الحرس والحرم
 
 

قتل أكثر من ثمانية طلاب واعتقل وأصيب الكثيرون منذ بدء العام الدراسي في سبتمبر الماضي، بعد صراع دام بين طلاب منتمين في المجمل لجماعة الإخوان المسلمين المعزولة من الحكم وقوات الشرطة، وكان حكم محكمة الأمور المستعجلة بوجوب عودة الحرس الجامعي إيذانا بإشعال جذوة الصراع بشكل أكثر خطورة.

وشكك كثيرون في مدى قانونية هذا الحكم، خاصة لتناقضه مع حكم نهائي من المحكمة الإدارية العليا في ٢٠١٠ يقضي بحظر تواجد قوات الشرطة داخل الحرم الجامعي.

بدأ الفصل الدراسي الجديد بعنف مشابه للعنف الذي ميز الفصل الدراسي الأول، حيث قتل طالب بالمرحلة الثانوية أمام حرم جامعة القاهرة، وآخر بالإعدادية أمام جامعة بني سويف، في حين تم إصابة والقبض على العشرات بعد اقتحام قوات الشرطة لعدد من الجامعات المصرية.

وبالرغم من ذلك، فإن الجامعات لم تشهد بعد تواجدا رسميا ودائما لوحدات قوات الشرطة داخلها، مثلما كان الحال قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير وكما يقضي حكم محكمة الأمور المستعجلة.

ويكون السؤالان الأكثر أهمية هما عن مدى قانونية الحكم الأخير، وشكل العودة الذي ترغب وزارة الداخلية إن تنتهجه في الحرم الجامعي المأزوم.

متاهة قانونية وحكمان متناقضان

في حيثيات حكمها المؤيد لعودة الحرس الجامعي أكدت محكمة الأمور المستعجلة أن “الشعب المصري لم يهنأ بثورة ٣٠ يونيو لقيام بعض من طلاب الإخوان بترويج أن ما حدث في ٣٠ يونيو، انقلاب عسكري وليس تصحيحًا لمسار ثورة ٢٥ يناير، وعلى إثر ذلك بدأت سلسلة لا نهاية لها من المظاهرات والاعتصامات التي اتسمت بالعنف والفوضى وتعطيل العملية التعليمية، الأمر الذي يقتضي عودة الحرس الجامعي لحفظ الأرواح والأمن، ولتقاعس الحكومة عن اتخاذ إجراء سريع وحاسم يعالج الأوضاع القائمة بصفة مؤقتة، حتى تستقيم وتعود لسيرتها الأولى ويستطيع الطلاب ممارسة حياتهم الدراسية بصورة طبيعية غير مهددة بسبب أفعال غير مسئولة”.

وهاجم العديد من الخبراء القانونيون الحكم، واصفين إياه بغير القانوني حيث أن محكمة الأمور المستعجلة هي غير مختصة لإصدار مثل هذا الحكم. من بين هؤلاء الخبراء عميد كلية الحقوق بجامعة القاهرة الدكتور محمود كبيش.

ويعتبر كبيش من أشد معارضي جماعة الإخوان المسلمين، حيث كانت معارضته سببا لمهاجمة وتحطيم مكتبه بالجامعة من قبل طلاب الجماعة في نهاية العام الماضي. وأكد كبيش في اتصال هاتفي لبرنامج الحياة اليوم أن محكمة الأمور المستعجلة “ليست كشكولا لإصدار الأحكام” في كل القضايا المطروحة، مضيفا “الكل يعرف مواقفي تجاه الإخوان، ولكن هذا الحكم لا يتوافق مع أحكام القانون”.

أكدت المحامية بقسم الحريات الأكاديمية بمؤسسة حرية الفكر والتعبير فاطمة سراج لمدى مصر أن المحكمة الإدارية العليا هي المحكمة الوحيدة صاحبة السلطة في إصدار أحكام بهذا الشأن، لأنه قرار إداري بالأساس، مضيفة “حدث هذا بالفعل في عام ٢٠١٠ حينما أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكما نهائيا وباتا بحظر تواجد وحدات الحرس الجامعي داخل مباني الجامعات، وبالتالي فإنه من غير المنطقي أن تصدر محكمة أخرى غير مختصة حكما يتناقض مع هذا الحكم”.

