أين الله؟!

يولد الإنسان حرا، ولكنه في كل مكان يجر سلاسل الاستعباد”، عبارة قالها الكاتب والفيلسوف السويسري جان جاك روسو، خِلت من قسوة ما يحدث للناس في بلادي هذه الأيام  أنه يقصدهم.

لست هنا لأحكي عن القتل والزج بالمعارضين في غيابات السجون والتشويه لكل الذين حلموا ويحلمون وسيظلون متمسكون بحلمهم في بناء دولة المؤسسات على دعائم الحرية والحق والجمال والعدالة الإجتماعية، ولكن لكي أؤكد أنه ليس منطقيا بل ليس من العدل في شيء أن يصدر حكما بالسجن خمس سنوات ضد كاتب -كبر اسمه أو لم ينل حظه من الشهرة بعد- لمجرد أنه ألف كتابا احتوى بين دفتيه مجموعة من القصص، ووضع له عنوانا “أين الله”.

من حق كرم صابر أن يكتب ما يشاء، فلسنا في عصور محاكم التفتيش، فالدولة التي يدعون متانتها وقوة مؤسساتها وأصالة شعبها وتدينه بالفطرة لن ينخر في نسيجها كتاب ككتاب “أين الله” الذي رأى مجموعة من الحسبة أن كاتبه مارق وأن كتابه يمثل اعتداء على الذات العليا، فضلا عن تهديده للسلم الاجتماعي، فتبرعوا بتقديم بلاغ للنيابة العامة ضد الكتاب ومؤلفه لمصادرة الأول وسجن الثاني، متخيلين أنهم هكذا يحرسون العقيدة متناسين أن الفكرة تدحضها الفكرة والعبارة تردها العبارة.

لم يكن أمام النيابة العامة سوى إحالة الكتاب إلى لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية والكنيسة ليدليا برأيهما الشرعي في ما نُسب للكتاب ومؤلفه، ولم تختلف المؤسستان الدينيتان في رفضهما للكتاب، واعتبار مؤلفه مخطيء يتوجب عليه التوبة والاعتذار عن ما قدمت أنامله، وهنا أورد ما جاء نصا في تقرير لجنة الفتوى :” ..ولما كانت الكلمة المنطوقة أو المكتوبة هي المعبرة عن ما في العقل كانت، ولابد أن تكون كلمة مسئولة تحترم عقيدة وشريعة التسامح أو القاريء، فلا تقبح معتقدا ولا تدع إلى رذيلة أو انفلات أخلاقي، وكل هذا لم يراعه كاتب رواية “أين الله” حيث لم تسلم من قلمه عقيدة أو شريعة أو خلق حتى وصل الأمر بالكاتب إلى سب الذات الإلهية، ووصفها بألفاظ لا تليق ولا تخرج من قلم مسئول”.

واختتمت اللجنة تقريرها بتوصيات :

أولا : التثمين على رد مجمع البحوث الإسلامية في شأن هذه الرواية والذي أفاد بأن هذه الرواية غير صالحة للتداول والنشر.

ثانيا: ما ورد في الصفحات المشار إليها سالفا لا يقبله عقل ولا يقره دين.

ثالثا: هذه الرواية تعمل على تكدير السلم الاجتماعي وتنشيء تربة خصبة للفتنة وعوامل الفرقة بين أفراد الوطن الواحد.

رابعا: دعوة الكاتب إلى الإنابة والرجوع إلى الصواب بحسن الاعتذار إلى الله والتبريء مما ورد في هذه الرواية من سب وازدراء للعقيدة والشريعة.

التقرير يثير الدهشة في أوله، والفزع في آخره لدعوته الكاتب الإنابة والتوبة عما اقترفه من خطيئة بحق الخالق والمخلوقين، ولا يخلو التقرير من  شبهة التحريض على قتل من جاء بحقه لسبه الأديان وتهديده السلم الاجتماعي، وهنا لا يفوتنا أن عبارات كتلك التي تضمنها تقرير مجمع البحوث الإسلامية كانت دافعا لبعض المتشددين لقتل الدكتور فرج فودة أوائل التسعينيات بسبب مجموعة من كتبه على رأسها كتاب “الفريضة الغائبة”، وبعبارات كتلك أيضا تم تحريض متطرف على محاولة قتل أديب نوبل نجيب محفوظ، والغريب في الأمر أنه عند التحقيق مع المتهم بمحاولة قتل نجيب محفوظ أقر بأنه لم يقرأ حرفا مما سطره الكاتب ولكنه استمع إلى فتوى تقول أن الرجل يسب الذات الإلهية ويتهكم على الأنبياء في روايته “أولاد حارتنا”.

