امشي من الجامعة!

(١)

“الطلاب غير آمنين على حياتهم داخل الجامعة”

قالها لي أحد طلاب كلية الهندسة جامعة الزقازيق، ردا على سؤالي له عن السبب وراء إضراب كل طلاب الكلية، عند زيارتي للكلية أثناء إضراب طلاب كلية الهندسة “من ١٧ نوفمبر إلى ٢٦ نوفمبر” احتجاجا على اقتحام قوات الشرطة وبلطجية لحرم الكلية واعتقال عدد من طلاب الكلية.

(٢)

“والدتي: امشي من الجامعة

أنا: عندي امتحان مش هينفع أمشي من غير ما أتأكد إن الامتحان هيتلغي

والدتي: امشي مش عايزاك تتعلم”

طوال أكثر من ١٦ عاما داخل مؤسسات التعليم في مصر كانت دائما والدتي تؤكد لي وتنصحني بضرورة التركيز في التعليم للحصول على المؤهل العلمي الذي يؤهلني لسوق العمل، الخطوة الأولى للنجاح في الحياة، كانت تنصحني أن أجعله ليس فقط أهم اهتمامي بل اهتمامي الوحيد. في ٢٨ ديسمبر الماضي أثناء وجودي بكلية التجارة، جامعة الأزهر، لأداء أحد امتحاناتي، شهد ذلك اليوم اشتباكات بين قوات الأمن ومجموعات طلابية أدت إلى مقتل أحد زملائي بالكلية، ما أدى إلى تفاقم الغضب وإحراق مبنى الكلية،  فوجئت بوالدتي تتصل بي لتأمرني بالخروج من الجامعة فورا.

(٣)

يتردد كثيرا داخل جامعة الأزهر أن عدد من طلاب الجامعة تم القبض عليهم من قبل قوات الشرطة بأحد الأكمنة فقط لكونهم طلاباً بجامعة الأزهر، ويشغل بالي هذا كثيرا عند رجوعي للمنزل متأخرا، فهناك عدة أكمنة في الطريق، ماذا لو استوقفني أحد أفراد الشرطة بأحد تلك الأكمنة، وماذا لو سألني عن السبب وراء تواجدي بالقاهرة – بما أن بطاقة الرقم القومي الخاصة بي تشير لكوني لست من سكان القاهرة؟  فهل سأجيب بأني طالب بجامعة الأزهر؟ وهل سيكون انتسابي لجامعة الأزهر نقمة علي وسبب في اعتقالي باعتبارها تهمة الآن؟!

(٤)

هل تدخّل أو عودة قوات الشرطة للجامعة حلا؟

الفصل الدراسي الأول بدأ وحدث ما كان متوقعاً من تظاهرات لطلاب جماعة الإخوان، وظل هذا الوضع على ما هو عليه لأسابيع عدة، لم تتأثر العملية التعليمية به مطلقا ولم تحدث أي أحداث عنف في تلك الفترة باستثناء حادثة اقتحام مبنى إدارة جامعة الأزهر في الثلاثين من أكتوبر الماضي، والتي كانت نقطة تحول للأحداث داخل الجامعات، ونقطة تحول لإقحام الشرطة على المشهد الجامعي وسط تأييد إعلامي، فالحادثة حقا تستحق تدخل الشرطة، وكانت تلك الحادثة للسلطة باباً كبير تمكنها من تنفيذ أجندتها القمعية داخل الجامعات، فبعدها بأيام قليلة اقتحمت قوات الشرطة المدينة الجامعية لجامعة الأزهر وقتلت أحد الطلاب على إثر قطع مسيرة لطلاب الإخوان لأحد الطرق أمام المدينة، وبدأ نزيف الدم.

واقترن تدخل قوات الشرطة في الأحداث في كل مرة بنزيف دم واعتقالات وحالات قمع غير مسبوقة، يتعرض لها الطلاب والطالبات، بجانب إيقاف العملية التعليمة في بعض الكليات، فوصل عدد المقتولين برصاص الشرطة داخل الجامعة إلى ١١ طالبا، عشرة طلاب خلال الفصل الدراسي المنقضي، أربعه منهم داخل جامعة الأزهر وأربعه آخرين داخل جامعة القاهرة وواحد بجامعة عين شمس وآخر بجامعة الإسكندرية وجميعهم قتلوا داخل جامعتهم، وقتل أحد المشاركين بمسيرة طلابية بجامعة بني سويف خلال الفصل الدراسي الثاني الذي لم ينقضي منه غير عدة أيام.

