المحطة اﻷخيرة
 
 

جلس مدحت وصديقه على كرسي مكسور بالقرب من القضبان المتهالكة لترام مصر الجديدة لمدة ربع ساعة في انتظار الترام حتى يذهبان إلى منازلهما.

يصرخ مدحت قائلا “إنه لفشل ذريع”، شارحا الأعطال المتكررة بالترام والتي تجعله يأتي دوما متأخرا وقد لا يأتي على الإطلاق. وعلى الرغم من أن كليهما موظفي حكومة، إلا أنهما يلومان الدولة بشدة على ضعف صيانة الترام.

وعلى الرغم من عدم كفاءته، فإن الترام الذي يمتد بطول حي مصر الجديدة هو الترام الوحيد الذي ما يزال يعمل في القاهرة.

تم بناء شبكة الترام في مصر في القرن التاسع عشر، كوسيلة مواصلات جيدة استخدمها طلبة المدارس والجامعات والموظفون في وسط القاهرة وحلوان ومحافظة الإسكندرية.

دكتور دنيس تتذكر كيف كان الناس يستخدمون الترام للوصول لصيدليتها القابعة بالقرب من شريط الترام لشراء الدواء، ولكنها الآن ترى عربات الترام تغدو وتروح وبالكاد لا ترى ركابا داخلها قائلة “الآن أسمع الكثير من القرع والضوضاء بدون فائدة”.

متروكا بدون أي صيانة تذكر، أصبح الترام وسيلة مواصلات مهملة بعرباته ذات الكراسي المكسورة وسرعته التي لا تتجاوز ال 15 كيلومتر في الساعة.

محمد الذي يعمل بمحل بقالة ما زال يستخدم المترو في بعض الأحيان، يتندر أنه حينما يستقل الترام لا يجد في الغالب سوى شخص واحد وهو بائع التذاكر الذي دائما ما يستغرق في النوم.

على مر السنوات، كانت قضبان الترام المتهالكة تتفكك لإعطاء بعض المساحة للسيارات السائرة بشوارع القاهرة التي تزداد ازدحاما يوما بعد يوم.

الاستشاري البيئي ومؤسس جمعية جرين آرم البيئية أحمد الضرغامي يقول أنه تم الأخذ في الاعتبار جودة مستوى المعيشة في التخطيط العمراني حينما تم بناء الترام، مؤكدا انه من الممكن ملاحظة ذلك في منطقة الكوربة بمصر الجديدة حيث الأرصفة الواسعة والأبنية التي توفر الظل على الأرصفة جاعلا منها منطقة مفضلة للمشاة.

وبالتالي لم تكن السيارات بوسائل المواصلات المهمة بذلك الوقت، وتم الاعتماد على الترام كوسيلة المواصلات الصالحة للمسافات البعيدة، مضيفا “إنه الدرس المهم الذي كان علينا أن نتعلمه من منطقة مصر الجديدة”.

ولكن شوارع مصر الجديدة أصبحت الآن بعيدة كل البعد عن هذا الجمال، خاصة بعد الاختناق المروري الشديد.

تم اقتلاع بعض قضبان الترام الآن لتوسعة الطريق بسبب الزحام المروري، في شارع الثورة على سبيل المثال، بينما تم استخدام القضبان في شوارع أخرى لركن السيارات أو تحميل ركاب الميكروباص.

بعد الانتهاء من بناء كوبري وشوارع جديدة في منطقة مصر الجديدة، تخطط الحكومة للبدء في إعادة تخطيط كاملة للترام، تشمل تجديد العربات والقضبان ومد خط الترام إلى القاهرة الجديدة هذا العام.

وينقسم هذا المشروع لمرحلتين طبقا لهيئة التخطيط العمراني، حيث تتكلف المرحلة الأولى حوالي 660 مليون دولار وتنتهي في عام 2016 وفيها يتم تطوير الترام ومده لمسافة ثلاثين كيلومترا حتى القاهرة الجديدة. المرحلة الثانية تشمل مد خط الترام داخل القاهرة الجديدة حتى الجامعة الأمريكية من خلال شارع التسعين حتى الطريق الدائري.

