أماكن الاحتجاز تعذيب في حد ذاتها

بقراءة شهادات المُودَعين بالسجون وأماكنَ الاحتجاز بمصر عن تعرضهم للتعذيب، وبمتابعة تصريحات النفي المتواصل من قيادات وزارة الداخلية، ومسئولي مصلحة السجون، لفت انتباهي ما تضمنته تلك الشهادات من حديثٍ عن أوضاع السجون وأماكن الاحتجاز، وبإلقاء نظرة على قانون السجون ولائحته التنفيذية وعلى القرارات الوزارية الصادرة، بشأن كيفية معاملة المسجونين ومعيشتهم، اتضح لي أن مجرد إيداع شخص في مثل هذه الأماكن هو تعذيب في حد ذاته، حتي ولو لم يعتدي عليه أحد وحتى وإن لم يتم كهربته ولا جلده ولا تعليقه كما يحدث.

فقد جاء بشهادة مصطفى محمد عبدالله، الطالب بالصف الثاني بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، وهو أحد المعتقلين في الذكرى الثالثة للثورة، ولن أتحدث عن التعذيب البدني المباشر الذي تعرض له بقسم عابدين، ولكن الحديث سيكون عن سيارة الترحيلات ثم عن معسكر الأمن المركزي بطرة فقد جاء بشهادته عن سيارة الترحيلات:

“عربية الترحيلات كنا بها أكثر من ٧٤ شخص على الرغم من أنها لا تتحمل أكثر من ٣٠ شخص، وكنا على عربيتين وليس بها أي مكان يدخل منه الهوا وكنا سنختنق، وظلت السيارة تمشي في الصحراء لمدة ساعة ونصف، ونزل العساكر وتركوا السيارات ولم نعرف أين نحن”.

سيارة ترحيلات، التي خرجت من قسم الأزبكية متوجهة إلى معسكر الأمن المركزي بطرة، كان بها أكثر من ٧٤ شخصًا، ولم يمر على مقتل ٣٧ مواطنًا داخل سيارة ترحيلات مماثلة اختناقًا بسجن أبو زعبل أكثر من ثلاثة شهور! ولا غرابة، ففي دولة لا يُحاسَب فيها مخطئ، ويقدم المسئولون عن مقتل ٣٧ مواطنًا للمحاكمة فيها بتهمة القتل الخطأ لم يكن ولن يكون بها أي اكتراث لحياة المواطن!  

تلك كانت شهادة مصطفى عن سيارة الترحيلات التي نقل بها من قسم الأزبكية لمعسكر الأمن المركزي بطرة، ثم جاءت شهادته عن المعسكر قائلا:

“المكان غير آدمي بالمرة لا يستطيع الحيوان أن يعيش به، ولا يوجد به حتى دورة مياه، والمكان كله بلاط وننام على البلاط لمدة ٢٤ ساعة”.

ولم تكن شهادة مصطفى هي الوحيدة عن الأوضاع المخزية بأماكن الاحتجاز فقد جاء بشهادة تغريد الصياد عن معسكر الأمن المركزي بالكيلو ١٠٥ المحتجز به زوجها الصحفي كريم البحيري:

“الزنازين محطوط فيها ٣ أضعاف العدد المفروض، والنوم بالتناوب وأغلبية الوقت واقفين في الزنزانة، وبسبب ضيق المساحة بيعلقوا الأكل بمسامير على الشبابيك، ناهيكم عن الريحة بسبب الحمام اللي هو مش حمام، دي حتة متداريه وخلاص”.

هذا هو ما يحدث على أرض الواقع بداخل السجون، تلك هي أوضاع أماكن الاحتجاز والسجون بجمهورية مصر العربية، أما ما سطروه لنا بالدساتير والقوانين واللوائح ونشروه بالجريدة الرسمية وأقسموا قبل توليهم وظائفهم باحترامه فشيء آخر لا يُحترم ولا يُنفذ فقد أخبرونا في الدستور أنه لا احتجاز أحد إلا في أماكن لائقة إنسانيًّا وصحيًّا، ويُحظر فيها كل ما ينافي كرامة الإنسان أو يُعرِّض صحته للخطر”.

تنص المادة ٥٦ من الدستور المصري على أن “السجن دار إصلاح وتأهيل. تخضع السجون وأماكن الاحتجاز للإشراف القضائي، ويحظر فيها كل ما ينافى كرامة الإنسان، أو يعرض صحته للخطر. وينظم القانون أحكام إصلاح وتأهيل المحكوم عليهم، وتيسير سبل الحياة الكريمة لهم بعد الإفراج عنهم.” فإذا أرادت الدولةُ تطبيق وتفعيل ما جاء به أعظمُ دستور -كما يقولون- وحتى لا يكون دستور جمهورية مصر العربية مجرد “حبر على ورق”، فعليها إما أن تغلق كافة أماكن الاحتجاز والسجون الموجودة حاليًّا وتُخرِج من بها، لأن تلك الأماكن غير لائقة إنسانيًّا وصحيًّا، ويحدث بها يوميًّا كلُّ ما ينافي كرامة الإنسان ويعرض صحته للخطر، وإما أن تعمل على أن تكون هذه الأماكن لائقةً إنسانيًّا وصحيًّا، وأن تعمل على عقاب من يكسِر الحظر المنصوص عليه بالدستور، ويرتكب جرائم امتهانِ كرامةِ الإنسان ويعرِّض صحته للخطر، وأن تراقب السجون وأماكن الاحتجاز -كافة أماكن الاحتجاز وخاصة الأماكن المنشأة بقرارات من وزراء الداخلية كمعسكرات الأمن المركزي وأماكن الحجز الموجودة بأقسام الشرطة والنقط الشرطية وغيرها من الأماكن الأخرى- وتفتش عليها بجدية، أو أن يلغوا الدستور ويقولونها صراحة: “مفيش دستور”.