فإذا كان تدخل الشرطة يؤدي إلى هذا العدد من القتلى داخل الجامعات في سابقة أولى في تاريخ الجامعة المصرية، وصلت أعداد المقتولين والمعتقلين -حسب حملة الحرية للطلاب- إلى ١١٠٠ طالب “تم القبض عليهم من داخل وخارج الجامعة”، كما تميزت الاعتقالات بالعشوائية وإيقاف الدراسة في بعض الكليات، مثل كلية الهندسة بجامعة القاهرة وجامعة الزقازيق، وإلغاء الامتحانات ببعض كليات جامعة الأزهر وإيقاف الدراسة بكلية الهندسة جامعة عين شمس والتي كانت أغلبها احتجاجا على عمليات القتل والاعتقال للطلاب.

(٥)

عادة ما يأتي إلى خاطري تلك المشاهد الأربعة المُرة، عندما أشاهد أو أسمع عدد من الإعلاميين أو الأكاديميين أو “الخبراء الاستراتيجيين” يتكلمون عن ضرورة عودة الحرس الجامعي إلى حرم الجامعة  لوقف تدهور الحالة الأمنية داخل الجامعات والحفاظ على استمرارية العملية التعليمية وحماية أرواح ومستقبل الطلاب، متغاضين عن حجم الكارثة التي حلت بالجامعة جراء تدخل قوات الشرطة في المشهد الجامعي.

هم لا يريدون حقا حل الأزمة واستمرار العملية التعليمية ووقف نزيف الدماء كما يدعون، هم فقط يريدون الدعاية لذلك بغرض بسط السيطرة الأمنية والسياسية على الجامعة، باعتبارها أحد الأماكن التي تهدد السلطة وتزعج منامها.

(٦)

ما العمل؟

من يقول أنه ليس هناك مشكلة أمنية داخل الجامعات المصرية فقد كذب، خاصة مع ظهور أحداث تعدي على الأمن الإداري وتعطيل مؤقت للدراسة في بعض الكليات وبعض حالات اقتحام للكليات في نهاية الفصل الدراسي الأول، وعدم قدرة الأمن الإداري الغير مدرب وقليل العدد من مواجهة أي حالات عنف أو حتى أعمال بلطجة غير مرتبطة بفاعليات سياسية، ولعل حادثة التحرش الجماعي بإحدى طالبات جامعة القاهرة لدليل على عجز الأمن الإداري على حماية الطلاب والعملية التعليمية في حالات العنف.

ومن يقول بأنه يمتلك الآن حلا نموذجيا كاملا للأزمة داخل الجامعات فقد كذب أيضا، ولكن قد تساعد بعض القرارات والإجراءات على التقدم خطوتين في طريق الحل وعودة الجامعات إلى الهدوء مرة أخرى، ولكن لابد في البداية من الاتفاق على أن التدخل الأمني يزيد من تفاقم الأوضاع وأنه لا بديل عن الحل السياسي ومعالجة أسباب تفاقم الغضب بين صفوف الطلاب، وأهم تلك الخطوات ما صدر من برنامج الحريات الأكاديمية والحقوق الطلابية بمؤسسة حرية الفكر والتعبير من توصيات تعد خطوة في طريق الحل.

تبدأ التوصيات بضرورة الإفراج عن الطلاب المعتقلين، ووقف التدخل الأمني داخل الجامعات، ضمان شفافية التحقيقات في قتل طلاب الجامعة، انسحاب الشرطة من محيط الجامعات، تطوير وتدريب وتجهيز الأمن الإداري للجامعة وزيادة الميزانية المخصصة لذلك، مراجعة القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى للجامعات كافة، وإلغاء القيود المفروضة على حق التظاهر السلمي وممارسة الأنشطة الطلابية والتعبير عن الرأي، مراجعة عقوبات الفصل التي لحقت بعدد كبير من الطلاب لمجرد مشاركتهم في التظاهرات، وغيرها من التوصيات التي أصدرتها المؤسسة والتي من شأنها تهدئة الوضع داخل الجامعات ووقف عمليات التصعيد التي تؤدي لمزيد من إراقة الدماء.*

*تمت اضافة هذه الفقرة الاخيره بطلب من الكاتب بعد نشر المقال.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن