سيناء.. عبور بلا عبور

لا يوجد عبور من وإلى سيناء.

هذا ما تدل عليه الكثير من مظاهر الحياة في شبه الجزيرة المعزولة الآن.

دخل مصطلح “العبور” من بوابة سيناء عام ١٩٧٣، وظلت الأنظمة المتعاقبة تروج له ٤٠ عاما -وما زالت- عبر أجهزتها باعتباره مصطلح تنموي بجانب كونه عسكري، لكن التنمية لم تكن سوى وهم طوال تلك الفترة، ليتحول “العبور” فيما بعد لمجرد شفرة تضمن بقاء الحكام وحكومته.

على الأرض اليوم لا يمكنك العبور من وإلى سيناء أو في شوارعها إلا في ساعات محددة سلفا حيث تسمع الطلقات التحذيرية، في غير الوقت المحدد للتجول. هناك مناطق قطعت عنها الطرق تماما مثل جنوب رفح، وهي المناطق التي كانت قراها مستهدفة للزراعة بالمياه الجوفية (مبادرة الآبار الشعبية)، أصبحت اليوم ساحة للحرب.

منذ عام تقريبا سيناء معزولة بحجة الحرب على الإرهاب، وضع الجيش نقاط حصينة لتفتيش الخارج والداخل وأغلق كوبري السلام الرابط الوحيد بين شمال سيناء وباقي المحافظات، واستبدل الكوبري بمعديات مرهقة للعابرين، قد تستغرق ساعتين لتبلغ الضفة الأخرى لقناة السويس بعد أن كانت عشر دقائق فقط تكفي.

كنت في العريش الأسبوع الماضي، وكانت مجموعة من الشباب قد بدأت في تصعيد حملة “سيناء خارج التغطية”، بتحريك دعوى قضائية ضد شركات الاتصالات جميعها لقطعها الخدمة عن سيناء منذ عام، وصلت عدد ساعات قطع الاتصالات لمده ١٤ ساعة في اليوم رغم أنها تحصل فواتيرها كاملة، البعض رأى أن الشركات لن تحاكم بالفعل على غرار ما حدث يوم ٢٨ يناير.

أنور الفالوجي، وكيل أحد شركات الإنترنت في العريش قال “إنه يواجه الكثير من لوم العملاء، وحاول أكثر من مرة أن يستفسر عن سبب الإجراء الاستثنائي إلا أنه لم يصل لردود قاطعة، كان يكفي أن تقول الشركة أنها “دواعي أمنية”، وقد تأخذ ٦ أشهر على الأكثر”.

في هذا الشهر، شهر احتفالات العبور يمر، عام على سيناء وهي خارج تغطية جميع الشبكات.

سور العريش العظيم وشبح الإرهاب

مرت سيناء بالكثير من التقسيمات الداخلية بعد “التحرير”، بداية من التقسيمات الإدارية، وتضم ثلاث محافظات هي شمال سيناء وجنوب سيناء ومدينة القنطرة شرق التابعة لمحافظة للإسماعيلية، حيث ظلت شبه جزيرة سيناء محافظة واحدة لعدة سنوات عقب الحرب، إلا أن التقسيم الأعنف كان التقسيم الأمني مع اتفاقية كامب ديفيد لثلاث مناطق (أ ،ب ،ج) وكان ذلك بداية السقوط الكبير، حيث وضع سكان كل منطقة من الثلاثة تحت درجة من الرقابة الأمنية على حسب القرب والبعد من الحدود المصرية الفلسطينية، نتج عن ذلك التهميش للكثير من السكان، على الأخص المناطق القبلية والحدودية.

خلال العام الماضي بدأ بناء سور كبير يفصل بين مدينة العريش والمدن الشرقية والشيخ زويد ورفح وقراهم الملاصقة للعاصمة، ٧ كيلو متر بالفعل تم بناؤها من السور في تقسيم جديد للمحافظة الشمالية على حسب تأكيد مهندسين من شركات البناء هناك، الغرض من السور هو حماية المدينة من الهجمات التي يمكن أن تحدث من المنطقة الشرقية، خاصة على المناطق الصناعية (مصانع أسمنت خاصة ومصانع ورق، وأخرى تابعة للقوات المسلحة) بالإضافة إلى منع تسلل مسلحين للمدينة.

