البرد: القاتل الصامت

لم تدم طويلا السعادة بـ”الثلوج” التي تساقطت في ديسمبر، والسخط من الفوضى المرورية التي خلفتها الأمطار، فجلب هذا الشتاء الموت مرارا وتكرارا في سانت كاترين وفي القاهرة أيضا. حالات الوفاة القليلة التي نعلم عنها هي بمثابة “قمة جبل الجليد”، أي جزء صغير من مشكلة كبرى أودت من المرجح بحياة الآلاف من المصريين.

من السهل عدم ملاحظة كيف نالت درجات الحرارة المنخفضة من حياة الناس. يمكن تجاهل ذلك لأن البرد قاتل طبقي يحصد أرواح المجتمعات الفقيرة أولا. قد يبدو تغير المناخ مسألة بعيدة عن هؤلاء الذين يتسوقون في المولات التجارية الفاخرة ويتناولون الطعام في الأبراج المطلة على النيل، لكنه بدأ بالفعل في اجتياح حياة الملايين من سكان المدينة.

كانت وفاة محمد بهنس المؤلمة في ديسمبر واحدة من الحالات القليلة التي حازت على بعض اهتمام الرأي العام. محمد بهنس فنان تشكيلي وكاتب سوداني كثير السفر، أُجبر على اللجوء للشارع بعد قضاء عدة سنوات في القاهرة بدون أوراق رسمية أو مصدر للدخل. وأخبرنا صديق لبهنس أنه في أيام عديدة كان يجد صعوبة في جمع بعض الجنيهات القليلة لتكفيه قوت يومه، ولم يكن لديه مأوى أو ملابس ثقيلة. وجدت جثة بهنس في موقعه المعتاد في ميدان الأوبرا يوم ١٨ ديسمبر في واحدة من أقسى موجات البرد التي شهدتها القاهرة خلال عقود.

لا نعلم عدد الأشخاص الذي قتلهم البرد في مصر لأن لا وجود لتلك الإحصاءات ولا سيما أن الكثير من الضحايا في الأغلب ينتمون إلى الشارع أو من الفقراء.

ولكننا نعرف أن بريطانيا سجلت في عامي ٢٠١٢ و٢٠١٣  قرابة  ٣٣,٠٠٠ حالة وفاة نتيجة للبرد القارس، ومات ٧٠٠٠ منهم نتيجه نقص الوقود مجبرين على الاختيار بين الطعام وتدفئة منازلهم. لكن ما علاقة هذا بمصر؟

يوجد اعتقاد خاطئ أن “الموت من البرد” مشكلة خاصة بدول الشمال الباردة، وأنها مشكلة غير موجودة في الدول ذات الجو المعتدل والحار، ولكن في الواقع أن فنلندا، وهي دولة شديدة البرودة، لديها أقل نسبة زيادة في معدلات الوفيات خلال فصل الشتاء في أوروبا؛ في حين أن البرتغال، الأكثر دفئا، تحوز على النسبة الأعلى (٢٨ بالمائة) وأسبانيا (٢١ بالمائة).  أي، ربما على عكس المتوقع، يكثر ضحايا البرد في المناطق ذات مناخ أكثر اعتدالا ودفئا في فصل الشتاء عن هؤلاء في البلاد ذات الشتاء الأكثر شدة وبرودة.

وتشير البحوث إلى أن المسئول الأكبر عن الوفيات الناتجة عن الطقس البارد هي عوامل متعلقة بالهياكل والنظم الاجتماعية؛ حيث يموت أناس أكثر من برودة الطقس في الأماكن التي لا يتم تخصيص الموارد العامة فيها للسكن والنظام الصحي. بعبارة أخرى، البرد لا يقتل إلا هؤلاء الذين يعيشون في مساكن رخيصة غير معزولة جيدا، بدون فرص الحصول على رعاية صحية مناسبة. إنها ببساطة قضية تتعلق بالتكيف الاجتماعي، والعديد من الدول الحارة لم تستطع التكيف مع برودة الطقس، ولهذا يعاني سكانها الأقل مواردا آثارا أكثر قسوة من البرد. آثار ووفيات من الممكن تفاديها، تنتج في الجزء الأكبر من سياسات وقرارات القادة.

لكن مع تلك المعدلات المرتفعة في أوروبا، كم عدد الناس الذين يموتون دون داع في مصر كل شتاء؟

نظرا لتمتع مصر بطقس حار أغلب السنة، فلا يوجد بالمنازل المصرية عزل جيد، وأساليب التدفئة غير فعالة، ولا يستطيع الملايين تحمل تكلفة الطاقة اللازمة لتدفئة منازلهم. ويزيد من سوء هذا الوضع معاناة ملايين المصريين من سوء التغذية وانعدام فرص الحصول على رعاية صحية مناسبة، فالنظام الصحي فقير وتحت ضغط كبير.

على الرغم من تلك الكارثة إلا أنه لا وجود لإحصاءات عنها، لأن أغلب الأبحاث عن هذا الموضوع تركز على الدول الباردة، لكن تُظهر دراسة عن مدينة جوانزو في الصين مثلا زيادة معدل الوفيات بنسبة ٢٦٪ في فصل الشتاء، مع العلم أن متوسط درجات الحرارة في جوانزو في الفصول الباردة من نوفمبر إلى مارس تختلف درجة واحدة فقط عن القاهرة. لذا فبافتراض تشابه الأرقام في القاهرة بتلك في جوانزو، فسيكون هناك نحو ٣٠,٠٠٠ وفاة ناتجة عن برودة الشتاء في منطقة القاهرة الكبرى فقط.