تقدمت حركة ٩ مارس لاستقلال الجامعات في عام ٢٠٠٨ للمحكمة الإدارية بدعوى لإنهاء وجود الحرس الجامعي وحكمت المحكمة في نفس العام بإلغاء تواجد قوات الشرطة، إلا أن وزارة الداخلية تقدمت بطعن أمام المحكمة الإدارية العليا في ٢٠١٠ لوقف تنفيذ الحكم ولكن الأخيرة حكمت بتأييد حكم المحكمة الإدارية، منهية بشكل نهائي أي مستقبل لقوات الشرطة داخل الجامعات المصرية. لم يتم تنفيذ الحكم إلا بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير.

قالت الحركة في دعواها أن وجود قوات الشرطة في الجامعة مثل تهديدا لاستقلال الجامعات، حيث استخدمها نظام مبارك لسحق الأصوات المعارضة من الأكاديميين والطلاب. تدخلت الشرطة أيضا بشكل غير مباشر في التأثير على نتائج انتخابات اتحادات الطلاب لصالح مرشحين بأعينهم وإنهاء ترخيصات بعض الأنشطة الجامعية، بالإضافة إلى التدخل في تعيينات رؤساء الجامعات وعمداء الكليات بناء على توصيات من جهاز أمن الدولة.

في حكمها غير التقليدي في عام ٢٠١٠، أشارت المحكمة الإدارية العليا للعديد من المواثيق والعهود الدولية التي تعتبر غياب القبضة الأمنية مؤشرا يضمن استقلال الجامعات، حيث أشارت إلى المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة في ١٩٩٧، إعلان  ليما  الصادر عام ١٩٨٨، إعلان  كامبالا الصادر عام ١٩٩٠، بالإضافة إلى إعلان عمان  للحريات الأكاديمية واستقلال مؤسسات التعليم العالي الصادر عن مؤتمر الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية عام ٢٠٠٤.

وأضاف الحكم “إن وجود قوات للشرطة تابعة لوزارة الداخلية متمثلة في إدارة الحرس الجامعي داخل حرم جامعة القاهرة وكلياتها ومعاهدها بصفة دائمة، يمثل انتقاصاً من الاستقلال الذي كفله الدستور للجامعة، وقيدًا على حرية الأساتذة والباحثين والطلاب فيها، وهم يرون أن ثمة جهة أخرى لا تتبع الجامعة متواجدة بصفة دائمة داخل الجامعة تراقب تحركاتهم وتتحكم في ممارستهم لأنشطتهم بالمنح أو المنع، فتهن عزائمهم وتخبو آمالهم وتتبدد طاقاتهم هباءً بدلًا من أن تنطلق نحو الإبداع والابتكار، لتؤتي ثمارها في رقي الفكر وتقدم العلم وتنمية القيم الإنسانية، مما لا مناص معه من القضاء بإلغاء القرار الوزاري رقم ١٨١٢ لسنة ١٩٨١ في شأن إنشاء وتنظيم إدارات حرس الجامعات ببعض مديريات الأمن، وهو قرار ذو أثر مستمر، فيما تضمنه من إنشاء إدارة للحرس الجامعي تابعة لوزارة الداخلية داخل جامعة القاهرة وكلياتها ومعاهدها، مع ما يترتب على ذلك من آثار تتمثل في عدم تواجد الحرس الجامعي داخل حرم الجامعة”.

وعلى الرغم من أن الحكم ذكر جامعة القاهرة فقط، إلا أن تطبيقه طبقا لسراج يكون وجوبيا على كل الجامعات الحكومية المصرية، نظرا لأن أحكام الإدارية العليا أحكام عامة وباتة وتطبق في كل الحالات المشابهة، وأكدت “سيتم الطعن على حكم محكمة الأمور المستعجلة ونحن واثقون من قبول الطعن”.

هل تعود الشرطة للجامعات كالماضي؟

الحكم المثير للجدل لا يفتح فقط الخلاف بين هؤلاء الحريصين على وجود أمني قوي داخل الجامعات وبين هؤلاء الباحثين عن حريات أكاديمية أكبر، لكنه يفتح الباب لتساؤل مهم حول كيفية عودة الحرس الجامعي مرة أخرى خاصة بعد التغييرات السياسية التي شهدتها الجامعات المصرية بعد الثورة.

