النزاع القبلي في أسوان

 كان نهار الجمعة دامياً في أسوان وأعقبه ليل شديد العتامة، حيث تصاعدت أبخرة البارود والنيران، وذلك في إطار نزاع قبلي عنيف بين النوبيين وقبيلة الهلايل في منطقة السيل الريفي، إثر مشادات حدثت يوم الأربعاء الماضي. إلا أن المعركة احتدمت وسقط في بداية النزاع ٤ نوبيين، بينهم سيدة، وأصيب ما يقرب من ٢٢ شخص، و ما زالت الأرقام في تصاعد حيث بلغت ٢٣ قتيلا من الطرفين مساء السبت.

الجدير بالذكر أن محافظة أسوان شديدة التعدد القبلي والإثني، يقطنها نوبيون وقبائل عربية وصعايدة، ولطالما كانت هناك مشاحنات قبلية في إطار ما ينتج عن تنازع المصالح، إلا أن هذه المشاحنات نحت إلى مسار سلبي بسبب غياب الدولة ورفضها التدخل لاحتواء النزاع، ذلك إلى جانب حالة الانفلات الأمني التي سمحت بتدفق كم هائل من الأسلحة أدت إلى سقوط العديد من القتلى في مثل هذه النزاعات. ومن تداعيات هذه الحالة التي نحن بصددها أن هناك ضغائن بين الطرفين بسبب نزاعات سابقة، لم تحل وتركت عالقة، مما أدى إلى تفاقم النزاع هذه المرة، فقد وقعت مشادات مشابهة في دابود البلد منذ حوالي سنة، خلفت إصابات من الطرفين.

يأتي هذا النزاع ونحن على مشارف السباق الرئاسي، حيث يتسابق المرشحون للحصول على كتل تصويتية مضمونة  لحسم الانتخابات الرئاسية. تنشط هذه الأيام حملات طرق الأبواب من المرشحين، مقدمون للنوبيين وعوداً بتوفير حياة آدمية لهم، عن طريق تنمية الإقليم المنسي وضمان حق العودة والعمل على البنى التحتية اللازمة التي تتيح عودة النوبيين النازحين، ذلك بالإضافة إلى توفير مشروعات تجذب شباب النوبيين للعودة إلى أراضيهم التاريخية، مع احترام التعددية الثقافية ومناهضة التمييز. وفي ذلك الإطار التقى  قادة من أهالي النوبة المرشح المحتمل المشير عبد الفتاح السيسي وهناك  مجهودات لتنظيم لقاء مواز مع المرشح المحتمل حمدين صباحي.

في الوقت الذي يتسابق فيه المرشحون على أصوات المحافظة المتعددة ديموغرافيا والتي يسعى قاطنوها لتحقيق أقصى قدر ممكن من المصالح، أجدني أمام تصريح لمدير أمن أسوان في مداخلة على قناة سي بي سي الفضائية الخاصة قائلاً إنه لا يتدخل في الأزمات القبلية. وأعجب لأمر دولة ترفض أن تقوم بدورها في حفظ الأمن، إلا أنها تتغنى أنها ستعيد الأمن. أي تناقض هذا؟ وبعد كم من القتلى ستقوم الدولة بالدور المنوط بها؟

تأتي هذه الحادثة لتزيد إيماني بأن أزمة النوبة أزمة مع الدولة التي تتعامل مع “الملف النوبي” ــ بغض النظر عن  اختلافات ديناميكيات الوضع السياسي ــ في إطار “الأمن القومي”.  فالدولة لا ترى في النوبة سوى ملف استراتيجي على الحدود: أرض تقطنها أقلية إثنية وثقافية ولغوية. ولا يكف من في الحكم عن تعطيل مشاريع التنمية، إن وجدت، أو تقديمها بأسلوب يزيد الوضع سوءا، كأن يتم تعمد تغيير التركيبة السكانية في أسوان في غير صالح النوبيين، مثلما حدث في مشروع وادي الأمل، الذي كان من المفترض أن يعوض النوبيين عن التهجير، إلا أنه في واقع الأمر قد جلب مواطنين من محافظات الدلتا لإحداث خلخلة ديموغرافية وتغيير الوضع القائم.

