات احتجاجية ما زالت مستمرة ربما تكون الأكثر وضوحاً منها الآن وسط العمال والطلبة. وتفضح الحركة العمالية أكاذيب النظام الذي يتحدث عن كونه يحارب الفساد، وأنه مستقل حتي عن حلفائه الأمريكان. والأهم أن هذه الحركات تفضح النظام الذي يدعي أنه  يحارب الإرهاب، وتكشف معها كل الوجوه الزائفة لقوي سياسية سواء ليبرالية أو يسارية، كانت تدعي طوال سنوات أنها مع الديمقراطية وضد الديكتاتورية.

العمال في طريقهم لاستكمال الثورة أدركوا أنه لا يكفي أن نزيح الديكتاتورالفاسد  من رأس نظام الحكم فقط، بل يجب أن يزاح كل الفاسدين في كل شركة، وهيئة، فما كان من عمال غزل المحلة وغزل كفر الدوار، والحديد والصلب وغيرهم إلا أن وقفوا وقالوا “عندنا فاسدين يعملون علي تعطيل عمل شركاتنا”، كما يعملون علي تخسير هذه الشركات للوصول لوقفها عن العمل، فكان رد الحكومة أن  قامت بترقية هؤلاء الفاسدين وحمايتهم.

ليس هذا فقط، بل تحرك العمال – الذي بدأ  قبل إزاحة مبارك – كان خطوة نحو محاربة الفساد والفاسدين في خصخة الشركات، عبر التوجه للقضاء للطعن علي عقود بيع الشركات التي خصخصت بالفساد، والتي كانت نتيجة خصخصتها إغلاق هذه الشركات وتشريد عمالها عكس ما كانوا يروجونه للخصخصة. وحصل العمال علي أحكام  نهائية بعودة عدد من الشركات  للقطاع العام، مثل طنطا للكتان، وغزل شبين والمراجل البخارية، وغيرها. وذهب العمال  ليقولوا لرئيس الوزراء نفذ أحكام القضاء، ألا تتحدثون عن احترام أحكام القضاء؟ فما كان من الحكومة إلا أنها اتجهت للطعن علي هذه الأحكام. و حتي عندما خسرت هذه الطعون، أمتنعت عن تنفيذ أحكام نهائية واجبة النفاذ، فاستحقت طبقاً لدستورهم الحبس. وفي محاولة للمسئولين للهروب من مصيرهم المحتوم أصدرت هذه الحكومة قانون يحرم العمال من حقهم في التقاضي والطعن علي العقود و الاتفاقيات الفاسدة.

يدَّعون ليل نهار أنهم يحمونا من الإرهاب، فنكتشف أنهم يحمون رجال الأعمال ويعملون علي إرهابنا،  لكي تتخلي عن حقوقنا لصالح رجال الأعمال، ووجدنا ذلك مع عمال سيراميكا كليوباترا، وعمال بولي بروبيلين، وعمال شركة بلوتنيوم، في كل هذه الحالات كان هناك تدخل من السلطة العسكرية ممثلة في الجيش والشرطة تضغط علي العمال وتعتقلهم وتهددهم، لكي يفضوا احتجاجاتهم ويخضوعوا لأبو العنين، ومحمد فريد خميس، ولواءات الجيش المتقاعدين ملاك شركات. بل أنها في حالة عمال بلوتنيوم استخدمت قوات الجيش والشرطة الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي لفض اعتصام العمال داخل ميناء العين السخنة.

هذه الحكومة تدعي أنها مستقلة عن الأمريكان، في الوقت الذي نجدها تترك المستثمرين سواء أجانب أو مصريين ينتهكون حقوق العمال المصريين علي أرض المصانع المصرية، ولعل المستثمر الأمريكي مالك كارجل مثال واضح لذلك، فعمال كارجل ظلوا محاصرين لأكثر من أربعة أشهر بالكلاب البوليسية والبلطجية، عقب اعتصامهم للمطالبة بحقوقهم في الأرباح والحوافز وغيرها،  ومنع عنهم الطعام والعلاج لفترة من الزمن، وهذه الحكومة لم تحرك ساكن، وكأن مسئوليها صم بكم لا يسمعون. وعندما تتدخل وزيرة القوي العاملة، كان ذلك من أجل فصل العمال مع مكافأة.

الشعب المصري وفي القلب منه عماله سيستكمل ثورته إلي أن تتوقف سياسات استغلال وتجويع فقراء الشعب علي يد النظام المنحاز لرجال الاعمال و السياسات النيوليبرالية مثل التي يدفع بها البنك الدولى رغم ادعاءه غير ذلك. سيكمل طالما أن أمهات الشهداء لم تجف دموعهم علي أبنائهم، و طالما يتم ترقية الفاسدين وحمايتهم بدلاً من محاكمتهم، فإن إرادة الشعب لم تتحقق بعد.

كل سنة وعمال مصر وعمال العالم مناضلين، وعن حقوقهم مدافعين.

اعلان
 
 
فاطمة رمضان