انتحار النخبة: قصة حزينة معادة

كثيرا ما تسمع تأوه النخبة من “الجهل” و”الأمية” من أجل تبرير تحالفهم المطلق مع الدولة، وحتى عندما خفت هذه النبرة في السنوات التي سبقت يناير، كانت المعارضة الشرسة التي اعتنقها بعضهم  بحكم تفضيل هذه المعارضة لجناح في السلطة عما عاداه، جناح يمثل وجهه الأبرز اللواء عمر سليمان، الذي لم يذهب بعيداً عن تخيل النخبة عن شعبها، عندما قال إن الشعب غير مجهز للديموقراطية. ربما كان أكثر صراحة من النخبة في توقيت مفصلي.

السخرية التي نالتها العبارة وقتئذ، وكون المعارضة تستخدم لفظ “الديموقراطية” بشكل اعتيادي في نزاعاتها السياسية في المئة عام الماضية (وصل الأمر أن المشيرعبد الحكيم عامر قد استخدم هذه الحجة في صراعه مع جمال عبد الناصر وقت النكسة)، منع النخبة من أن تجاهر بتلك الآراء علنية حتي الآن، ومما ساهم في أن يظل الشباب منخدعين بمثل هذه اليافطات المنادية بالديمقراطية من قبل النخبة.

وقد ساهم عمر نظام حسني مبارك الطويل في أن تستغل النخبة “الديمقراطية” في خطابها بأمان ، أي بعيد عن اختبار أو تجريب، حتى تعاملت معهم الأجيال الشابة على أنهم ممثلين حقيقين للقيم التي يدعونها. أصيبت هذه النخبة بصدمة خلال سنوات ما بعد يناير، بشكل تدريجي ومتصاعد، ربما خفف من غلوائها صعود نجم الإخوان المسلمين وبالتالي اضطرت المعارضة لرفع شعارات الديموقراطية ومعارضة الديكتاتور والمطالبة بحقوق كل المصريين في الدستور، وتسللت في هذه الفترة دوعاي الدفاع عن الدولة القديمة عوضا عن تغييرها تماما في أول شهور يناير، حتي وصلنا إلى ذروة تأييدهم للسلطة العسكرية ممثلة في ترشيح المشير عبد الفتاح السيسي.

وفي الشهور الماضية، رأينا النخبة  تقود حربًا شرسة على الأخلاقية والسياسية، أو ما درجت على تسميته بالحقوقي والبرجماتي ولكن مثل هذا الدفع ينقصه الكثير جدا من منطقية خطاب السياسة ذاتها: فالسياسة تعتمد على الحشد، فكرة أن تعلن الجماهيرعن رضائها عن توجه سياسي معين، وهذه التوجهات السياسية، في الحقيقة يجب أن تكون أخلاقية وحقوقية أو متشحة بهما على مستوى الخطاب.

حتى أوروبا في سنين الاحتلال اضطرت لصك مصطلح “مهمة الرجل الأبيض” لإضفاء صبغة أخلاقية وحقوقية لازمة لحشد الجماهير وراء المشروع الاستعماري، واستخدامها في مواجهه منتقدي هذا المشروع من القوى السياسية المعارضة، فتسببت مذبحة دنشواي مثلاً في جدل حول مدى “أخلاقيتها” مما أدى إلى معارك سياسية بين قطبي السياسة البريطانية في وقتها. أما  في أمريكا اضطر الاستعماريون لخلق ما يسمي بـ”عيد الشكر” للتعبير عن عملية الاستحواذ على الأراضي الجديدة من سكانها الأصليين، و لم  يأخذوا غطاء أخلاقيا أو حقوقيا، بل كان دينيا صرفًا، الأمر الذي يذكرنا بحيل السلطة الأوروبية في القرون الوسطى لجمع الجيوش فيما عرف بالحروب الصليبية، للاستيلاء على بقع تجارية هامة.

لا يمكن استخدام دعوى عاطفية ترتكز علي الخوف من “الآخر” لدرجة القتل والتنكيل مثلما حدث في سلوك السلطة المصرية بعد ٣ يوليو، فمثل هذه الدعاوى تستند لحالة طوارئ بعينها يعيشها مجتمع، ولكنها غير صامدة لتكوين سياسة يركن إليها، فالبشر، شئنا أو أبينا، يحبون التحرك بناء على شعور بالرضا عن أنفسهم وعما يفعلون.