من الجميل أن نتصور أن ممكن للناس التأقلم مع البرد لو تم توعيتهم بوسائل السلامة في الشتاء، ولكن الواقع أن الكثير في مصر تأقلم وتكيف بالفعل دون مشاكل – وهم الأغنياء والميسورين، فهؤلاء لديهم منازل يمكنهم اللجوء إليها والاحتماء فيها من هجوم البرد، ويستطيعون تحمل تكلفة الطاقة وأجهزة التدفئة، ولديهم فرص للحصول على رعاية صحية جيدة. ببساطة: الأغنياء والميسورون لايموتون من البرد؛ على الجانب الآخر، ضحايا البرد هم هؤلاء الذين لا يملكوا نفقات تدفئة أنفسهم وبيوتهم.

ذلك، ومع تزايد حدة تغير المناخ في مصر، يصبح الشتاء أكثر برودة والصيف أكثر حرارة، نرى ظواهر أخرى لتأثير تغير المناخ. تتمثل مثلا في تسرب المياه المالحة إلى الأراضي الزراعية في الدلتا، وموت الشعب المرجانية، وتغير مواسم الصيد، وارتفاع منسوب المياه الجوفية ومياه البحر بطول المناطق الساحلية، وعدم انتظام تدفق النيل، وارتفاع الحرارة في صعيد مصر.

يعتقد الكثيرون خطأً أن التغير المناخي هو انتقام الطبيعة منا لما فعلناه بها، لكن يغيب عنهم أن تأثير التغير المناخي هو نوع من أنواع العنف الطبقي، ولكنه عنف كامن غير مرئي تم توجيه المسئولية عنه نحو لوم الكوارث “الطبيعية” و”دورات المناخ” والطقس.

فالتغير المناخي أكثر ضررا بالفقراء، وبالرغم من أن بعض الكوارث المتعلقة بالتغير المناخي تجد طريقها إلى الوعي والضمير الجمعي بسهولة كالأعاصير والفيضانات والجفاف،  فالبرد يزحف بصمت دون أن يخلف صورا إخبارية أو مادة إعلامية جذابة، ولا نسمع عادة عن ضحاياه.

لم تكن الوفيات حتمية عندما انخفضت درجات الحرارة هذا الشتاء، فمن السهل لهذا النوع من الوفيات أن يمر مرور الكرام، لأن أغلب الناس لا يموتون من التجمد حرفيا، لكن التعرض الزائد للبرد يؤدي لمضاعفات لأمراض مزمنة وخاصة أمراض القلب والجهاز التنفسي. ضحايا البرد غالبا هم من الفئات المهمشة بالفعل بسبب الاستغلال الاقتصادي والحرمان من الحقوق السياسية التى تضمن لهم حياة كريمة.

هذه الوفيات جراء البرد هي نتيجة لسياسات وممارسات وقرارات اتخذت في أروقة صنع القرار في لاظوغلي ومصر الجديدة والقطامية، وفي أماكن أبعد مثل لندن وبروكسل وواشنطن وقطر. قرارات تختار الاستمرار في حرق الوقود الأحفوري، وتكريس واستمرار اقتصاديات البترول لصالح الأغنياء وذوي النفوذ.

العقود القادمة ستغير مصر جذرياـ فالوفيات المرتبطة بانخفاض درجات الحرارة هي عرض واحد فقط من أعراض متزايدة، فالسيناريو الأسوأ للتغير المناخي هو أن الحرارة الشديدة والجفاف سيؤديان إلى مجاعات شديدة نتيجة لتدمير المحاصيل وموت الثروة الحيوانية. التغير المناخي يعني زحف الأمراض التي ستحملها الماء والحشرات من المناطق المدارية لتصل إلى ملايين لم يكونوا عرضة لها من قبل، وسوف تواجه المدن الساحلية الكبرى مثل الأسكندرية مخاطر الإغراق، وحتى عندما يحدث الجفاف أو الفيضانات في الخارج سيتعرض سكان المدينة الذين يعتمدون على الأغذية الأساسية المستوردة مثل القمح والأرز إلى تقلب الأسعار مما قد يؤثر على قدرتهم على إطعام أنفسهم.

يقتل أيضا ارتفاع درجات الحرارة والإجهاد الحراري الناس، خصوصا العمال الريفيين الذين لا يستطيعون تجنب الأعمال الشاقة والخارجية. تلك الكوارث تحصد أرواح العديد من الفقراء وعدد قليل من الأغنياء. المزارعون الريفيون والطبقة العاملة الحضرية لديهم قدرة أقل للحصول على الموارد التي تمكن من البقاء على قيد الحياة مثل السكن الآمن والمياه النظيفة والقدرة على التنقل.

التغير المناخي كارثة طويلة يسببها ويتربح منها الأغنياء والأقوياء من خلال التجارة في الانبعاثات الكربونية والاستيلاء على الأراضي، وهندسة المشاريع العملاقة بشكل يعطي الأولوية لمصالحهم. ففي حين أن بعض المصريين سيموتون في شوارع القاهرة بسبب البرودة والبعض الآخر سيخسر أراضيه بسبب زحف البحر، ستستمر النخبة في تعظيم حيازاتها من الأراضي من منتجعاتهم المغلقة المريحة.

القيام باحصاءات هي أول خطوة مهمة لمعرفة كيفية تأثر الناس بالبرودة المتزايدة في القاهرة والمدن المصرية الأخرى. نعلم أن التغير المناخي سيغير مصر جذريا في العقود القادمة، لذا نحن بحاجة إلى الخروج بمقترحات للتكيف ترتكز على العدالة الاجتماعية والاقتصادية وليس فقط العمل الإغاثي والخيري؛ مقترحات قادرة على تغيير النظم والهياكل الاقتصادية والاجتماعية التي جعلت الفقراء معرضين للخطر بهذا الشكل في المقام الأول.

اعلان
 
 
ميكا مينيو-بالويلو