بلال فضل يزور مدى مصر ويتحدث عن المثقفين والدولة
 
 

استضاف موقع مدى مصر في إفطاره الإسبوعي الكاتب الصحفي والسيناريست بلال فضل، وقد تطرق في حديثه لعدة محاور، منها صعوبة تبني موقف في ظل حالة الاستقطاب السياسي وكذلك موقف المثقفين من المأزق الحالي، كما ناقش فضل الضغوط التي تمارس على الصحف والكتاب.

عبّر فضل عن صعوبة عملية اتخاذ موقف سياسي مركب في الوقت الحالي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمؤسسسة العسكرية. وقد اختبر فضل هذا الأمر شخصياً نتيجة لرأيه من دور الجيش في الفترة الحالية والذي لا يتفق مع أي من الفرقتين الموالية والمعارضة للجيش.

لا يرى فضل إمكانية تحقيق انتصار في معركة أمام الجيش باعتباره عصب الدولة من الناحية المؤسسية، وقد كبده هذا الاعتقاد نقد الجبهات الثورية التي لا ترى في كتاباته نفس الأسلوب الصدامي الذي يتبنوه في احتجاجاتهم.

في نفس الوقت، كان فضل صريحاً في التعبيرعن رأيه أنه من الضروري إبقاء المؤسسة العسكرية خارج اللعبة السياسية، مما جعل البعض يهاجمه معتبرينه رمزاً “مناهضاً للجيش.”

يعتقد فضل أن إعادة تعريف موقع الجيش في الدولة والمجتمع سيستغرق بعض الوقت إلى أن يظهر بنيان اجتماعي يقوم بموازنة القوى، إلا أنه يري أن الطبيعة الجيوسياسية للصراع العربي الإسرائيلي ستسهم في تأخير هذا التوازن بعض الوقت. يرى فضل أن وجود إسرائيل كتهديد للأمن الوطني المصري يزيد من تمسك الشعب بصورة الجيش كالحامي والملاذ.

وقد أكد فضل أنه مع فكرة الدولة ولكنه لا يعني بذلك نموذج الدولة التي تسيء إلى الشعب، بل دولة الرفاه الاجتماعي التي تتبع أفكار الديمقراطية الاجتماعية. يقول فضل أنه عندما ينتقد المرء المؤسسات الحالية تدعي الدولة أنه يحاول نشر الفوضى والفكر الأناركي.

ومع انتشار هذه التصنيفات بكثرة يزداد دفاع المرء عن نفسه، فيقول فضل بوجه تعلوه ابتسامة تملؤها السخرية والأسى إنه دائماً كان يعتقد أن أهم شيء هو أن يحدد المرء ماذا يريد أن يصبح في المستقبل، إلا أنه أصبح يري أن الأهم في مصر حالياً هو أن يحدد المرء من لا يريد أن يصبح مثله في المستقبل، في إشارة إلى بعض المفكرين بالمشهد العام.

وقد انتقد فضل تحول مواقف الكثير من المفكرين بدون إشراك جمهورهم في هذا التغيير، فالمشكلة بالنسبة لفضل أن بعض الكتّاب “غيروا عقودهم مع الناس من طرف واحد.” فقد بدأ هؤلاء بفكرة مناهضة الدولة الفاسدة وفجأة تغير موقفهم دون إشعار سابق، أو حتى توضيح أسباب هذا التحول لقرائهم، يقول فضل في إشارة إلى الكتّاب الذين كانوا يعارضون نظام مبارك لكنهم أصبحوا مدافعين راديكاليين عن النظام الذي يدعمه الجيش بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي في يوليو ٢٠١٣.

يقول فضل أن من المؤلم بالنسبة له مشاهدة الكتاب الذين تحول موقفهم إلى الانصياع التام للدولة وهم ما زالوا يتحدثون عن الثورة بشغف.

ومن ضمن المفكرين الذين انتقدهم، ذكر فضل محمد حسنين هيكل، الذي يرى أنه يلعب دوراً هاماً في الوقت الحالي باعتباره مرجعاً للكتّاب والمفكرين، يعلّمهم أن بإمكانهم أن يقفوا بجوار الدولة ويدافعوا عن الانتهاكات التي ترتكبها ويكتفوا بأن يحاولوا التقليل من تلك الانتهاكات. يعتقد فضل أن هيكل يلعب دوراً خطيراً في المرحلة الحالية مسترجعاً الدور الذي لعبه عندما ترأس صحيفة الأهرام الحكومية، فقد كان هيكل وقتها يعطي مساحة للمعارضين لكي ينتقدوا الدولة في الجريدة تحت إشرافه لكنه كان في الأساس موالي لها.

