مصر والخليج: الفترات الانتقالية وخطة مارشال

خلال العامين الماضيين، شهدت العلاقات بين مصر ودولتي السعودية والإمارات من ناحية، ودولتي قطر وتركيا من ناحية أخرى تحولاً مغايراً تماماً في مناسبتين حتى الآن.

فإلى أن قامت ثورة الخامس والعشرين من يناير حافظت مصر على الطبيعة الفاترة لعلاقاتها مع دولتي قطر وتركيا، اللتين كانتا تأويان قادة الإخوان المسلمين على أراضيهما، وفي نفس الوقت كانت العلاقات بين مصر ودولتي السعودية والإمارات تتسم بالقوة.

أما بعد وصول الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم في ٢٠١٢، فقد تحولت المعادلة تماماً إلى الاتجاه المعاكس.

فقد عززت حكومة الإخوان علاقاتها مع كل من قطر وتركيا، فيما أصبحت العلاقات مع السعودية والإمارات أكثر فتوراً. وبعد قيام ثورة/انقلاب يوليو ٢٠١٣، عادت طبيعة العلاقات بين مصر والجانبين إلى سابق عهدها قبل ثورة ٢٠١١. لكن هذه المرة يضاف إلى الطبيعة الفاترة للعلاقات بين مصر ودولتي قطر وتركيا، تزايد العداوة تجاه الدولتين بسبب استمرارهما في دعم واستضافة أعضاء وقادة الإخوان المسلمين المنفيين، والدليل على ذلك التغير في العلاقات تخفيض درجة التمثيل الدبلوماسي لكلا الدولتين.

وقد صاحب هذا التأرجح غير المتزن في العلاقات الدولية، مجموعة من الاستثمارات والمنح والحزم المالية السخية إلى مصر.

فعلى سبيل المثال، قدمت الدوحة مليارات الدولارات للقاهرة خلال عام حكم الإخوان المسلمين، كما تعهدت أن تصل استثماراتها في مصر إلى حوالي ١٨ مليار دولار أمريكي، أما تركيا فقد عرضت على مصر قرضاً بقيمة ملياري دولار.

وتوقفت المساعدات القادمة من قطر بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي، كما سددت مصر مبلغ ٢ مليار دولار إلى قطر. أما الإمارات والسعودية والكويت الذين ابتعدوا تماماً عن مصر خلال فترة حكم الإخوان في ٢٠١٢ و٢٠١٣، فقد تعهدوا فور عزل مرسي بتقديم ١٢ مليار دولار إلى مصر خلال ٢٤ ساعة، فضلاً عن زيادة قيمة التعهدات المالية التي قدمتها الإمارات خلال الأشر القليلة التالية، كما اتخذت الإمارات أيضاً خطوة استباقية لتقيدم المزيد من المساعدات إلى مصر فيما يتعلق بالتنمية ومشاريع البنية التحتية.

ولا يخفى على أحد الحالة السيئة التي يعيشها الاقتصاد المصري، فستكون البلاد في حاجة إلى المزيد من الاستثمارات التي يمكن أن تقدمها البلاد الصديقة قدر الإمكان. ولكن الدعم المالي قد يكون ضاراً للبلاد إن تم تقديمه في صورة معينة.

وحقيقة الأمر أن المساعدات السخية التي قدمتها قطر إلى مصر كان لها تداعيات سلبية على حكومة الإخوان المسلمين، فقد ساعدتها على تجنب محادثات البنك الدولي حول ضرورة القيام بالتسويات السياسية والإصلاحات، والتي كان من الممكن أن تساعد البلاد على جذب مساعدات واستثمارات أكثر. لذا فيتوجب على الكويت والسعودية والإمارات أن يتأكدوا من أن تلك المساعدات التي يقدمونها لن تؤخر تنفيذ الإصلاحات الهامة في مصر.

ويبدو أن هناك اتفاقاً بين دول الخليج أنه في حالة عودة دولة مبارك فلن تدوم تلك الدولة على المدى المتوسط أو البعيد. ففي سؤال وجهته وكالة بي بي سي إلى محمد بن راشد آل مكتوم حول احتمالية ترشح المشير عبد الفتاح السيسي للانتخابات الرئاسية في مصر، أجاب رئيس وزراء دولة الإمارات قائلاً “آمل أن يبقى في الجيش، وأن يترشح شخص آخر للرئاسة،” فمصر إن صارت دولة مدنية مستقرة ومزدهرة ستصبح بالتأكيد حليفاً أفضل لدول الخليج.