تصريحات المسئولين أشارت إلى أن الحكومة ستكون حريصة على عدم وضع قوات الأمن داخل الحرم الجامعي بشكل دائم، ولكن ستتدخل بين الحين والآخر طبقا لما تقتضيه الحاجة. وزير الداخلية محمد إبراهيم أكد في حوار مع ممثلي اتحادات الطلاب عن عدم رغبة الشرطة في التواجد بشكل دائم داخل الحرم الجامعي، مؤكدا أن تدخلها سيحدث فقط لحفظ الأمن داخل الجامعات.

وزير التعليم العالي وائل الدجوي أكد أن قوات الشرطة ستتواجد خارج أبنية الجامعات وستدخلها فقط في حال تدهور الوضع الأمني، تاركة مهمة التأمين اليومي لقوات الحرس الإداري. وأكد رئيس جامعة القاهرة جابر جاد نصار أن الشرطة ستتدخل فقط بناء على طلب رؤساء الجامعات.

ظهر واضحا منذ بداية الفصل الدراسي الحالي أن تواجد قوات الشرطة لن يكون بشكل دائم مشابه للوضع قبل الثورة، فعلى الرغم من أن محكمة الأمور المستعجلة حكمت بعودة وحدات الشرطة في الجامعات بشكل دائم، إلا أن قوات الشرطة اكتفت بالتواجد خارج أسوار الجامعة واكتفت باقتحام الأسوار حال خروج مظاهرة مؤيدة لجماعة الإخوان المسلمين.

ويرى الطالب وسام عطا المنتمي لجبهة طريق الثورة، والطالب بجامعة الأزهر، أن تواجد الشرطة في الجامعات سيحدث طبقا لاحتياجات الوزارة نفسها، مضيفا “لا يمكن لقوات الشرطة أن تتواجد بشكل دائم بالجامعات لأنها تعلم أن هذا سيؤدي إلى مواجهات يومية مباشرة مع الطلاب، وهو ما لا تستطيع الوزارة تحمله. سيؤدي هذا أيضا إلى تجييش قطاعات أوسع من الطلاب في الصراع الحالي”.

ويتفق عضو اتحاد طلاب جامعة الإسكندرية مصطفى حسين مع عطا مؤكدا “المواجهة بين الطلاب وقوات الشرطة وبالذات الضباط الأصغر سنا لن يكون في مصلحة أي طرف. الطلبة الآن أكثر راديكالية ولن يقبلوا بعلاقة القوة والوصاية التي تفرضها الشرطة، وهذه الروح لن يتحملها ضباط الشرطة صغار السن”.

وأكد حسين الذي حضر اجتماع وزير الداخلية مع الطلاب أن الوزير نفسه أظهر تفهما لهذه المشكلة، حيث اتفق مع الطلاب على أهمية تواجد كاميرات مراقبة داخل الحرم الجامعي لتسجيل أي أعمال شغب قد يقوم بها الطلبة المتظاهرين، مما يعد دليلا قاطعا ضدهم. وأضاف “نحن نعلم أن طلاب الإخوان متورطون بالفعل في أعمال عنف وهو ما يتم استخدامه كمبرر لتدخل الشرطة. فقط الطلبة غير المسيسين هم من يدفعون الثمن غاليا ويتم قتلهم وإلقاء القبض عليهم بشكل عشوائي. إذا تم تسجيل كل شيء فيسكون من السهل أن نحدد من يقوم بأعمال عنف ويسهل وقتها عقاب الجاني أيا كان”.

وأكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة طارق فهمي أن الشرطة غير قادرة على العودة بنفس الطريقة قبيل الخامس والعشرين من يناير، مضيفا “لا يمكن للشرطة أن تعود بنفس سلطات وممارسات ما قبل الثورة. على الشرطة أن تجد طريقة جديدة لصياغة هذه العودة ولكن هذا يتوقف أيضا على مستوى تصعيد الحركة الطلابية، وخصوصا طلاب الإخوان المسلمين”.

ويرى الباحث في الشئون الأمنية والجنائية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية كريم عنارة أن الوقت ما زال مبكرا للحكم على كيفية عودة الشرطة للحرم الجامعي، حيث أضاف أنه من السهل التحكم في تعيينات رؤساء وعمداء الجامعات بدون الوجود الفعلي داخل أسوار الجامعة، مشككا في قدرة الشرطة في نفس الوقت على التأثير على نتائج انتخابات اتحادات الطلاب نظرا “لسيولة الموقف السياسي بعد الثورة داخل الجامعة”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن