ماذا بعد المشير رئيساً؟

بانتهاء مراسم حفل الكلية الحربية في القاهرة بمناسبة انتهاء فترة الإعداد العسكري والتدريب الأساسي لطلبة الكليات والمعاهد العسكرية من المصريين والعرب، أعلن المشير عبدالفتاح السيسي، نائب رئيس مجلس الوزراء، القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع والإنتاج الحربي، الثلاثاء ٤ مارس ٢٠١٤، أنه “لا يستطيع أن يدير ظهره عندما يجد الغالبية تريده أن يترشح لانتخابات الرئاسة المقبلة”.

وفي السابع والعشرين من يناير الماضي  كان المجلس العسكري في مصر، قد اجتمع معلناً أنه ليس بوسعه “إلا أن يتطلع باحترام وإجلال لرغبة الجماهير” من الشعب المصري في ترشيح السيسي لرئاسة الجمهورية الذي “تعتبره تكليفاً والتزاماً”. 

ويأتي ذلك بعد أن أعلن الرئيس المؤقت عدلي منصور في ٢٦ يناير، تعديله خارطة طريق ٣ يوليو، من خلال إقرار إجراء الانتخابات الرئاسية قبل البرلمانية. كما شهد ميدان التحرير قبلها في يوم السبت ٢٥ يناير احتشاد بضعة آلاف من الجماهير لما سُمي بـ”الاحتفال بذكرى ثورة يناير” ورفع الكثيرون منهم صوراً لـ”السيسي” جنباً إلي جنب مع أعلام مصر. و ذلك في نفس الوقت الذي كانت قوات الأمن تقمع فيه فاعليات ثورية دعت إليها العديد من الحركات الشبابية والجبهات الثورية (جبهة طريق الثورة، الاشتراكيون الثوريون، حركة شباب ٦ أبريل). لينتهي اليوم بمقتل أكثر من ٤٩ شخصا وجرح ٢٤٧ واعتقال ما يزيد عن ١٠٧٩ شخصاً (وفقاً لوزارتي الصحة والداخلية).

نحاول هنا تسليط الضوء على بعض النقاط والمحاور للتعرف على المآلات الممكنة، والنتائج المحتمل ترتبها على إعلان المجلس العسكري، مباركته لترشح “عبد الفتاح السيسي” لرئاسة الجمهورية. ومآلات هذا الترشح المحتمل، والفوز بالرئاسة إن تمّ.

أولاً: التأثيرات السياسية:

يعتبر قرار المجلس العسكري إضفاءً صريحاً لمشروعية عودة الجيش للحياة السياسية. وهو ما يشكل تهديداً حقيقياً لمحاولات بناء “الدولة المدنية”. فإن كان البعض في الانتخابات الرئاسية السابقة اعتبر ترشح الفريق أحمد شفيق أو اللواء عمر سليمان، وهم ضباط سابقون بالقوات المسلحة، تهديداً لمدنية الدولة، رغم أن المؤسسة العسكرية لم تعلن مطلقاً دعمها الصريح لهم، كما حدث مع السيسي.

يثير القرار تساؤلات كبيرة حول علاقة الجماهير بالرئيس المنتخب، وفي حال خروج الجماهير لمعارضة مرشح المؤسسة العسكرية، هل سينحاز الجيش لقائده الذي وافق على الدفع به إلى الحياة السياسية؟ أم سينحاز للجماهير كما فعل مع كل من مبارك، ومرسي؟

حتى إن تم إعلان الفصل الظاهري بين المرشح (السيسي) وبين قيادات القوات المسلحة (المجلس العسكري)، فليس من المستبعد في حالة تعثر أداء السيسي إن فاز بالرئاسة، أن يتم إلصاق الاتهام في الحديث العام بالمجلس العسكري كما كان الحال في مكتب إرشاد (جماعة مرسي). وهو ما سيهدد بالطبع تماسك القوات المسلحة، باعتبارها المؤسسة الوحيدة التي ظلت فاعلة ولم تشهد انهياراً تاماً في ٢٨ يناير.