يبدأ الجانب الشرقى من السور بمزارع الزيتون أو”المزرعة” و تمتد لحدود رفح مرورا بطريق “الطويل” وهو الأشهر نظرا لوجود محطة الغاز الشهيرة بانفجارها المتتالي، وهي المناطق التي شهدت الجانب الأكبر من الاشتباكات طوال العام الماضي.

هذه المعلومات ليست كافيه لتبرر لأهالي الجانب الشرقي من السور عزلهم ليس فقط عن محافظة شمال سيناء أو العاصمة التي ولدوا فيها، العريش، بل عن مصر، حيث سيصبح العبور الآن للمدينة أمر صعب وأيضاً الخروج منها مرة أخرى. كتب عدد من الأهالي على صفحاته الشخصية تحت عنوان “سور العريش العظيم” عن المساوئ التي قد تنتج من التقسيم بهذا الشكل، خاصة أن التقسيم الأمني لم يفد في القضاء على عنف أو إرهاب كما يروج أصحاب فكرة بناء السور، بل وحضرت الإفيهات والنكات حول ضرورة حملنا بسبورات العبور. يقتنع الكثير من الشباب أنه ليس أكثر من إجراء لحماية البيروقراطية القديمة وشبكة مصالحها، من مقاولين أو لواءات متقاعدين أصحاب شركات “بيزنس”، دخلوا في صراعات قبلية على أحقيتهم في ثروات تلك الأرض ولذلك قرروا بناء سور.

في سيناء تحولت كلمة الإرهاب إلى شبح تستخدمه السلطة لتحويل من يعارض أدائها لإرهابي. الحديث هنا ليس على أرض الاشتباكات، بل داخل مؤسسات ونقابات مهنية قديمة من المفترض أن لا تخضع إلا لمعايير تحفظ حقوق أصحاب المهنة. في نقابة المهندسين بالعريش مثلاً، اتهم عبد القادر الشوربجي، المرشح المنافس على مقعد النقابة الفرعية، بأنه إخواني لمجرد انه ينتمي لنفس قبيلة مرشح إخواني سابق، وهو ما نفاه عدد من شباب المهندسين، كما اتهموا المرشح المنافس بالتزوير واستخدام الإرهاب كأداة للتشويه في إطار موائمات سياسية تربطها مصالح.

وقال المهندس أحمد الحلو أن التشويه فشل، فلجأ أنصار المرشح المنافس المنتمي للحزب الوطني لدس أوراق إضافية في الصندوق لإبطال الانتخابات وإعادتها.

الحياة بدون مياه في المدينة المعزولة

مياه الشرب لا تعبر إلى سيناء.

هذه أزمة جديدة بدأت الأسبوع الماضي بعدما قررت إدارة شبكات المياه في العريش فجأة تشغيل المياه مرة واحدة كل ثلاث أيام لسكان العريش.

لم يعلم الأهالي السبب إلا بعد ٤ أيام من بداية قطع المياه حين اكتشفوا بالصدفة انهيار بئر التخزين الرئيسي للمدنية، وأن إصلاحه قد يستغرق شهورا، أو قد لا يتم إصلاحه أصلا، كما أن المياه التي تصلهم الآن هي حصة مقتطعة من خط مياه الشرب القادم من محافظة الإسماعيلية. بدأ السكان منذ ما يقرب من أسبوع في اعتلاء أسطح البيوت ليقتسموا ما تم تخزينه خلال اليوم المحدد لتشغيل خطوط المياه، وعليهم أن يكتفوا بذلك لثلاثة أيام حتى عودة المياه مرة أخرى.

كان وصول المياه لسيناء المشروع الأكبر لدى دولة “العبور” وأنشأ على أثره جهاز تعمير سيناء الذي -كمعظم المؤسسات المحلية في سيناء- يقوم بإداراتها لواء سابق، أو يشرف عليها على الأقل، إلا أن المشروع أصبح مدين بالملاين للصناديق التي مولته ولم يستصلح من ٤٠٠ ألف فدان سوى فدادين قليلة، كما توقفت ترعة السلام في مدينة بئر العبد التي تبعد ٨٠ كيلو قبل العريش. هذا وقد عادت مؤسسات  الدولة للعمل مرة أخرى بنفس عدم الكفاءة تقريبا، ومن الجانب الآخر ظل تعنت الإدارات حتى بعد ثورة يناير في وضع بديل، كحفر آبار جوفية على سبيل المثال مما دفع البعض للحفر بأنفسهم بمبادرات شعبية.


وبذلك تحتفل الدولة البيروقراطية اليوم بعيد التحرير أو العبور في بلد ليس فيه عبور.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن