حمدين صباحي: بديل مدني أم لا؟

مع وجود الكثيرين ممن يهتمون بالموقف السياسي المتعثر بمصر في حالة ترقب لقرار السيسي المتوقع بالترشح للرئاسة، فالبعض الآخر يعتقد أنه لا يزال هناك فرصة لحكم مدني.

ويعتقد هؤلاء أن حمدين صباحي، مؤسس التيار الشعبي وصاحب المركز الثالث في السباق الرئاسي لعام ٢٠١٢ بإجمالي أصوات يقترب من خمسة ملايين، يمثل الأمل الوحيد للدولة المدنية الديمقراطية، وأن فشله وفوز السيسي بالانتخابات الرئاسية قد يعني عسكرة الدولة المصرية، على حد قولهم.

إلا أن بعض المعلقين قد أكدوا أن وسط هذا الدعم الهائل لترشيح السيسي رئيساً للجمهورية، قد يكون ترشح صباحي، الذي أعلن مؤخراً عن نيته لخوض السباق الرئاسي، مضيعة للوقت.

ومع البيان الذي أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة بنهاية شهر يناير والذي يدعم ترشح السيسي للانتخابات الرئاسية، فقد تحول القائد الأعلى للقوات المسلحة الذي يتمتع بشعبية عارمة من مرشح محتمل للرئاسة إلى مرشح مدعوم من القوات المسلحة، أقوى مؤسسة بالبلاد.

وقال بيان القوات المسلحة “…قد استعرض المجلس ما قام به الفريق أول عبدالفتاح السيسى منذ توليه مهام منصبه… ولم يكن في وسع المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلا أن يتطلع باحترام وإجلال لرغبة الجماهير العريضة من شعب مصر، العظيم في ترشيح الفريق أول عبدالفتاح السيسي لرئاسة الجمهورية وهي تعتبره تكليفاً والتزاماً.”

وأضاف البيان أن القوات المسلحة تحترم إيمان السيسي أن نداء الشعب “يفترض الاستجابة في إطار الاختيار الحر للجماهير.”

وفور صدور البيان، وجه التيار الشعبي انتقاداً شديداً لبيان القوات المسلحة واعتبره “تدخلاً واضحاً في الانتخابات الرئاسية المقبلة وترتيبات السلطة القادمة في مصر.”

وقد ورد في بيان التيار الشعبي أن التعبير الذي استُخدم في بيان القوات المسلحة يعد ترسيخاً لانطباع يؤكد أن السيسي يخوض تلك الانتخابات مدعوما بالقوات المسلحة “وكأنه مرشحاً باسمها”.

وأضاف البيان “اليوم نجد لزاماً علينا أن نجدد التحذير من أن إقحام الجيش الوطني في الأمور السياسية أو تورطه في دعم مرشح للرئاسة على حساب الآخرين ونعتبر أن ذلك ينقل الجيش الوطني من جانب الإجماع والتوافق الوطني والمكانة الكبرى لدى الشعب، إلى أن يكون محل خلاف وطرفاً في العملية السياسية وهو ما لا يليق به ولا نتمناه له.”

واختتم التيار الشعبي بيانه بالتأكيد على رغبته في أن يبقى السيسي في منصب وزير الدفاع، معتبراً أن بقاءه في منصبه “ضمانة لمصر وللثورة”.

وقد ذكر صباحي في أكثر من مناسبة أن خططه المتعلقة بالسباق الرئاسي تعتمد على برامج المرشحين الآخرين، في إشارة ضمنية إلى السيسي، وإذا ما كانت تعبر عن مطالب الثورة، لكنه سرعان ما قرر الترشح للانتخابات الرئاسية يوم السبت الماضي.

وقال حمدين خلال المؤتمر الصحفي الذي أعلن خلاله عن ترشحه للرئاسة “معركتنا ضد الفقر والتخلف والفساد والاستبداد، إحنا اللي هتفنا في الميادين “الجيش والشعب إيد واحدة”، ومعركة حمدين صباحي باسم الثورة هي معركة من أجل مصر الشعب والجيش”

ويقول صباحي أنه مرشح مدني وهي الميزة الرئيسية التي يتفوق بها على السيسي الذي يتمتع بدعم شعبي كاسح. ويرى أنصار صباحي أن كونه مدنياً يعني أنه سيحمي آمال الثورة بإقامة حكم مدني وإشراف سلطة تنفيذية مدنية على الجيش.

وأضاف حمدين في حديثه “المعركة التي سنخوضها هي معركة لنعلن فيها أن الثورة تريد شعباً سيداً وجيشاً حامياً، والاثنين يد واحدة.”

وقال رائد سلامة عضو مجلس أمناء التيار الشعبي لمدى مصر إن ترشح صباحي للرئاسة يعتبر أمراً هاماً لاستكمال الثورة، مشيراً إلى أن تصريح التيار الشعبي ضد تأييد المجلس الأعلى للقوات المسلحة يعبر عن “مخاوف حقيقية من تدخل القوات المسلحة في المشهد السياسي، وهو ما نراه خطيراً للغاية.”