لطالما تعالت أصواتنا رافضين تعامل الدولة مع الشأن النوبي على أنه قضية أمن قومي، وأن النوبة ابتليت مثلها مثل سيناء بكونها أرضا حدودية، يتولى أمر إعمارها وحل مشاكلها وإدارتها ذووالخلفيات العسكرية، مستخدمين القوة بغير مكانها، غير مكترثين بتنمية هذه البقاع. أولئك اللواءات المحافظون ينسون حقيقة أن ثمة بشر في الأراضي الاستراتيجية. وبالإضافة إلى أنين النوبيين ومعاناتهم في كل تفصيلة من تفاصيل حياتهم، بسبب إهمال متعمد وإبعاد وتجاهل في كل خطط التنمية، عانوا أيضاً من فزاعة التخوين ومن فزاعة الانفصال. إلا أن ذلك لم يشفع لنا، ما زالت مواطنتنا المنقوصة تنتهك يوما بعد يوم، ولعل آخر الانتهاكات فشل الدولة في منع نزاع مسلح بين مواطنيها، مما أدى إلى تغول طرف على طرف، وبهذا بدأت دائرة دامية من العنف والعنف المضاد. ترفع الدولة يدها متذرعة أن ما سال من دماء مبرر في العرف القبلي، وكأن الدولة غير مسئولة عما أريق من دماء وما سيراق إذا استمر التخاذل والتهاون.

يطرح المشهد في أسوان الآن عدة أسئلة على الجميع، وأول المخاطبين بالسؤال هي الحكومة وخاصة الذراع الأمني: ما دلالة ما تشهده أسوان حاليا من نزاع قبلي عنيف بين قبائل النوبيين والهلايل؟ أين كانت القيادات الأمنية مع اندلاع النزاع؟ لماذا ترك ليتفاقم؟ ما دلالة موت هذا العدد الكبير من القتلى؟ وكم روح بريئة ستلحق بهم؟ لماذا يتصاعد خلاف في مدرسة إلى إزهاق أرواح؟ كيف تتعامل الحكومة بهذه الأريحية مع تواجد مكثف للسلاح في حوزة “الأهالي” في “المحافظة الحدودية”؟ كيف تقيم الحكومة أداءها المتكاسل في التعامل مع أزمة السيل بالأمس؟

لماذا لم تتبع الحكومة نفس سياسة التواجد المكثف المتبعة في كل شارع في شوارع المدن في إطار “حربها على الارهاب”؟ أم أن مصر غير معرضة لأي اضطرابات أمنية أخرى؟ وهل تم اختصار مهام الداخلية في محاربة الإرهاب، وأي نزاع أمني آخر تتولى دعواتنا التعامل معه؟! من يتحمل مسئولية دوامة العنف التي بدأت وكيف تنتهي ومتى؟ لماذا تجاوب الوزير “بعد” الأحداث؟ ألا تدرك الداخلية فكرة التدخل الاستباقي، الذي يتوقع المشكلة ويحتاط لتطورها ويجتث جذورها، عن طريق منع سيل الأسلحة عل سبيل المثال؟

يمكن قراءة ما حدث بالأمس في السيل على أنه حلقة من حلقات ممنهجة تقوم بها الدولة وذراعها الأمني لإحداث خلخلة ديموغرافية في أسوان وتأليب القبائل علي بعضها البعض وإثارة الفتن والقلاقل لإقرار وضع ما يغير من توازنات القوى في المحافظة، بدءا من جلب مواطنين من خارج المحافظة لإخلال التوازن السكاني، إلى تعمد تجاهل النزاعات القبلية والعمل على استفحالها بعدم التدخل. كما أن ما يحدث لا يؤثر فقط على أمن وسلام أسوان وكل سكانها بل على مستوى أبعد يسمح بإيقاف استحقاقات كثيرة، أولها تطبيق ما جاء في الدستور من إقرار حق عودة النوبيين.

إذا كانت الحكومة التي تعد المواطنين بالاستقرار والأمن لا تستطيع منع حوادث تودي بالسلام المجتمعي في محافظة اشتهرت بهدوئها مقارنة بباقي محافظات الجمهورية، فللأسف لا يمكن نعتها سوى بحكومة فاشلة، وأقل واجب بعد تسليم المتسببين في هدر الدماء، هو استقالة مدير أمن أسوان ومساعديه وفورا.

نهاية إذا أردنا إقامة دولة القانون يجب أن نبدأ باحترام المواطن وتوفير الأمن والأمان من قبل الدولة التي يفترض أن تحتكر استخدام العنف، ولكن يبدو أن الدولة قررت أن تتعامى عن استخدام العنف من قبل بعض المواطنين. إلا أنني أعيد إنها دائرة شيطانية، تأتي على الأخضر واليابس وحين تبدأ لا تذر ولا يعلم مداها إلا الله. 

اعلان
 
 
فاطمة إمام سكوري 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن