مواجهة الفساد جزء من العدالة الانتقالية أيضا

كثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن التصالح مع رموز النظام السابق، ويستند مؤيدو التصالح مع رموز نظام مبارك إلى أن هذه هي أسرع الطرق للحصول على بعض من الأموال المنهوبة بدلا من اللجوء إلى عملية قضائية مرهقة وطويلة خصيصا في ظل الأزمة المالية التي تمر بها مصر وتتجلى في الانخفاض الشديد في احتياطي النقد الأجنبي، وزيادة العجز في الميزانية بالإضافة إلى بطء معدلات النمو.

اتفقت الحكومات المتعاقبة منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير على أهمية التصالح كمخرج لأزمتنا الاقتصادية، وكان قد شدد حسن مالك رجل الأعمال الإخواني ورئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية لتنمية الأعمال “ابدأ” في حديث لصحيفة الأهرام بتاريخ ٢٠١٣/٥/١٣ على أهمية التصالح مع رموز النظام السابق  للدفع بعجلة الاقتصاد وإعادة الأموال المهربة، وطرح مبادرته للتصالح كعلاج لأزماتنا الاقتصادية والاجتماعية.

وعبر أيضا تحالف ما بعد ٣٠ يونيو المعادي للإخوان على أهمية التصالح كضرورة اقتصادية واجتماعية ودليل على إن مصر مفتوحة “للجميع”، بعدما أكد هاني صلاح، المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء في حكومة حازم الببلاوي على أن أي فرد يطرح مبادرة شريفة، لا يسعهم إلا أن يستمعوا إليه “من أجل بلادنا الحبيبة” وأن مصر بعد ٣٠ يونيو مفتوحة على الخارج والقضاء نزيه وشامخ والحكومة تتقبل أي مبادرات مصالحة.

ولكن هل هي حقا كذلك، وهل فعلا يحمل التصالح في طياته العلاج السحري لأزماتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية الطاحنة؟

تكمن المشكلة في أنه بالرغم من دور الجرائم الاقتصادية كتربة خصبة تنمو وتترعرع في ظلها فلسفة الانتهاكات البدنية، مع ثبوت وجود علاقة طردية بين انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الفساد المالي، عادة ما يولي الخطاب الحقوقي (سواء الأهلي أو الحكومي) أهمية خاصة للحقوق المدنية والسياسية على حساب الحقوق الاقتصادية، ولذا يجب تطوير تصور وخطاب أشمل وأعم للعدالة انتقالية يشمل الجرائم الاقتصادية وليس فقط الانتهاكات الجسدية المباشرة، وهو ما لم يحدث في مصر حيث صنف النظام جرائم الفساد المالي كجريمة أقل وأيسر من قتل المتظاهرين -على سبيل المثال- يسمح فيها بالتصالح مقابل دفع مبلغ مالي تحدده السلطات دون ضابط أو مراقبة. من المهم التركيز على أن هذا التفاوت في حالة مصر يحدث على المستوى الخطابي فقط، حيث لم يُعاقب في أغلب الحالات مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان بمختلف أشكالها.

وفي سياق قضايا الفساد المالي، تقضي أغلب أحكام الإدانة في قضايا الفساد والمال العام بدفع قيمة الضرر أو رد الشئ، بالإضافة إلى تغريم الشخصية السياسية المدانة بالفساد، بالإضافة إلى قدرة الدولة على مصادرة أموال المتهمين بالفساد داخليا ووجود قرارات بتجميد أموالهم في الكثير من، إن لم يكن أغلب، الولايات القضائية التي توجد بها أموال رجال عصر مبارك، هذا بالإضافة إلى الكلفة الاجتماعية لإفلات الفاسدين من العقاب، خاصة بعد أن انتفض ضدهم الملايين في ثورة يناير، وتنم أيضا عن ضعف قدرة الدولة في مواجهة الفساد مما يشجع على استمرار إفقاره لملايين المصريين على حساب قلة قليلة من المنتفعين.

ويؤثر التصالح كذلك على فرصة مصر في استعادة أموالها المنهوبة من الخارج، ففي تونس على سبيل المثال تم الإفراج عن الأموال المجمدة لبعض الأفراد بناء على طلب السلطات التونسية برغم اعتقاد السلطات السويسرية بأحقية بقاء هؤلاء الأفراد على قائمة الحظر، وهو الأمر الذي قد يحدث في مصر حال استمرار صفقات التصالح مع رموز النظام السابق، فمن الممكن أن تطلب السلطات المصرية رفع الحظر عن بعض الأسماء التي تم التصالح معها، وهو بالفعل ما يتوقع حدوثه وأن يكون من ضمن شروط صفقات التصالح.

وعادة لا تمتلك الدولة النامية، ضحية الفساد، الخبرات التقنية اللازمة للتعامل مع ملفات الفساد واستعادة الأموال بعد سقوط نظامها السياسي، وعادة ما يستميت النظام المخلوع للحيلولة دون تجميد ورد هذه الأموال بكل السبل المشروعة والغير المشروعة، فضلا عن عدم مقدرة تلك الدول على دفع تكاليف التقاضي الدولي العالي التكلفة، وعادة ما يكون قدرة النظام المخلوع المادية نتيجة نهب المال العام أفضل من قدرة الدولة المنهكة اقتصاديا في أمور التقاضي وتوكيل المحامين.

ومن هنا تنبع الأهمية في مصر وكل الدول التي تعاني من الفساد من إيجاد حل بديل للتعامل مع ملفات الفساد واسع النطاق خاصة بعد سقوط الأنظمة، فلا التصالح سيعيد الأموال المنهوبة ولا هو يبعث برسالة فحواها أن عصر الفساد ونهب الشعوب انتهى بعقاب الآثمين، بل في الواقع هو يضيع على مصر فرصة استعادة الأموال المنهوبة إلا ما تنعم علينا به رجال مبارك من أرض هنا وبعض الملايين القليلة هناك، مثل التصالح في قضية رشيد والذي حدد بـ ٢ مليون دولار، والتصالح في قضية أكرم عضاضة والمغربي، والتي قضت المحكمة برد الأرض محل الفساد إلى الدولة.

البديل؟

ونرى إنه يجب أن يكون هناك  مسار بديل للعدالة في ظل توتر وإنهاك المؤسسات الذي قد يجعل خيار التصالح خيارا مريحا، في ظل قدرة ضعيفة لمؤسسات العدالة في مصر على إدانة نظام مبارك عن سنوات الفساد المالي والسياسي، بسبب ضعفها وفسادها وخضوعها لصراع سياسي وسيطرة شبكة مصالح مبارك على جزء كبير من مفاصل الدولة.

لا نؤيد بالضرورة الحبس أو تغليظ العقوبة في الجرائم المالية لكن فساد نظام مبارك لا ينفصل عن ممارسات أخرى كانتهاكات حقوق الإنسان وتزوير إرادة الناخبين، فلذا ندعو لنظرة أكثر شمولية لجرائم النظام السابق، فالتصالح مع رموز نظام مبارك لن يكون في جرائم المال العام فقط بل عن تزوير إرادة الناخبين في كافة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمجلية وانتهاكات حقوق الإنسان والفساد السياسي، فمن المثبت وهو ما سنناقشه بالتفصيل العلاقة الطردية بين الفساد الاقتصادي والقمع السياسي وانتهاكات حقوق الإنسان.

فحتى في حالات التي تكون فيها الدولة بمنظومة عدالتها مستقرة، يكون القضاء العادي عادة معني بالقضايا الفردية، أما الجرائم الممنهجة من تزوير انتخابات وتعذيب وفساد واسع النطاق عادة ما يحتاج إلى مسار بديل للعدالة بعد سقوط الأنظمة الديكتاتورية (بافتراض سقوطها في الحالة المصرية) ونظرة أكثر شمولية للجرائم السياسية والاجتماعية والجنائية والاقتصادية الممنهجة ونقط الالتقاط بينهم وربطهم ببعض، ولذا وجد مفهوم العدالة الانتقالية الذي بمقدرته أن ينظر في انتهاكات حقبة زمنية طويلة سابقة والانتهاكات والجرائم الممنهجة التي يصعب على القضاء العادي التعامل معها، ولكم من أجل تحقيق ذلك يجب علاج قصور هام في تجارب العدالة الانتقالية السابقة، وهو عدم إدراجها للجرائم الاقتصادية ضمن نطاق عملها.