وأكد سلامة بثقة “إن خضنا السباق الرئاسي، فنحن نطمح في الفوز بها وليس فقط تقديم آداء مشرف.”

وعلى الرغم من ذلك، فليس لدى كل مناصري ترشح حمدين صباحي نفس الرأي حول فرصته في الفوز.

فهم يعتقدون أن النتيجة الإيجابية من ترشح حمدين للرئاسة تكمن في تكوين جبهة معارضة حقيقية يمكنها مجابهة سيطرة الجيش، والتي ستترسخ، حال فوز السيسي بالانتخابات.

يقول محمود نوار مؤسس حركة البديل الاشتراكي أن ترشح صباحي سيكون هاماً للمرحلة التي ستلي فوز السيسي بالانتخابات.

وأوضح نوار “أنا على يقين تام أن السيسي سيفوز بالانتخابات، وما أؤمن به أن ترشح صباحي سيكون هاماً لاعتباره حجر الأساس في تكوين كتلة معارضة حقيقية يمكنها أن تحقق مطالب الثورة بعد فوز السيسي بالانتخابات.”

يعتقد نوار أنه ينبغي على الثوريين أن يفكروا بواقعية أكثر، بمعنى أن السيسي لا يمكنه الفوز بالانتخابات بدون معارضة حقيقية، كما يشير إلى أن تشكيل كتلة معارضة تُعرف وتوضح البرنامج الاجتماعي والسياسي للثورة سيؤدي إلى كشف الحكم العسكري.

وأضاف “من المهم ألا يحقق السيسي فوزاً كاسحاً، بل ينبغي أن يكن فوزاً بنسبة تؤكد وجود آخرين يعارضون حكم الجيش.”

الانهيار المحتمل لتحالف ٣٠ يونيو

ولا تقتصر القضية على الفرصة التي يمتلكها صباحي، ولكنها تمتد إلى تأثير ذلك على ما يسمى “تحالف ٣٠يونيو” بين الجيش والقوى الثورية والمدنية ضد الإخوان المسلمين الذين تم خلعهم.  

وقد وضحت هشاشة هذا التحالف بصورة متزايدة في الفترة التي سبقت الاستفتاء على الدستور، فقد تباينت مواقف القوى المدنية من مسودة الدستور. كما طفت على السطح العديد من الخلافات بين الأحزاب تزامناً مع سعيهم للموافقة أو رفض مسودة الدستور.

وقد أدى الخوف من تفكك هذا التحالف الهش، أن تعلو الأصوات التي تحث حمدين على عدم الترشح— بمن في ذلك أعضاء من التيار الشعبي كانوا قد دعموه بكل إخلاص خلال الانتخابات الرئاسية السابقة، بل ومثلوا حجر الأساس لحملته الأولى.

أحد هؤلاء هو المخرج خالد يوسف، أحد أعضاء مجلس أمناء التيار الشعبي، فهو يعتقد أن خوض صباحي للانتخابات الرئاسية لا يصب في مصلحة مصر.

وقد عبر يوسف في مداخلة تليفونية مع برنامج القاهرة اليوم عن أهمية المحافظة على تحالف ٣٠ يونيو، فالبلاد تحارب الإرهاب وفي حاجة إلى الاتحاد من أجل بناءها. كما قال إنه يعتقد أن القوى الثورية في حاجة إلى المزيد من الوقت خلال الأربعة أعوام القادمة من أجل بناء قاعدة جماهيرية على الأرض، وأن المنافسة على الرئاسة يمكن أن تحدث بعد هذه المدة.

وأكد يوسف خلال تعبيره عن رفضه لترشح صباحي -في نفس المداخلة التليفزيونية- أن الأخير لم يحسم قراره بعد.

وأضاف يوسف أن صباحي أعلن عن نيته الشخصية في الترشح لانتخابات الرئاسة بعد الضغط الكبير من الشباب، لكنه أكد أن مجلس أمناء التيار الشعبي هو الجهة الوحيدة التي يمكنها أن تقرر ترشحه من عدمه. وفي غضون ذلك رفض يوسف أن يعلن عن اسم المرشح الذي يفضله حتى إعلان مجلس أمناء التيار الشعبي قراره النهائي.

وهو ما حدث، فقد أعلن مجلس أمناء التيار الشعبي دعمه لترشح صباحي للرئاسة في العاشر من فبراير، بعد أن صوت ٥٤ عضواً لصالح ترشح صباحي في مقابل ثلاثة أصوات رافضة وصوتين طلبا تأجيل التصويت.

إلا أن يوسف قد عبر في أكثر من مناسبة عن دعمه للسيسي.

وقد انعكست هذه الحالة من الجدل وعدم التوافق على حملة تمرد التي جمعت من قبل ملايين التوقيعات لسحب الثقة من محمد مرسي، فقد علقت الحركة عضوية عدد من مؤسسيها بعد إعلانهم دعم ترشح صباحي.