كنا نربأ بالأزهر الشريف أن يقع في هذا الفخ، فخ المزايدة من جانب السلطة التي تحاول أن تغازل الفئات البسيطة بورقة الدين لتثبت لها أنها أكثر حرصا على الإخلاق والعقائد من التيارات الدينية التي توصمها بالإرهاب والتخلف والتطرف عبر أجهزتها الإعلامية. فبدلا من أن تدعم السلطه الحاكمة الحريات التي سالت من أجلها دماء الشهداء وتعالت لتحقيقها صرخات الثكالى والمكلومين؛ راحت تثبت على رؤوس الأشهاد، دون ذرة من حياء، أن الدولة المباركية لم تزل وأن حكمها مستمر حتى وإن غاب مبارك ورجاله عن المشهد.

لذا ليس مصادفة أن يصادر كتاب “أين الله” ويحكم على صاحبه بالسجن خمس سنوات ويؤيد الحكم وكذلك يصدر رئيس الوزراء إبراهيم محلب قرارا بمنع عرض فيلم “حلاوة روح” بالمخالفة للمادة ٦٧ من الدستور والتي جاء فيها أن “حرية الإبداع الفني والأدبي مكفولة، وتلتزم الدولة بالنهوض بالفنون والآداب، ورعاية المبدعين وحماية إبداعاتهم، وتوفير وسائل التشجيع اللازمة لذلك. ولا يجوز رفع أو تحريك الدعاوى لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية أو ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة، ولا توقع عقوبة سالبة للحرية فى الجرائم التى ترتكب بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد، فيحدد القانون عقوباتها. وللمحكمة في هذه الأحوال إلزام المحكوم عليه بتعويض جزائي للمضرور من الجريمة، إضافة إلى التعويضات الأصلية المستحقة له عما لحقه من أضرار منها، وذلك كله وفقاً للقانون.”

النظام الحالي صادر كتابا ومنع فيلما من العرض ليؤكد لنا استمرارية نظام مبارك الذي صادر في عام ٢٠٠٠ رواية الكاتب السوري حيدر حيدر “وليمة لأعشاب البحر” وتسبب تقرير مجمع البحوث الإسلامية الذي اعتبر الرواية  تحريضا على الكفر وازدراء للأديان، وسط تصاعد الاحتجاجات فوق منابر المساجد وخروج طلاب جامعة الأزهر في مظاهرات حاشدة ضد الرواية ومؤلفها. كما تسبب التقرير في صدور قرار النائب العام بفتح التحقيق مع الكاتب الراحل إبراهيم أصلان والكاتب حمدي أبو جليل، اللذين كانا ضمن أعضاء هيئة تحرير سلسلة آفاق الكتابة التابعة لوزارة الثقافة بتهمة “ازدراء الأديان والترويج لأفكار تتنافى مع الآداب العامة بأموال الدولة”.

كذلك وعلى سبيل المثال لا الحصر منع في عهد مبارك عام ٢٠٠٦ فيلم “شفرة دافنشي” المأخوذ عن رواية دان براون من العرض في مصر للأسباب عينها، ومن قبله بسنوات منع عرض فيلم المهاجر لأسباب مشابهة تماما مما اضطر مخرجه يوسف شاهين لإقامة دعوى قضائية لعرض الفيلم حكم فيها لصالحه.

ما حدث في عهد مبارك من اعتداءات على حرية الرأي والتعبير وهو الأمر الذي ينتهجه النظام الحالي والمتوقع أن تزيد حدته في ظل النظام القادم والمعروف سلفا، وهذا ليس إلا صراعا سياسيا بين النظام وبين الجماعات الراديكالية، يدفع ثمنه الفنانون والمبدعون ويعرض حرياتهم وحياتهم للخطر.

لا أحد منا منزوع منه الأخلاق والرؤى، حتى أبسطنا له فلسفته التي استمدها من خبرته بالحياة فضلا عن نشأته. لا أحد منا يخلو من وازع من ضمير أو أيدلوجية ثقافية أو دينية أو اجتماعية، لذا ليس من حق أحد أن يلعب دور المتعال على أحد ويخول لنفسه سلطة يفتش من خلالها في النوايا ويصدر بموجب هذا التفتيش أحكاما بالمنع أو المصادرة يعقبها أو يسبقها أحكاما بتقييد الحرية والحبس.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن