أي رياح أتت بهاني قدري؟

ربما يكون هاني قدري، وزير المالية الحالي في حكومة ابراهيم محلب، اسما جديدا على آذان أغلب المواطنين، باستثناء المتابعين عن قرب لعمل وزارة المالية، الذين يعرفون جيداً الدور البارز له كمساعد لوزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي، الذي قاد تغييرات واسعة في السياسات المالية ذات طابع نيوليبرالي، ثم مشاركته في حكومات بعد الثورة حتى انسحابه الهاديء من العمل الحكومي خلال رئاسة محمد مرسي.

عودة قدري للعمل الحكومي كوزير للمالية تستدعي الاهتمام، فهي قد تكشف لنا أولويات السياسات المالية لسلطة ما بعد الثلاثين من يونيو خلال تلك الفترة الحساسة، التي تتأهب فيها السلطة الجديدة لكي تتخلي عن صفتها “المؤقتة” بتنصيب رئيس جديد.

محاولة استشراف السياسات المالية الجديدة في مصر من واقع اتجاهات قدري وتصريحاته الأولى، تتطلب بالضرورة أن ننظر وراءنا قليلاً للتطورات التي جرت في أروقة المبنى الأبيض الشاهق بحي العباسية، والذي تعاقب عليه وزراء مالية كثيرون لم تطل مدة إقامتهم فيه، مثلما كان الحال في عهد غالي.

القصة تبدأ من عند سمير رضوان، وزير المالية من يناير حتي يوليو ٢٠١١، كان استدعاءه كخبير اقتصادي يرتبط اسمه بمنظمة العمل الدولية ليرأس الوزارة المسئولة عن توزيع الموارد المالية على أجهزة الدولة أمر لافتا، نظرا لاقتران منصب وزير المالية في تصور الكثيرين بإجراءات تقنية كالسيطرة على مستويات الديون وعجز الموازنة، أكثر من ارتباطه بالسياسات الاجتماعية.

وفي أول موازنة للدولة بعد الثورة حرص رضوان على أن يقدم نقدا لاقتصاد مبارك وما تسبب فيه من ضغوط اجتماعية، عندما تحدث عن أن نجاح السياسات الاقتصادية السابقة لا ينفي وجود “عدد من المشكلات الهيكلية حالت دون تدفق ثمار ذلك النجاح ووصول عوائد النمو إلى العديد من فئات المجتمع”.

ولكن الإصلاحات الاجتماعية التي قام بها رضوان لا تعني أنه استطاع أن يعالج المشكلات الاقتصادية الكبرى، فإن كانت الزيادة التي طبقها رضوان على الحد الأدنى لأجور العاملين في الحكومة، بنحو ٣٥٠ جنيه، أمرا ممكنا من خلال حلا حسابيا يدبر قدرا من الموارد العامة لهذا الغرض، فالمشكلة الأكبر التي لم يستطع رضوان حلها بالورقة والقلم هي تفاقم تكلفة الدعم، فهذا الملف يتطلب حوارا مجتمعيا واسعا لأن أي تعديل فيه سيغير من نمط حياة قطاعات مهمة من المصريين.

ومع تراجع الاحتياطي من النقد الأجنبي تزداد مشكلة الدعم تعقيدا، لأننا نعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المحروقات المدعومة من الخارج.

مهدت تلك الأزمات لرضوان، لكي يفتح ملفا آخر، وهو الاقتراض من صندوق النقد الدولي. لم يكن القرض في حد ذاته هو القضية المحورية، ولكن مروره يعني إصلاح ملف الدعم على طريقة تجارب الصندوق السابقة، والتي ساهمت كثير منها في خلق ضغوط معيشية ناتجة عن تحرير أسعار الطاقة، لكن القرض لم يمر، أوقفه المجلس العسكري لأسباب لم يعلنها.

من حقك أن تسأل بعد هذه الاستفاضة في وصف وزارة رضوان، متى نصل لقدري، لذا سأقفز سريعا في الحكي عن الوزارات التالية، فهي تقريبا لم تنجز شيئا مهما، ولكن المفارقة الطريفة التي تجمع من تقلدوا الوزارة بعد رضوان، هو أن كل اسم منهم كانت له خلفية سياسية مختلفة، ومع ذلك اتفقوا كلهم على ضرورة قرض الصندوق.

أيده حازم الببلاوي، الذي كان اسمه مرتبطا بنشاطه السياسي في ٢٠١١ مع التيار الليبرالي، وممتاز السعيد، الذي جاء من قلب بيروقراطية الدولة في وقت تصاعدت فيه الأصوات تتطالب بحكومة خبراء لا سياسيين، والوزيرين اللذين أتى بهما الإخوان من مدرسة الاقتصاد الإسلامي، المرسي حجازي وفياض عبد المنعم.

بدى أن الدولة والقوى السياسية المتصارعة على السلطة تجمعهما رؤية مقاربة لرؤية الصندوق في كيفية تعديل سياسات الدعم، وكان الظرف الاقتصادي يضغط بشدة لإجراء أي إصلاحات مالية تخفف من عجز الموازنة الذي كان يتصاعد بشكل ملفت، من ٩,٨٪ من الناتج الإجمالي في السنة المالية التي وقعت فيها الثورة، إلى ١٠,٦٪ في السنة التالية، ثم ١٤٪ حتى صيف ٢٠١٣.