ولذا فإن ترشح صباحي ربما لا يمثل تهديداً لتحالف ٣٠ يونيو فحسب، بل وأيضاً تهديداً لتماسك بعض الحركات المدنية الأخرى.

أكد حسن شاهين أحد مؤسسي حركة تمرد في نفس المؤتمر الصحفي لحمدين إن السيسي لن يحمي مطالب ثورة الخامس والعشرين من يناير مستشهداً في ذلك بعودة رموز نظام مبارك وحملة التشويهات ضد الناشطين.

ولكن مصطفى السويسي، عضو اللجنة المركزية لحركة تمرد، أكد في تصريحات سابقة لـ”مدى مصر” إن شاهين وعبد العزيز تم فصلهم بسبب “خرق قرار الحركة بدعم عبد الفتاح السيسي.”

وتبادلت الجبهتان داخل تمرد الاتهامات، فبينما أعلنت جبهة السويسي ومحمود بدر ومؤسسين آخرين أن شاهين ومحمد عبد العزيز –الذان أعلنا دعمهما لصباحي- قد خرجا عن إجماع الحركة على ترشيح السيسي وأعلنت الجبهة أيضا أن الموقع الالكتروني هو المعبر عن حركة تمرد، بينما يسيطر مؤيدو صباحي على صفحة الفيسبوك الخاصة بالحركة، والتي اعتبرها مؤيدو السيسي داخل تمرد بأنها “مسروقة”.

السيسي Vs صباحي

وعلى الرغم من أن أنصار صباحي يربطون ترشحه بتحقيق مطالب الثورة وأنه بديل عن الحكم العسكري، فإن دعم صباحي للجيش خلال الفترة الماضية سيحد من رواج هذا الادعاء.

وفي ظل آراءه الناصرية فيما يتعلق بدور الجيش في السياسة وتأييده للامتيازات الممنوحة للجيش في الدستور الذي تم تمريره الشهر الماضي، فقد لا يمثل صباحي اختياراً “مدنياً” موثوقاً بالنسبة لهؤلاء الذين ينتقدون مواقف المؤسسة العسكرية منذ بداية ثورة الخامس والعشرين من يناير.

ولهذا فإن الناشط ياسر العطار، أحد الأعضاء السابقين بحملة محمد البرادعي، لا يعتقد أن الناس ينبغي عليهم أن “يعصروا على أنفسهم الليمون مرتين.”

ويشير العطار تحديداً إلى الموقف المشابه خلال انتخابات ٢٠١٢ عندما اضطر الكثير من أن يدعموا محمد مرسي ضد أحمد شفيق، أحد رموز نظام مبارك رغما عنهم.

وأضاف العطار “لا يجب أن نضطر مرة أخرى لدعم المرشح الذي لا نفضله لمجرد أن الاختيار الآخر سيء للغاية، يجب علينا أن نصنع اختيارنا.”

فمسألة حكم العسكر بالنسبة للعطار تتعدى واقع أن يصبح لدينا رئيس للجمهورية من داخل المؤسسة العسكرية.

ويوضح المسألة قائلا “حتى وإن فاز صباحي في الانتخابات على السيسي، سيظل لدينا مجلس عسكري قوي يتمتع بسلطات استثنائية مقارنة بمؤسسات الدولة المدنية، وعندما أتطرق لهذ الأمر على وجه التهديد فأنا لا زلت لا أرى اختلافاً بين السيسي وصباحي، فكليهما يتبنى نفس الأفكار الناصرية.”

أما نوار فيعتقد أن ترشح صباحي قد يكون مختلفاً بالنسبة للشأن الاقتصادي. وبينما يلتف حول السيسي صفوة مبارك أصحاب التوجهات النيوليبرلية، فإن صباحي يعتزم أن يتبنى سياسات اقتصادية ذات توجه اجتماعي.

فيوضح قائلاً “على مدار ثلاثة أعوام لم تستطع الثورة أن تضع برنامجاً سليماً للاحتياجات الاقتصادية والسياسية للبلاد، فمن الواضح أن السيسي سيلجأ إلى الإجراءات التقشفية، لذا فنحن في حاجة إلى منصة تدعم الرفاه الاقتصادي وسياسات أفضل للإنفاق، وأن تشجع تلك المنصة دور أقوى للدولة في الجانب الاقتصادي في مواجهة الأجندات النيوليبرالية، وترشح صباحي يحقق هذا الأمر.”

بالنسبة للعطار، المقاطعة النهائية للسباق الرئاسي ستكون اختياره في الوقت الراهن، فهو يعتبر أن الانتخابات الرئاسية القادمة “مسرحية ديمقراطية”، كما أنه لا يرى أي ضمانات لنزاهة وحرية الانتخابات.

ويقول العطار “صباحي يحلم بعودة أيام جمال عبد الناصر، والإخوان المسلمين يحلمون بعودة عصر حسن البنا، وأحمد شفيق يحلم بعودة أيام مبارك. فكلهم يحلمون بالماضي، بينما قليلون هم من يحلمون بالمستقبل.”

اعلان
 
 
مي شمس الدين