جواهر السينما المصرية: ليلة ساخنة.. ملائكة المجاري
 
 

“ليلة ساخنة” (١٩٩٥) لعاطف الطيب هو فيلم عن تاكسي وقائده. يشبه إلى حد كبير “سوّاق الأتوبيس” (١٩٨٢) لنفس المخرج. كلا السائقين يجسدهما نور الشريف. بين الفيلمين، رحلة طويلة من صناعة الأفلام، والبحث عن معنى الاختيار الأخلاقي في بلد تغرق سريعاً في بحر من الفساد والظلم. نوقشت هذه الرحلة بشكل مثالي في مقال وائل حمدي المنشور في جريدة الدستور في ٢٠١٠ عن التطور البطئ للاختيارات الأخلاقية لأبطال عاطف الطيب بين بدايته ونهايته.

مثل معظم أفلام عاطف الطيب، يبدأ “ليلة ساخنة” بالبطل على حافة فشل مالي ضخم. سيد، سائق التاكسي الأرمل المكافح، مكلّف بجمع ٢٠٠ جنيه، تكاليف عملية جراحية لحماته. بصمت وصبر ينحت قروشاً صعبة ينتزعا انتزاعاً من جيوب زبائن ليلة رأس السنة.

علي التوازي مع ذلك، هنالك قصة حورية (التي تلعب دورها لبلبة في دورٍ مذهل لها بعد دورها المبهر أيضاً في فيلم عاطف الطيب السابق “ضد الحكومة” – ١٩٩٢)، التي تعود لمهنة مربحة كانت تكرهها لليلة واحدة حتى تجمع مبلغاً مطلوباً لتنكيس منزلها الذي تعيش فيه، وإلا طردت.

تتقاطع مساراتهما في النقطة الأكثر إظلاماً من الليلة، فقط، قبل أن تتغير حيواتهما للأبد. هذان المحاربان، اللذان استنزفا حيواتهما من أجل الآخرين، فجأة يجدان نفسيهما في اختبارٍ أخلاقي سيكون فيه الصواب غير قانوني، واتباع القانون غلطة.

في واقِعهما، سيد وحورية هما ملاكان. في قاع مدينة يحاربان فيها ضد شر وطمع بشر الليل، بمخالبٍ طرية، وعنادٍ مثالي. الطيب نفسه، في هذا الفيلم وفي مشواره في العموم، كان مثل هؤلاء الحمقى. دائماً ما ألقى بنفسه في مغامراتٍ أكبر بكثير مما بين يديه من موارد، مسلح فقط بمدى إيمانه بما يفعل- مثل معظم أبطاله الهادئين- وبحثه الصامت عن الضمير.

بالرغم من أن “ليلة ساخنة” كما هو واضح فيلم ذو ميزانية محدودة للغاية، يصر الفيلم على أن يكون في الشارع طوال الوقت، حيث ظروف التصوير شديدة الصعوبة والأكثر كُلفة. يصر الفيلم أيضاً على تحدي نفسه بجرعات من الترفيه التقليدي المعتاد: مطاردات سيارات، معارك، موسيقى ورقص تملأ الفيلم. التاكسي الذي يحمل البطلين يقفز بين أحياء القاهرة المتناثرة، يلتزم الفيلم بالأماكن المذكورة في النص بدقة، مما يخلق، بشكل غريب، متعة مميزة إذا كانت القاهرة مألوفة لك.

ما يفتقر إليه الفيلم من مال -متجلياً في تقنياته الفقيرة وحلوله المتواضعة- يعوّضه في صراحته المطلقة، وصدقه الباهر. يبدو هذا أيضاً جليّاً في التمثيل الرائع والنص السلس، والحوار، بالإضافة لأسلوب الطيب المعتاد في الإخراج شبه الوثائقي، الذي يفسح المجال لجعل كل شئ يبدو تماماً كما هي الأشياء في الواقع، مشاعر، وصور.

“ليلة ساخنة” مدرك بوضوح لمحيط سياسي حول حيوات أبطاله. مواسير من الأموال تصب في جيوب رجال كبار، يصبّونها بدورهم على أجساد الراقصات، تتقاطع مع مواسير أخرى تصب أموالا في جيوب ناس وظيفتهم هي إرسال ناس آخرين خارج البلاد لمهمة ما. “حورية” و”سيد” سيلتقطان زبوناً عشوائياً يرسل الناس إلى أفغانستان؛ سيكون صعباً جداً لهما أن يفهما لماذا يسافر الناس إلى أفغانستان وليس الخليج. في مشهد سابق، شديد الثقل على القلب، التاكسي سيعلق في شارع مملوء برجال ذوي لحى وذقون يستمعون لشيخ يخطب في منتصف الليل عن ضرورة تطبيق حد الزنا. ضربات الدف الرتيبة لـمودي الإمام مع زحف السيارة البطيئ بين أجساد الإسلاميين المنتصبة تجعل من هذا المشهد مشهداً يصعب تجاهل معناه السياسي.

القانون في كل مكان في الفيلم، يُخرق. الناس يتعاركون، يمارسون الدعارة، يسرقون، ويهرّبون كل شئ، والبوليس غائب. البوليس فقط حاضر عندما يتشاجر سيد مع راكب وعده بمبلغ محدد للأجرة ثم رفض دفعه. القانون أيضاً مهم للغاية في عقل رجل مجنون في أحد الشوارع يصفّر ويصيح في الناس ليتوقفوا عن استخدام آلات التنبيه بجوار لافتة مكتوب عليها “ممنوع استخدام آلة التنبيه”. سنرى بعد ذلك نفس الشخص يجره من ملابسه -في بيت القانون، قسم الشرطة- شرطيون ملولون يبدون وكأنهم يتمنون لو اختفي البشر جميعاً من على وجه الأرض. هذا المهووس بالقانون، الذي يبدو وكأنه فقد عقله بينما يحاول إقناع الناس باتّباع القواعد، يبدو وكأنه انعكاس آخر لعاطف الطيّب ذاته. القانون والعدالة كانا دائماً قضية ملحة عند الطيب؛ الكثير من أفلامه كانت عن العدالة، إما بشكل رمزي أو بشكل مباشر.

في لحظة ما، ستقفز حورية في الهواء، محاولة استرجاع مالها المسروق من أيدي سكارى ينثرونه على أجساد الراقصات، وحدها، تستخدم جسدها فقط، لتزيح به قطعان من الأجساد المترنحة، نراها بالتصوير البطئ تنضم لحفلة النهش. أجساد بكل وضوح لا تحتاج لهذا المال، ولكنها فقط، عقبات فيزيائية، بين المال ومن يحتاجونه حقاً. يخفت النور تدريجاً بينما ينخرط الجميع في هذا المشهد المرعب.

يتابع الفيلم شخصين في ليلة رأس السنة، الليلة ذات السمعة العالمية، أنها الليلة التي تودع فيها حياة سابقة وترحب بحياة جديدة. ولكن كل من في الفيلم يحاولون -من خلال سكر أو مجون مستعر- أن يتناسوا أنهم لا يودعون شيئاً ولا يستقبلون شيئاً. بينما بطلانا وحدهما هما من تتغير حياتهما بالفعل، ربما قليلاً نحو حياة مشابهة لحياة هؤلاء الذين يتسببون في معاناتهم.


“ليلة ساخنة” فيلم مهم لما يمتلكه من قيمة سينمائية بالإضافة إلى معناه في سياق الوجه الاجتماعي والسياسي المتغير لمصر، الذي شهد عليه بكل حذر، عاطف الطيب. 

Atef al-Tayeb's Hot Night

اعلان