بعد أيام من زيارته لمدى مصر، منعت صحيفة الشروق المقال الأسبوعي الذي ينشره فضل بالصحيفة، والذي تناول فيه الكاتب دعم هيكل للجيش في الوقت الحالي. وقد استرجع المقال الذي نشرته مدي مصر بعنوان “الماريشال السياسي” محادثة أرشيفية جرت بين هيكل وبين القائد العسكري الإنجليزي مونتجميري حول علاقة الجيش بالسياسة أقر فيها هيكل بخطأ تدخل العسكريين في الحياة السياسية، وهو ما يتناقض مع الدور الذي يلعبه هيكل الآن مع المشير عبد الفتاح السيسي الذي من المتوقع أن يترشح للرئاسة. وقد أنهى فضل عقده مع صحيفة الشروق بعد هذا الموقف.

وقد خاض فضل محاولات تحرير الإعلام من خلال التفكير في إطلاق قناة فضائية بالإكتتاب الشعبي ولكنه واجه سلطة الدولة التي حولت المشروع إلى مستحيل. فقد وجد إنه لا أحد يجرؤ في مصر على إطلاق قناة فضائية إلا بموافقة المخابرات العامة. ومن المرارات التي يحملها هو شخصيا للإخوان المسلمين، أنه عندما كانت بأيديهم السلطة التشريعية تواصل ومعه عدد من الناشطين معهم لإقناعهم بحذف الشرط الذي يمنع إطلاق الفضائيات دون موافقة المخابرات العامة وطلبوا، على حد تعبير فضل، أن تكون هيئة الاستثمار هي المسئولة عن هذا الأمر وأن تصبح الموافقة على إطلاق القنوات الفضائية بالإخطار مثل الصحف.

يؤكد فضل إن أصحاب السلطة في ذلك الوقت وعدوه بالعمل في هذا الاتجاه لكنهم لم يفعلوا شيء.

ولم يقتصر نقد فضل على الكتّاب والمفكرين، فقد رثى فضل أيضاً تقبل القراء للمحتوى الذي يعرض عليهم بدون تحليل أو نقد. يقول فضل أن القاريء المصري اعتاد ثقافة “التهليل” حيث إذا أحب كاتب، تقبل منه كل كتاباته وشجعها بلا مراجعة.

وفي الخلاصة قال فضل أن المشكلة تكمن في إن كثير من المثقفين يروا في أنفسهم صوت الجماهير الذي يفكر بدلاً منهم، ويشاركهم في هذه الرؤية عدد كبير من القراء، وأوضح بلال إن هذا الأمر يظهر في عدد كبير من تعليقات القراء على الفيس بوك على مقالات الرأي.

وقد امتدح فضل المحتوى الذي تقدمه مدى مصر والمواقع الإخبارية الناشئة، والتي تحاول أن تشق طريقاً بين ثنائية إعلام الدولة والإعلام المملوك.

وأعرب فضل عن تمنيه من تجربة مدى مصر أن تغير من ظاهرة تعلق القاريء بالكاتب ووهم الدور الطليعي للمثقف، وأضاف فضل أن القاريء عليه أن يعي أن الكاتب ليس من المفترض أن يملي عليه موقفه السياسي وأنه  يساعده على تكوين رأيه فقط.

وفي نهاية اللقاء اختتم فضل بقوله إن، بدلاً من أن يصبح الإعلام سلطة تستخدمها الدولة أو تقمعها، يمكن للمواقع المستقلة أن تطور جمهوراً مؤثراً يكوّن بدوره مجموعة ضغط على السلطة، ولذا فستصبح قوة الضغط في يد هذه المجموعة وليس في يد الإعلام نفسه. فيرى فضل أن الإعلام يمكنه أن يساعد في تطوير أفكار الناس وإنعاش ذاكرتهم، لأن أمة بلا ذاكرة هي في رأيه بالتأكيد أمة بائسة.

اعلان
 
 
إسلام بركات