وربما يدفع البعض بأن الدستور تم إقراره منذ شهر واحد فقط وأنه لا يمكن تنفيذ استحقاقاته بين ليلة وضحاها، ولكن لابد أن تعلم أن لدينا قانونًا للسجون، معمول به منذ عام ١٩٥٦، ولائحة تنفيذية معمول بها منذ ١٩٦١ ويجب أن تعلم أن ما جاء بالقانون واللائحة، لا ينفذ في دولة صار قانونها هو ما تريده وزارة الداخلية.

فلو تحدثت عن الجانب الصحي للمساجين فقط فستفاجأ لو قلت لك إن ما جاء بالقانون واللائحة ليس سيئًا، صحيح يحتاج إلى تعديل، ولكن حتى الحد الأدنى المنصوص عليه لا يطبق على أرض الواقع، فيكفي أن تعلم أن لائحة تنظيم السجون، التي جاءت لتفسير القانون قد أُفرد بها ٣٦ مادة خاصة بعلاج المسجونين، تبدأ من المادة رقم ٢٤ وتنتهي بالمادة رقم ٥٩، وهي توضح واجبات ومسئوليات طبيب السجن إذ أن طبيب السجن مسئول عن الإجراءات الصحية التي تكفل سلامة وصحة المسجونين بشكل عام، وعلى الأخص وقايتهم من الأمراض الوبائية ومراقبة صلاحية الأغذية والملابس والمفروشات المخصصة للمسجونين، وكفايتها وملاحظة نظافة الورش وعنابر النوم وجميع أماكن السجن.

فستٌ وثلاثون مادة باللائحة توضح تفصيلًا ما يجب على طبيب السجن فعله للحفاظ على سلامة وصحة المسجونين، والعائق الوحيد هو أن طبيب السجن ضابطُ شرطة، يتبع وزارة الداخلية ومصلحة السجون وإدارة السجن، وليس طبيبًا حرًّا أو تابعًا لوزارة الصحة، وبالتالي سينفذ تعليمات وأوامر رؤسائه من الضباط الأعلى رتبة حتى ولو خالفت هذه الأوامر والتعليمات ما تفرضه عليه واجبات مهنته كطبيب من أخلاقيات وآداب مهنة الطب.

ليس ما جاء بالدستور والقانون واللائحة فقط، هو الذي لا يجد طريقًا للتطبيق على أرض الواقع بالسجون بل إن هناك العديد من القرارات الوزارية الصادرة بشأن كيفية معاملة المسجونين ومعيشتهم، هي الأخرى مجرد حبر على ورق، ومنها قرار وزير الداخلية رقم ٦٩١ لسنة ١٩٩٨ في شأن كيفية معاملة المسجونين ومعيشتهم.

ويكفي أن تقرأ ما جاء بهذا القرار وتقارن ما جاء به وبين ما يوجد أو يقدَّم لأي مسجون بالسجون المصرية، لتعلم أننا لسنا في دولة قانون كما يَدَّعون، فهذا القرار يُحدِد الحد الأدنى المقرر للمسجونين من الأثاث والملابس وأدوات المعيشة، ويحدد الحد الأدنى من ملابس المسجونين المرضى بمستشفى السجن، و ملابس المسجونات المحكوم عليهن، والمحبوسات احتياطيًّا من النساء، ويحدد الحد الأدنى الواجب صرفه للمسجونات المريضات، ويحدد ملابس الأطفال الرُّضع، ويحدد الحد الأدنى من مقرر الأغذية للمسجونين بالثلاثة وجبات: الإفطار والغداء والعشاء، ويحدد المقرر من أغذية لمرضى القلب وتصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم، ويحدد مقرر أغذية الأطفال الرضع من سن ٦ شهور حتى سنة.

اقرأو قرار وزير الداخلية رقم ٦٩١ لسنة ١٩٩٨ في شأن كيفية معاملة المسجونين ومعيشتهم واسألوا أي مسجون في أي سجن من سجون جمهورية مصر العربية عما يقدم له بالسجن اسألوه عن أوضاع أماكن الاحتجاز، قارنوا بين ما جاء في نصوص القوانين والقرارات وبين الواقع، وستعرفون أن التعذيب منهجُ دولةٍ، فإساءة المعاملة ممنهجه، وامتهان كرامة الإنسان ممنهجه، وعندئذٍ ستتيقنون أننا في دولة اللا قانون.

اعلان