فيبدو أن الحكومة الحالية تقع في فخ قديم وهو فصل الجرائم الاقتصادية عن بقية انتهاكات حقوق الإنسان “التقليدية” مثل القتل والتعذيب، فيسمح مثلا “قانون التصالح” بالتسوية مع المستثمر في جرائم الفساد ولكن شددت الحكومة في أكثر من مناسبة أنه لن يتم التصالح مع من قتل المتظاهرين خلال ثورة يناير، وذلك لدواعي احتياج الدولة لاستثمارات من رجال أعمال ولإعادة الثقة في الاقتصاد المصري، وانطلاقا من هذا، قد تم بدء عملية التصالح مع رجال أعمال ووزراء سابقين يتم من خلالها دفع مبلغ مادي في مقابل إسقاط التهم الموجهة له من فساد أو استغلال لسلطته السياسية لجني منفعة خاصة، المشكلة في هذا المفهوم تكمن في إغفالها الارتباط القوي بين الجرائم الاقتصادية وانتهاكات حقوق الإنسان بشكل عام.

الانتهاكات الجسدية لحقوق الإنسان هي نتيجة حتمية للجرائم الاقتصادية أو جرائم الفساد واسع النطاق من قبل أشخاص الذين يشغلون وظيفة عامة ومرتبطة ارتباط وثيق بها، ولأجل ترسيخ وتقوية نظام سياسي مبني علي الاستغلال الاقتصادي، تتجه الحكومات إلي استخدام القمع والعنف من النظم الأمنية ضد المواطنين. الجرائم الاقتصادية إذن هي وسيلة لتعزيز منظومة حكم معينة، علاوة علي ذلك فهذه السياسات يأتي معها انتهاكات اقتصادية أخري مثل العمل القسري وانتهاك الحق في أجر عادل.

الملفت للنظر هنا هو أن العدالة الانتقالية، نتيجة لكونها جزء من حركة حقوق الإنسان، تعمل بنفس منطق الحكومة المصرية الحالية. فالعدالة الانتقالية عادة ما تركز اهتمامها علي محاكمة وتقصي الانتهاكات المتعلقة بالجسد كالقتل والتعذيب (المعروفة بالحقوق المدنية والسياسية) ولا تركز علي الإطار الاقتصادي والمجتمعي الذي يحتضن تلك الانتهاكات في مقدمتها جرائم الفساد في الحالة المصرية. نتائج هذا الانفصام عادة ما تكون سلبية من ناحية محاولة تحقيق العدالة لجرائم الماضي، فهي تعتبر حل سطحي لمشاكل معقدة.

عدم إدراج الجرائم الاقتصادية الممنهجة (بمعني أنه تم “تطبعيها” كسياسة اقتصادية شرعية) يؤدي إلي عدم إمكانية النظر والتحقيق في كافة السياسات والشبكات والأشخاص الذين ساهموا في ظهور الفساد وانتشاره واستفادوا منه. بالرغم من ذلك، توجد حركة من خبراء ونشطاء في هذا المجال يطالبوا بأهمية أحذ نظرة أكثر شمولية للعدالة الانتقالية بمنطق أن أي مكاسب من عملية انتقالية سوف تتلاشي إذ لم يتم القضاء علي الأسباب الجذرية التي أدت إلي القمع والعنف.

يتم الاستشهاد في مصر بتجربة جنوب أفريقيا، في إشارة إلي عمليات العفو مقابل الحقيقة التي مرت بها البلد بعد سقوط نظام الفصل العنصري (الأبارتيد) هناك. تجربة جنوب أفريقيا حاضرة بقوّة في النقاشات حول العدالة الانتقالية والمصالحة، لكن سياسة العفو في الحقيقة فشلت في إحقاق العدالة لضحايا الفصل العنصري، وفقا لهوارد فارني القاضي الذي عمل في لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا. بناء عليه، فأن سياسات التصالح المتبناة من قبل الحكومة لدواعي اقتصادية مضرة لمسار العدالة في مصر، فهي تعتبر ضياع لفرصة ثمينة لمعرفة كيف كانت تعمل سياسات نظام مبارك الاقتصادية في إطار واحد مع القمع الجسدي ضد المصريين وأيضا تبعث الرسالة أن العدالة تستطيع أن تباع وتشتري بالثمن المناسب. سيكون من الضروري لتحقيق العدل تبني منظومة أكثر شمولية لمفهوم العدالة الانتقالية يتم إدراج فيها الجرائم الاقتصادية، وهكذا، تستطيع آليات العدالة الانتقالية كلجان الحقيقة ولجان الغربلة العمل كمسار بديل لسياسات التصالح الغير عادلة من ناحية، ومن ناحية أخري كبديل المحاكم العادية الغير قادرة علي العمل علي هذا الملف نظرا لتسييسها وعملها في إطار غير مستقر.