ثانياً: الأوضاع الأمنية:

شهدت مصر منذ الثالث من يوليو تفاقماً في معدلات العنف، سواءٌ كان عنفاً تمارسه أجهزة الدولة، أو عمليات إرهابية ضد الأجهزة الأمنية أو أي أشكال أخرى من العنف المجتمعي. ومع هذا التفاقم الكبير في معدلات العنف، يثار التساؤل حول عدم فاعلية الأجهزة الأمنية في التعامل معه إن كان من جماعات في المجتمع، أو كبح جماح أجهزتها الأمنية من ممارسة القمع والقتل والتعذيب. ويأتي على رأس المسؤولين الذين الذين ينبغي أن يخضعوا للمساءلة،  وأن يتوجهوا للشعب بمنتهى الشفافية لتوضيح أسباب القصور، وخطط التطوير وإعادة الهيكلة، المشير عبد الفتاح السيسي بصفته وزير الدفاع الذي عينه مرسي، ثم استمر بعد الإطاحة بالأخير في ٣ يوليو ثم تولى منصب نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الأمنية منذ ذلك الحين وحتى الآن. هذا بالطبع غير كونه عضواً بالمجلس العسكري أثناء حكم المجلس للبلاد عقب الإطاحة بمبارك في ١١ فبراير ٢٠١١ ومديراً سابقاً للمخابرات الحربية.  

من المتوقع بهذا الإعلان، أن يتزايد حجم العمليات الإرهابية بشكل غير مسبوق مع استمرار انحسار الفرصة السياسية للقيام بمصالحة وطنية مع التيارات المختلفة المعارضة لمسار ٣ يوليو وزيادة تضييق الدولة على أي مظاهرات أو فعاليات احتجاجية، وإغلاقها الميادين الرئيسية منعاً للاعتصامات. وفي حين تنكر جماعة الإخوان المسلمين أي صلة بالأعمال الإرهابية الأخيرة، فإن جماعة (أنصار بيت المقدس) أعلنت تبنيها التفجير الكبير الذي نال من مديرية أمن القاهرة في قلب العاصمة المصرية في ٢٤ يناير، ثم نشرت مقطع فيديو توضح فيه إسقاطها لطائرة حربية تابعة للقوات المسلحة بسيناء في ٢٥ يناير، إضافة إلى اغتيال مساعد وزير الداخلية اللواء محمد السعيد مدير الإدارة العامة للمكتب الفني لوزير الداخلية في ٢٨ يناير بمحافظة الجيزة.

ثالثاً: الأبعاد الاجتماعية والثقافية:

يشهد المجتمع المصري استقطاباً بالغاً، وسط حالة من الشحن والشحن المضاد بين أنصار معسكري النظام والإخوان، إذ يصف أنصار النظام مؤيدي مرسي بالإرهابيين، بينما يصف أنصار مرسي الفريق السيسي بـ”الخائن” و”القاتل” ويطلقون على مؤيديه “عبيد البيادة”. ويزداد التأزم بالطبع مع استمرار سيل الدماء بغزارة في الشارع المصري، والارتفاع المهول في أعداد المعتقلين.

من ملامح الاستقطاب، أن تشهد الساحة المصرية، حالة من الصراع الثقافي بين المعسكرين، فمؤيدي السيسي لا ينفكون عن تشغيل أغنية (تسلم الأيادي) التي تعبّر عن تمجيد الجيش والداخلية. كما يشاهد أغلبهم قنوات فضائية خاصة بعينها مؤيدة للنظام سواء حكومية او خاصة مثل سي بي سى و غيرها، بينما مؤيدي مرسي لا يتمسكون سوى بالأغاني التي تعتبر ما حدث في  ٣ يوليو انقلاباً عسكرياً على الرئيس الشرعي المنتخب مثل أغنية (ثورة دي ولا انقلاب) أو (قولوا للعالم مصر إسلامية). ويشاهدون قناة الجزيرة مباشر مصر معتبرين أنها القناة الوحيدة التي تبث حقيقة ما يحدث من قمع الدولة للمسيرات اليومية التي يقومون بها في أغلب محافظات ومدن مصر، وتتلقى قناة الجزيرة سيلاً من الاتهامات بالانحياز وعدم الحياد من الجانب الآخر.

كما ينعكس هذا الاستقطاب على العديد من ملامح الحياة اليومية، ويتسبب في تشقق الحياة الأسرية لدى مئات الأسر المصرية، كما يتسبب في انهيار صداقات وعلاقات أيضاً. ومن المتوقع بديهياً مع شخصنة هذا الصراع بين مرسي والسيسي أنه في حالة فوز السيسي أو “عودة مرسي” -غير المحتملة- أن تتعمق حالة الاستقطاب هذا، مفضية إلى مزيد من الصراعات، وليس التئام الجراح كما هو مأمول.

اعلان
 
 
شريف محي الدين