يمكن للنخبة الحديث عن البراجماتية السياسية، ولكنها لن تستطيع بيع المذابح طويلا، أو تبرير قمع الدولة المصرية  للجماهير التي حشدتها هي من أجل الديموقراطية وحقوق الإنسان، حتى وإن كان ذلك على مستوى الخطاب وحسب.

فسلوك النخبة هذا لن يؤدي إلا إلى انفضاض الجماهير من حولها وخاصة الشباب الذي يتم احباطهم تماماً، مما سيؤدي إلى سعيهم للهجرة إلى الخارج، أو التشرنق حول الداخل، أو محاولة عمل أي شيء حتى لا تلصق بهم تهمة الشباب الفاشل اجتماعيا، والتي تشيعها السلطة عن المعارضة وبالتالي يتوقف كل نشاط سياسي أو نقابي حقيقي في هذا المجتمع.

وانفضاض الجماهير سيعني أن تكون قوة النخبة السياسية مرتبطة برضاء الدولة من عدمه عليها، وتكون بذلك قد أعادت النخبة صناعة أزمتها التاريخية مع الدولة.

لقد تعرضت آمال “الأفندية” في نخبتهم لخيبة أمل عميقة ومتعاقبة، من أول تسمية طه حسين ما حدث في ١٩٥٢ “ثورة”، إلى التحالف التام مع الدولة رغم دمويتها وسلطويتها، وحتى الاختلاف كان يعبر دوما عن تفضيل جناح آخر للنظام.

الأفندية، الطبقة المتوسطة، التي ما انفكت الدولة تحذرهم من “ثورة جياع” لم تحدث في التاريخ البشري إلا في ظل مجاعات حقيقية، هم اللاعب الرئيس في الثورات حتى وإن كانت الشيوعية -واليسار عامة- يأخذون من هذه الطبقة موقفا عدائياً.

إلا أن الواضح أن من يشعل الثورة هم من أبناء الطبقة المتوسطة، قبل أن ينضم لهم الفقراء عادة، ما اصطلحت الأدبيات الشيوعية على تسميتهم بالبورجوازي الصغير، الذي ترعرت قليلا أهميته في الثورة، لحساب حكم “الجماهير الغفيرة” من البروليتاريا، إلا أن الواقع يقول أن أغلب منظري الشيوعية الرئيسيين ذاتهم قد أتوا من طبقة متوسطة، سواء بالميلاد أو بحكم المهن.

لقد كان تحرك الطبقة المتوسطة المتوسطة والمتوسطة العليا في يوم ٢٨ يناير تحديدا هو المعول المفاجئ والحاسم في اسقاط نظام حسني مبارك، الذي لم يتخيل أن يترك المهنيون الصغار، أصحاب الياقات البيضاء، كل مصالحهم المعتمدة على نظام مستقر، من دفع أقساط شقق وعربات وخلافه، من أجل هز هذا النظام نفسه. صحيح أن بدأ جزء كبير منهم في الرجوع إلى حظيرة شفيق مع تدهور الأحوال، إلا أن وجودهم وسط الحدث هو الشيء الذي يتعين على النظام اجتنابه، فهم من يستطيعون بلورة الأفكار بشكل ما بحكم تعليمهم، وهم الوجوه التي قد تحظي بدعم الجماهير، وذلك لأن تقييم الجماهير نفسه  قد اعتاد على تفضيل طبقي – وهي حقيقة مؤسفة.

وهذه الطبقة، الأفندية، عندما يتم إحباطها يمكنك أن تتخيل مجالاً سياسياً مهيئاً للديكتاتورية. وهذا ما حدث في مصر في تعاقب طويل لأجيال الواحد وراء الآخر. والأمل بكسر هذه الدورة هذه المرة ملىء بأمل وبتوجس: الأمل في انتصار أجيال جديدة شابة تصعد في وقت استثنائي فيه العالم يتغير فعلا في ظل تطور تكنولوجي غير مسبوق، والتوجس في أن مثل هذه الأجيال التي صعدت في لحظة حاسمة في هذا التاريخ المنظور، قد فقدت أي ثقة بنخبتها وعلمانيتها تماما، وهو الذي حدث بشكل مضطرد منذ ١٩٥٤ ثم  بشكل أكبر في ١٩٦٧، وقد تكون هذه مرة حاسمة، ومأساوية.

ولكن يبقي الرعب أن تنهزم هذه الأجيال الصاعدة في تكرار مؤلم لما حدث طيلة الستين عاما الماضية.

اعلان
 
 
محمد علاء الدين