التعذيب في زمن الثورة

في مصر وضعت سيدة مولودها وهي مقيدة في سرير داخل إحدى المستشفيات الحكومية. وفي مصر أيضا سقط أحد الأشخاص ميتاً قبل أيام بعد أن صعق بالكهرباء في أحد أقسام الشرطة. في مصر فقط يتحول المعتقل السياسي إلى مجرم يجري تعذيبه وإهانته دون حكم قضائي أو محاكمة عادلة، في حين يقوم البعض بتبرير عمليات الاعتقال والتعذيب دون خجل.

بحسب موقع “ويكي ثورة“، وهو موقع مستقل يقوم بتوثيق حالات القتل والإصابة والاعتقال التي جرت في مصر منذ قيام ثورة ٢٥ يناير، وصل عدد المعتقلين والمقبوض عليهم منذ انقلاب ٣ يوليو وحتى ديسمبر الماضي إلى حوالي ٢١ ألف معتقل. ولمن يريد الإطلاع على تفاصيل وملابسات عمليات الاعتقال فالتقرير موجود على الموقع الالكتروني المذكور. من جهتها تشير منظمة العفو الدولية إلى أن هناك ما يقرب من ٣٠٠ طفل جرى اعتقالهم طيلة الشهور الست الماضية، وهو ما نشرت عنه صحيفة الديلي تليجراف قبل يومين تقريرا مفصلا به شهادات بعض المعتقلين.

تقول إحدى المعتقلات للجريدة “يتم إجبار المعتقلين على الجلوس مكدسين في زنزانة ضيقة ويتم تقديم طعام ملئ بالحشرات، ويتم حرمانهم من استخدام المرحاض أو مضايقتهم أثناء قضاء حاجتهم”.

لا تكف شهادات وحكايات التعذيب التي تجري داخل أقسام الشرطة والسجون المصرية عن إصابتنا بالغثيان والتقزز لبشاعة ما يتم نشره عن التعذيب الذي يتعرض له المعتقلين. يقول خالد السيد، وهو أحد النشطاء السياسيين البارزين في رسالة نقلتها عنه زوجته من محسبه، أن ما رآه في قسم الأزبكية كان أقرب “للسلخانة التي تجري فيها حفلات تعذيب للمعتقلين طوال اليوم.. حيث يجري تجريدهم من ملابسهم ويتم ضربهم وكهربتهم في أماكن حساسة بجسدهم من ضمنها الأعضاء التناسلية”. وهي الشهادة التي كانت سببا في تحرك بعض المنظمات الحقوقية للمطالبة بالتحقيق في وقائع التعذيب ولكن دون جدوى.

في الذكرى الثالثة لثورة ٢٥ يناير اعتقل أكثر من ألف شخص في يوم واحد فقط وذلك حسب تصريحات وزارة الداخلية المصرية. يقول أحد المعتقلين الذين جرى إطلاق سراحهم “لاحظت أن جدران الزنزانة كانت ملطخة بالدماء… ولقد تعرضت للضرب المبرح بحيث أنني ألقي بي من جانب إلى آخر داخل الغرفة، وتعرضت للصفع على وجهي وضربت على رأسي، وشتمت لانتقادي الشرطة والجيش”.

هذا ناهيك عن عمليات الضرب والتحرش التي تتعرض لها فتيات كثر داخل مراكز الاحتجاز.

تقول إحدى الفتيات التي يبلغ عمرها ١٥ عاما أنه “تم القبض عليها وضربها وتجريدها من ملابس وسحلها على الأرض مما تسبب بكسر أضلعها”.

ليس أسوأ من جرائم التعذيب التي يتعرض لها المعتقلون في مصر سوى جريمة التبرير التي يقوم بها الإعلام الموالي لتحالف ٣ يوليو. فقد خرج أحدهم دون استحياء مبررا اعتقال السيدة التي وضعت مولودها وهي مصفدة الأيدي بأنها “متهمة ويجب منعها من الهرب”، في حين جرى إطلاق سراح السيدة بعد أن طافت صورتها شبكات التواصل الاجتماعي، دون أن يعتذر الرجل عن تصريحه المخجل. أما المثير للدهشة فهو النفي القاطع لمساعد وزير الداخلية لشؤون حقوق الإنسان بأنه “لا يوجد تعذيب داخل السجون المصرية” وهو ما جعل تصريحه موضعاً للسخرية والتندر على مواقع الفيس بوك وتويتر.