أطروحة التصالح من أجل النهوض بالاقتصاد التي تبنتها حكومات ما بعد الثورة تدلل على نظرة ضيقة لإدارة الملف الاقتصادي والخطاب المسيطر الذي يختصر النجاح الاقتصادي في جذب الاستثمارات الأجنبية، ونذكر جميعا النجاح الهائل الذي حققته الحكومات السابقة على الثورة -خاصة حكومة أحمد نظيف- والمؤشرات القياسية في جذب الاستثمارات الأجنبية، وتزامن هذا النمو المطرد في قدوم الاستثمارات الأجنبية إلى مصر مع زيادة حالة الاحتقان الاجتماعي والاعتصامات والإضرابات حتى توجت بثورة ٢٥ يناير، التي قامت ضد النظام ذاته الذي دخلت كل هذه الاستثمارات في عهده، مما يدل بما لا يدع مجالا للشك أن قدوم الاستثمارات الأجنبية ليس هو الحل السحري والفوري لأزماتنا الكثيرة والمتنوعة.

ففي الأعوام السابقة على الثورة، شهدت مصر معدلات نمو في الناتج المحلي الإجمالي تصل إلى الـ ٧٪ لمدة ثلاث سنوات متتالية، وتدفقات من الاستثمارات الأجنبية وضعتها على قمة الدول الأفريقية من حيث جذب الاستثمارات الأجنبية، ففي عام ٢٠٠٧ على سبيل المثال، دخل مصر ما يزيد على ١٠ مليار دولار مما يمثل نحو ثلث إجمالي التدفقات الرأسمالية إلى أفريقيا، ولكن لم تؤد هذه الأموال إلى حدوث رخاء وسلم اجتماعي بدليل ما شهده عامان ٢٠٠٨ و٢٠٠٩ من أعداد قياسية من الإضرابات الاعتصامات العمالية، ولعلنا نذكر منها ما حدث في ٦ إبريل ٢٠٠٨ والعشرات من الاعتصامات العمالية أمام مجلس الشعب التي استمرت لشهور طويلة في ٢٠٠٩.

فهل ستعود التصالحات بالنفع الاقتصادي على مصر وبث جو من الثقة في مناخها الاستثماري مما يؤدي إلى تدفق الأموال والخيرات على مصر وتحقيق الاستقرار المنشود؟

إذا كانت هناك نية للنهوض الاقتصادي وارتفاع مستوى المعيشة للمواطن الفقير والمعدم، يجب ألا يكون التركيز على توفير مناخ استثماري مبني على العمالة الرخيصة والدعم الحكومي للمصانع كثيفة الطاقة وانحياز أعمى لصالح المستثمر فلنا في السنوات السابقة للثورة عبرة، فهذه الفلسفة الاستثمارية لا تبني اقتصاديات قوية أو تنتشل المعدمين من الفقر، بل يكاد يكون من أهم أهدافها الحفاظ على الفقر ورخص العمالة كعنصر من عناصر الإنتاج، وتؤدي هذه الفلسفة الاستثمارية التي تتفرد بها الدول النامية إلى تركيز الثروة الجديدة في أيدي قلة قليلة مما يؤدي إلى توسيع الفجوة الاقتصادية بين الطبقات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، وتؤدي أيضا إلى تضخم وزيادة في الأسعار تزود من صعوبات وضغوطات الحياة بالنسبة للفقراء والمعدمين مما يؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة الاحتقان وتهديد السلم العام.

اعلان
 
 
محمد الشيوي 
أسامة دياب