اقتربنا من سيرة هاني قدري، لم يعد أمامنا سوى أن نحكي في عجالة عن أحمد جلال، الخبير الاقتصادي المرموق الذي كان يتعامل مع قضية قرض الصندوق بشكل عملي للغاية، حيث كان يؤكد على أنه لا يوجد خير أو شر مطلق في التعامل مع تلك المؤسسة، وأن الأمر كله مرهونا بقدرتنا على التفاوض معهم، وبعد أن أصبح وزيرا للمالية، من يوليو ٢٠١٣ حتى مارس ٢٠١٤، تناقلت الصحف تصريحه الأشهر، بأن مصر ليست في حاجة إلى قرض الصندوق، كررها وهو مستريح إلى أن حكومته تتكيء على دعم سخي من الخليج، ولكن الكل كان يعلم أن هذا الدعم لن يستمر إلى الأبد.

نستطيع أن نستنتج من المشاهد السابقة أن هناك ظرفا سياسيا ضاغطا يجعل لرؤية السلطة السياسية دورا رئيسيا في تحديد السياسات المالية، وليس رؤية وزير المالية بالضرورة أيا كانت المدرسة الاقتصادية التي ينتمي لها، والاستنتاج الثاني أن الوضع المالي حرج للغاية وأن إصلاحه بأي طريقة أصبح غالبا أمرا غير قابل للتأجيل.

هذه الخلفيات تمكننا من قراءة التصريحات الأولي لقدري بشكل أكثر وضوحا، حيث يستهل حديثه للإعلام بالكلام عن أن العجز المستهدف في موازنة العام المالي الجاري، ٢٠١٣ – ٢٠١٤، عند مستوي ٩,١٪ من الناتج الإجمالي، لم يعد تقديرا واقعيا، ولا حتى توقعات سلفه، أحمد جلال، بأن العجز سيصل هذا العام إلى ١٠٪، مقدرا أن العجز سيصل إلى ١٢٪ وأنه لولا مساعدات الخليج لوصل العجز إلى ١٣٪ أو ١٤٪.

وفي نفس الوقت يقدم تقديرا مجمعا لحجم ما أنفقته الدولة على الدعم في عشر سنوات، زاعما أنه بلغ تريليون جنيه، وأن هذا المبلغ الضخم لم يكن ينفق بشكل سليم.

حديث قدري عن مشكلات وأعباء نظام الدعم ربما تنبؤنا بأنه ستكون هناك إجراءات لإعادة هيكلته بعد انتهاء الاستحقاقات الانتخابية القادمة، وقد نرى تجليات لذلك في تقديرات ميزانية الدعم في الموازنة القادمة أو أن تؤجل تلك القضية الحساسة إلى الموازنة التي تليها.

وبالرغم من أن المفاوضات بين مصر وصندوق النقد الدولي حاليا شبه منقطعة، إلا أن بنك أوف أمريكا، رأى في تقرير أخير له عن مصر، أن قدوم قدري للمالية أمرا إيجابيا، لأنه قاد في السابق المفاوضات مع الصندوق، بما يعني أن رؤية الصندوق باقية معنا حتى وإن كانت المفاوضات مع المؤسسة الدولية نفسها متوقفة، فإن كان الخليج قد قام بدور الصندوق في إنقاذ مصر بحزمة مالية سخية، فربما تضغط الدول الدائنة لتطبيق إصلاحات تقلص من العجز لأنه يستحيل أن تستمر في إعانة مصر على هذا النحو.

في مقابل الحديث عن ضرورة إصلاح نظام الدعم، لفت قدري الأنظار بحديثه عن فرض ضريبة استثنائية، لبضعة سنوات، بنسبة ٥٪ على الدخول العليا، هكذا يحاول قدري أن يبدو وكأنه يؤسس لعقد اجتماعي جديد ومتوازن، ولكن تلك الضريبة لاقت انتقادات البعض، كحسن هيكل، الرئيس التنفيذي المشارك سابقا بالمجموعة المالية هيرميس، الذي حذر من أن نسبة مهمة من ثروات الأغنياء لا تظهر في تدفقات الدخول، وبالتالي فمن الأجدي تطبيق الضريبة على الثروة. واعتبر المحرر الاقتصادي وائل جمال أن ضريبة قدري هي مجرد رفع لشريحة الضريبة التصاعدية الحالية، من ٢٥٪ إلى ٣٠٪، وبصفة غير دائمة.

وبشكل عام قد يكون توجها جيدا من الدولة أن تكافح عمليات تهريب الدعم، وأن تستهدف رفع موازنة الصحة والتعليم بشكل متدرج، وفقا للالتزام الدستوري الجديد الذي أكد قدري على احترامه، لكن إعادة هيكلة السياسات المالية في مصر، سواء في مجال الإنفاق على السياسات الاجتماعية أو الضرائب، أمرا يتطلب بيئة من الديموقراطية السياسية حتى تخرج السياسات الجديدة بشكل منحاز للقاعدة العامة للمواطنين، وتُطبق بطريقة كفء تراعي مشكلات الفئات المختلفة، لذا إذا تعامل قدري مع تلك الملفات وهو يضع نصب عينيه الوضع المالي المتدهور فقط، وحاول تطبيق أي إصلاحات بدون إجراء حوار حقيقي مع أصحاب المصلحة الحقيقين، ربما نعود إلى نفس اللحظة التي علت فيها أصوات السخط على يوسف بطرس غالي، وكأننا كنا ندور في دائرة مغلقة خلال السنوات الثلاثة الماضية لنعود إلى نفس المربع الذي تطلع الملايين للخروج منه في ٢٥ يناير.

اعلان