لكن الباحث في حقوق السكن والأرض بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية يحيى شوكت يبدي قلقه من أن المناطق التي سيصل إليها الترام في القاهرة الجديدة بعيدة تماما عن هؤلاء الساكنين بالمناطق الأكثر فقرا الذين يعتمدون بشكل أكبر على المواصلات العامة، بينما سيخدم هذا المشروع هؤلاء القادرين على استخدام وسائل مواصلات خاصة، ويتساءل “لماذا لا يتم استهداف كل المناطق؟ المناطق الفقيرة والمناطق الغنية على السواء؟”.

ولكن ضرغامي يرى على صعيد آخر أن استهداف ساكني المناطق الراقية بالقاهرة الجديدة يهدف إلى تشجيعهم للتخلي عن استخدام سياراتهم الخاصة واستخدام المواصلات العامة، مما قد يساهم في تخفيف الزحام المروري الخانق، مضيفا “من الجيد جدا حل مشكلة الاختناق المروري وتلوث الهواء الناتج من عوادم السيارات”.

ويؤكد إنه لو تم استهداف قاطني المناطق الفقيرة فقط فإنه لن يحدث أي تغيير في مكافحة تلوث الهواء أو تقليل الازدحام المروري. فقاطني المناطق الفقيرة سيستمرون في استخدام الميكروباصات أو أي من وسائل المواصلات الرخيصة على العكس من قاطني المناطق الغنية الذين يستخدمون سياراتهم الخاصة وقد يستخدمون الترام بدلا منها.

ويؤكد ضرغامي “قضايا التلوث والزحام هما ما يشغلا بال ساكني المناطق الغنية ولهذا يجب أن تجتذبهم المواصلات العامة”. ويرى أن التركيز على هاتين القضيتين سيعود بفائدة اقتصادية من حيث التأثير الاقتصادي والاجتماعي أكبر من العائد المادي.

المشروع سيتم تمويله عن طريق قروض من البنك الدولي وسيتم تشغيله من خلال شراكة عامة-خاصة.

ويؤكد شوكت أن مصر لم تنشئ شراكة من هذا النوع في قطاع المواصلات، إلا أنها شهدت هذا النوع من الشراكة في قطاع الكهرباء وجمع القمامة.

وشجعت مصر هذا النوع من الشراكات خاصة في مجال البنية التحتية منذ عام 2012 للتغلب على مشاكل العجز الاقتصادي. وعلى الرغم من ذلك، يرى شوكت أن هذا النوع من الشراكات يؤدي في النهاية إلى الكثير من السلبيات أكثر من الإيجابيات على المدى الطويل، ويؤكد “تجد الدولة نفسها متورطة في تعاقدات طويلة الأمد تمثل أعباء على الميزانية، فلا يوجد أي نوع من الرقابة المحلية على هذه المشروعات. وبالتالي بدون إصلاح ديمقراطي حقيقي فإنه لا فائدة من هذه الشراكات”.

عوضا عن ذلك، فإن شوكت يقترح أن تستثمر الدولة في وسائل المواصلات الخاصة التي أثبتت كفاءتها مثل قطاع نقل الميكروباص غير الرسمي.

ويرى ضرغامي أن خطوة إعادة تطوير الترام تأخرت كثيرا، متسائلا “لماذا يجب علينا أن ننتظر حتى عام 2014 حتى نطوره؟ لماذا لم يكن هناك أي إصلاحات؟”. ويبدي قلقه من احتمال أن يتم إهمال المشروع الجديد ويصبح غير مستخدم قياسا على قلة الاهتمام الحالي بالترام، مضيفا “الترام الحالي تُرك ليموت، أنا لا أعرف لماذا تُرك ليموت”. ويرى أن الحكومة يجب أن تتعلم من دروس الماضي وتهتم بصيانة الترام بشكل دوري حتى يستمر في العمل.

في الوقت الراهن، الأعشاب متروكة لتنمو بالقرب من القضبان حيث تتراكم حولها القمامة ويحتل البائعون في الشارع مسار الترام، بينما تشق عربة الترام ذات اللون الأخضر الشاحب طريقها بصعوبة لمدحت متأرجحة على جانبيها بخطى وئيدة.

 

اعلان
 
 
بسنت ربيع