فأوجه القصور الهيكلي الموجودة في الحالة الاقتصادية والاجتماعية لمصر قبل ٢٠١١ لا تزال موجودة حتى الآن. وفي واقع الأمر قد ازدادت الأمور سوءاً في الكثير من النواحي مع زيادة البطالة، والاعتقالات الناجمة عن قتل المتظاهرين، وقمع واعتقال المعارضين، وكذلك جفاف قطاع السياحة المدر للدخل. وقد ألمح مسئول إماراتي كبير في نوفمبر الماضي إلى أن الدعم العربي لن يستمر طويلا، لافتا إلى أنه “يجب على القاهرة أن تعتمد على نفسها، وتفكر في حلول مبتكرة وغير تقليدية (لكي تعزز الاقتصاد)”، فإن كانت لتلك الكلمات مغزى فبالضرورة هي مؤشر أن الحكومة المصرية لا يتوجب عليها أن تعتبر الحصول على تلك المعونات غير محددة الأجل أمراً مسلماً.

عندما امتلأ ميدان التحرير بالمصريين في الثمانية عشر يوماً العظيمة للثورة المصرية، في الغالب لم يكن الأمر واضحاً وقتها أن تحقيق الديمقراطية في مصر يحتاج إلى عشر سنوات على الأقل. واليوم بعد مرور ثلاثة سنوات، فإن الصراع الذي تعيشه مصر في الفترة الانتقالية ليس استثناءً أو تنصلاً من تلك المدة المفترضة على الإطلاق.

فلنضرب مثالاً على ذلك من خلال الافتراض الذي قدمه صامويل هنتنجتون أن الدول التي تتحول من “ديمقراطيات ناشئة” إلى “ديمقراطيات مستقرة” تحتاج أن تمر بـ”دورتي اختبار”. فتفترض النظرية في مقدمتها أن الوصول إلى ديمقراطية مستقرة يتحقق فعلاً في البلاد ذات التجربة الديمقراطية الحديثة بعد أن تنجو من دورتين لتداول السلطة، فالبلاد تعبر دورتي اختبار عندما “تخسر المجموعة أو الحزب الذي فاز بدورة الانتخابات الأولى للفترة الانتقالية، الدورة التي تليها مباشرة ويسلم السلطة للمجموعة أو الحزب الآخر الذي فاز، يلي ذلك أن تسلم تلك المجموعة الثانية السلطة إلى الفائزين بالدورة الثالثة بطريقة سليمة،” وقتها تكون البلاد قد مرت بدورتي الاختبار.

وبناء على ما جاءت به نظرية هنتنجتون، فأقصر سيناريو يجدر على مصر أن تمر به لكي تصنف ديمقراطية مستقرة، هو كالتالي: أن تنتخب مصر رئيساً (نتمنى أن يكون مدنياً) خلال الأشهر القادمة وأن يبقى في السلطة لمدة أربعة أعوام حتى 2018، وبعد ذلك نفترض أنه (أنها) لن يكمل لدورة ثانية وأن رئيساً جديداً سينتخب ويبقى في السلطة حتى 2022 وأن يغادر هو الآخر بعد دورة واحدة فقط. فعندما يسلم الأخير السلطة إلى من يأتي من بعده بصورة ديمقراطية تصبح مصر آنذاك “ديمقراطية مستقرة”. لا جدال أن الديمقراطية تتطلب أكثر من مجرد التداول الإجرائي للسلطة، كما أن نظرية هنتنجتون واجهت نقداً لتجاهلها جوهر الديمقراطية.

لكن دورتي الاختبار المذكورتان هما مجرد رقم انتخابي يمثل لغزاً مثيراً للاهتمام والذي من شأنه أن يبين كيف يمكن للمصريين أن ينظروا إلى الجانب الأفضل الذي يحمله هذا العقد الزمني قبل أن يدخلوا في المرحلة الانتقالية الحالية.

ولكي تصبح مصر دولة ديمقراطية وعادلة ومزدهرة سيتوجب عليها أن تسلك مسلكاً شاقاً وطويلاً يتطلب العديد من التضحيات والتسويات على الصعيدين الداخلي والخارجي للبلاد، بما في ذلك بين دول الخليج نفسها.

فالعلاقات المصرية الخليجية ستكون في حاجة إلى أن تنمو خارج الشكل التقليدي للمساعدات وذلك لكي تنشأ خطط تطوير طويلة المدى، وربما يجدر العمل سوياً على تنفيذ الاقتراح الذي تقدمت به الإمارت بتطبيق خطة مارشال لدعم مصر والذي قد يؤدي إلى فائدة أكبر للمصريين من خلال التأكد أن المساعدات والاستثمارات سيتم توجيهها وإدارتها بشكل سليم على مدار فترة زمنية طويلة.

اعلان
 
 
سلطان القاسمي