أرابتك كانت تحلم أيضا بمساكن البسطاء

نفس الأحلام التي مرت في خيال الملايين من المصريين حول إمكانية توفر شقق سكنية منخفضة التكلفة، سطعت أيضا في خيال مسئولي شركة أرابتك منذ وقت طويل، ولكن كفرصة استثمارية.

هكذا يبدو الأمر من مطالعة إفصاحات أرابتك، وهي أكبر شركة انشاءات مقيدة في بورصة دبي، لذا أعتقد أن إعادة قراءة مشروع المليون شقة الذي طرحته حملة المشير عبد الفتاح السيسي الرئاسية كصفقة ضخمة، وليس فقط كمساعدة من أصدقائنا في الخليج أمراً مهماً لطرح الأسئلة المشروعة حول مدى استفادة الشركة الإماراتية من هذا المشروع العملاق.

في تقريرها السنوي المنشور على موقعها الرسمي، لعام ٢٠١٢ ، ، تتحدث أرابتك عن الأولويات الاقتصادية للحكومات في الدول المحيطة بالإمارات، والفرص الاستثمارية في مجال الإنشاءات التي قد تتولد عن هذه الاحتياجات، ويأتي الإسكان منخفض التكلفة ضمن أبرز هذه الأولويات، خاصة في الدول التي تشهد معدلات نمو سريعة للسكان ضمن عملية التمدن، ومن بين ٣,٦ مليون وحدة سكنية، يقول التقرير أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في احتياج لها، تبرز مصر كأكبر الأسواق احتياجا مع وجود طلب على ١,٥ مليون وحدة سكنية في هذا السوق.

تستطيع أن تستنتج من هذا التقرير أن الاستثمار في الإسكان المنخفض التكلفة في مصر يظهر كفرصة بازغة أمام الشركة الإماراتية العملاقة، والتي أتاحتها التحولات السياسية للثلاثين من يونيو، وما استتبعته من جدل حول دور الإمارات في دعم السلطة الجديدة التي تكونت بعد عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي.

وفي مارس ٢٠١٣، تحدثت أرابتك في إعلان آخر عن الفرص الاستثمارية في مجال إسكان محدودي الدخل، وهو الإعلان الذي جاء في بيان عن عملية زيادة رأس مال الشركة واستراتيجيتها الاستثمارية، حيث قالت الشركة أن مجلس إدارتها “يؤمن بأن الفرص الرئيسية في المرحلة التالية تشمل المساكن منخفضة التكلفة”.

وفي ديسمبر ٢٠١٣، بدأت أرابتك تتحدث بشكل واضح عن مشروع كبير تتفاوض عليه مع الحكومة المصرية في مجال الإسكان منخفض التكلفة، وكانت العلاقات المصرية – الإماراتية تتسم بالتعاون في هذا الوقت بعد التعهدات الضخمة التي أعلنها الشريك الخليجي لمساعدة البلاد عقب عزل مرسي، مما جعل مشروع إسكان محدودي الدخل يبدو وكأنه جزء من محاولات الخليج لخلق بيئة مستقرة للسلطة الجديدة في البلاد.

شاهد المصريون الإعلان الرسمي عن المشروع على شاشات التلفاز هذا الشهر، مع ظهور الرئيس التنفيذي للشركة الإماراتية مع رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة للإعلان عن الاتفاق على بناء مليون شقة على ١٦٠ مليون متر مربع، ستمنحهم القوات المسلحة للشركة مجانا.

وحرصت الشركة الإماراتية على أن تبرز الوجه الاجتماعي للمشروع بحديثها عن أن سعر بيع الوحدات سيقل بنحو ٣٠٪ إلى ٤٠٪ عن سعر التكلفة الحقيقية لها، دون أن توضح المعايير التي قيّمت على أساسها هذه ” التكلفة الحقيقية”.

إلا أن الطابع الاجتماعي للمشروع لم يمنع المستثمرين في أسهم الشركة من التفاؤل بالخبر، وربما يعبر عن ذلك ارتفاع سهم الشركة في سوق دبي بعد الإعلان عن الاتفاق، ونستطيع أن نتخيل وقع الخبر على مسامع المساهمين في الشركة وهي تعلن عن مشروع يضمن لها أعمال مستدامة في سوق الإسكان الواعد بمصر، الذي تحدثت عنه في تقاريرها الماضية، خلال خمس سنوات على الأقل.

المفارقة أن مشروع المليون شقة أثار الجدل، فمن زاوية السياسة هناك من أثار تساؤلات حول تبعات طرح المشروع من خلال المؤسسة العسكرية كالدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية، الذي أثار تساءل على حسابه الشخصي على ” فيس بوك” حول مدى القدرة على ممارسة الرقابة على المشروع في ظل أن المؤسسة العسكرية طرفا و”ما معنى أن تتبرع القوات المسلحة بمساحات من أراضيها لصالح هذا المشروع؟ هل هذه الأراضي هي ملكية خاصة للقوات المسلحة أم أنها ملكية الدولة والشعب؟”

أما المحللون لأداء أرابتك فهم ينتظرون المزيد من التفاصيل لتقييم تأثيرات المشروع الضخم على نتائج أعمال الشركة، ومدى إسهام المساعدات الإماراتية في تيسيره، ويريدون أيضا تقييم مدى قدرة الشركة على تنفيذ المشروع في الفترة الزمنية المعلنة، من ٢٠١٧ وقبل ٢٠٢٠.

وينضم إلى هذه الأسئلة الحائرة ما يطرحه خبراء الإسكان حول إمكانية تنفيذ مشروعين قوميين للإسكان في وقت واحد، مشروع وزارة الاسكان ومشروع القوات المسلحة.

ولكن ما هو مؤكد للجميع الآن أننا أمام مشروع ضخم، ليس بعيداً عن محاولات الدولة لتهدئة الشارع الغاضب، وعن طموحات استثمارية تحدثت عنها أرابتك في أوقات سابقة، أما عن مدى استفادة الطرفين منه، الدولة والشركة، فستكشفه لنا الأيام القادمة، التي ستقدم لنا أيضا الإجابة على السؤال الأهم: هل الشراكة مع أرابتك هي أفضل طريقة لتنفيذ هذا المشروع القومي؟

اعلان