وإذا كان لا غرابة في أن تصدر مثل هذه التبريرات عن صحفيين وإعلاميين لا يكترثون للمصداقية والنزاهة بقدر اكتراثهم بإرضاء من هم في السلطة، أو عن مسؤول رسمي تورطت وزارته في قتل المئات واحتجاز الآلاف طيلة الشهور الماضية، فإن موقف النخبة التي تسمى مجازا بالليبرالية والعلمانية يظل الأكثر سوءا وازدواجية فيما يتعلق بملف التعذيب.

فبعضهم إما أصابه الصمت والخرس بحيث لم يعلق على ما يحدث وكأنه يعيش في بلد آخر، في حين انخرط البعض الآخر في سوق المبررات والحجج من أجل الدفاع عن قمع الشرطة للمعتقلين تحت عباءة “الحرب على الإرهاب”. ولا يقوى هؤلاء على الاعتراض على ما يحدث كونهم مساهمون، بشكل أو بآخر، فيما آلت إليه الأوضاع في البلاد.

ولا يبتعد ملف التعذيب في مصر عن ملف آخر يجرى العمل عليه منذ فترة وهو التشويه الممنهج والمتعمد لمنظمات حقوق الإنسان والنشطاء الذين يدافعون عن حقوق المعتقلين قانونيا وإنسانيا. حيث تشن أجهزة الدولة العميقة وأذرعها الإعلامية حملة ممنهجة لتشويه كثير من رموز العمل الحقوقي والإنساني في مصر لمجرد أنهم يفضحون ممارسات أجهزة الدولة، خاصة وزارة الداخلية ويرفضون الصمت على جرائمها. بل الأدهي من ذلك أنه في بعض الأحيان يجرى استخدام منظمات وشخصيات أخرى محسوبة على مجال حقوق الإنسان كـ”حصان طروادة” من أجل تبرير ممارسات أجهزة القمع في الدولة. ولن ينسي التاريخ ما قام به بعض رموز هذه المنظمات في تبرير وتسويق عملية القتل الجماعي التي جرت للمعتصمين في ميداني “رابعة العدوية” و”النهضة” الصيف الماضي.

يبدو أن أسوأ ما يلحظه المرء في مسألة التعذيب التي تحدث في مصر هو محاولة تمريرها وشرعنتها في الوعي الجمعي للمواطنين العاديين. وهو ما يبدو جزء من استراتيجية أوسع يتبناها نظام ٣ يوليو يقوم على خلق حالة من “التطبيع النفسي مع القمع” وذلك من خلال تشكيل رأي عام مساند أو ظهير شعبي مؤيد لمسألة تعذيب المعتقلين باعتبارهم “خطراً على أمن البلاد وجزء من مؤامرة خارجية”، وهي المقولة التي أصبحت “إكلاشيها” يتم بها وصم الأصوات المعارضة لسياسات النظام الحالي ومن المتوقع أن تستمر لفترة قادمة باعتبارها أحد الأدوات المهمة في لعبة تزييف الوعي.

حجم التعذيب في مصر يذكرنا بما حدث في بلدان أخرى رزحت عقودا تحت الحكم الديكتاتوري الفردي وكان مصيرها في النهاية مأساويا، من الممكن أن نذكر هنا ما حدث مع صدام حسين أو القذافي أو ما يحدث الآن من حرب أهلية تحت حكم بشار الأسد في سوريا. وربما لم يكن مفاجئا أن تقوم منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بوضع مصر ضمن مجموعة الدول الهشة وذلك في تقريرها السنوي لعام ٢٠١٤، وذلك بسبب ارتفاع معدل العنف وعدم الاستقرار الناتج عن القمع والاستبعاد السياسي للمعارضين.

ما يحدث في مصر حاليا يذكرني بما كتبه المفكر العراقي الأمريكي كنعان مكية قبل ربع قرن في كتابه “جمهورية الخوف” عندما كان يصف الأوضاع المزرية تحت حكم الطاغية “صدام حسين”، كما أتذكر وجه هذا الأخير بعد أن تدلت رقبته أمام حبل التاريخ قبل ثمانية أعوام. لذا فإن المحاولات اليائسة للدولة العميقة في مصر في إعادة بناء “جمهورية الخوف” لن يكتب لها النجاح مهما توحشت وزارة الداخلية وأجهزتها القمعية، ليس فقط لأن الزمن قد تجاوز مثل هذه الممارسات المقززة وإنما أيضا لأن من أسقطوا نظامين في أقل من ثلاثة أعوام سيظلون قادرين على فعل ذلك مجددا مهما طال الزمن، وإلى أن تتحقق مطالبهم بالعيش في حرية وكرامة وعدالة اجتماعية.

اعلان
 
 
خليل العناني