نظام جديد.. شبه جديد
 
 

مدى مصر تجري لقاءً مع جوش ستاتشر، أستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة ولاية كينت الأمريكية، يتحدث فيه عن الخطوات السياسية التي يتوجب على المشير عبد الفتاح السيسي اتخاذها من أجل التحضير لحملته للانتخابات الرئاسية.

مدى مصر: كتبت من قبل حول كيفية استخدام الجيش للإخوان المسلمين باعتبارهم فصيل اجتماعي داعم للنظام. والآن بعد أن أصبح الإخوان العدو الأول للدولة، وبعد أن اقتطعت الأحزاب العلمانية الداعمة لخارطة الطريق جزءاً من المشهد لنفسها، ومع غياب الحزب الوطني الديمقراطي للرئيس محمد حسني مبارك في النمط الذي كان عليه من قبل، ما هي نوعية الاختيارات التي يتوجب على السيسي أن يمتلكها من أجل خلق ماكينة سياسية جديدة؟

جوش ستاتشر: أعتقد أن السيسي أمامه اختيارات محدودة للغاية، كما أنه يبدو لي كشخصية الساحر أوز. فهناك كمية ضخمة من الأمور تحتاج أن تبنى في الوقت الراهن بينما يراه الناس الرمز الذي يستطيع إنجاز كل شيء. لكن كل ما أستطيع قوله أن الخطة الوحيدة التي يجب أن يصرف الناس إليها هي حملة مكافحة الإرهاب، والتي ستمكنه من استخدام العنف ضد معارضيه.

فأنا لا أعتقد أن هناك تغيراً حدث في النظام خلال الفترة بين ٢٠١١ و٢٠١٣، لكن يمكنني القول بكل تأكيد أننا نشهد الآن ولادة نظام جديد، فلم يعد هناك حزب وطني ديمقراطي كحل جاهز يمكن اللجوء إليه، ولم يعد هناك تلك الشبكة المتنوعة من رجال الأعمال الرأسماليين أصدقاء مبارك، ولكن إن نظرت ستجد أن الجيش لديه أصدقاء من رجال الأعمال أيضاً، لكنهم في حاجة أن يتوسعوا، لذا فسيكونوا في حاجة إلى حزب حاكم، وسيتوجب عليهم أن يبنوا هذا النظام، وهي تبدو عملية غامضة للغاية.

مدى مصر: يبدو أن الجدال السائد حالياً يدور حول أن الرئاسة الجديدة ستلجأ إلى شبكة الحزب الوطني وإلى الوجوه القديمة، إلا أن هناك توتراً بين جناح جمال مبارك بالحزب الوطني من جانب والجناح الأمني للحزب من الجانب الأخرى. فهل من الممكن أن يعودا معاً؟ أو هل ستقبل الشخصيات التي في السلطة الآن بهذا الطرح؟

جوش ستاتشر: أعتقد أننا نشهد في مصر عملية تحول مستمر سينتج حتماً تغييراً مستمراً، فما سيقومون به هو انتشال المؤسسات والأحزاب الموجودة والأشخاص الذين لديهم رغبة في المشاركة وإعادة تنظيم وترتيب أنفسهم، ليكونوا بذلك نظاماً جديداً. وسيصبح تغييراً كبيراً، لكنه تغيير متنكر بالعديد من الحقائق التي قد تجعلنا نرى محمد كمال (المتحدث السابق للحزب الوطني) وحسام بدراوي (الرئيس الأخير للحزب الوطني) في المشهد العام، وقد نرى أيضاً تلك النخبة المحلية البارزة يترشحون للانتخابات في الأقاليم.

والكل وقتها سيردد أنهم الحزب الوطني الديمقراطي القديم وأنها لا تختلف عن أيام مبارك، بينما سيكون هناك عنف أكثر وتضييق أكثر على الحريات، وباستخدام بعض من الوجوه القديمة.

وهذا الشكل مختلف كثيراً عن نظام مبارك الذي كان أقوى بكثير، فالنظام الحالي، أو الذي يتشكل، هو نظام غير مؤمَّن على الإطلاق، ولذلك فسيتوجب عليه إخماد المعارضة —الكبار والصغار— باستخدام العنف، وأعتقد أن العنف الذي نشهده الآن ضد المحتجين والمعارضة بوجه عام هي سياسة متعمدة من الدولة من أجل بناء هذا النظام الجديد.

مدى مصر: ازدادت وتيرة العنف منذ الثلاثين من يونيه، لكن الامتداد المشهود لهذا العنف هو الحماسة الشديدة لدى القضاء والنيابة في توجيه التهم إلى النشطاء وغيرهم من المعارضة، فإلى أي حد ستتقابل مصالح تلك المؤسسات مع مصالح الجيش؟ وكما سبق وأخبرت أنها سياسية متعمدة من قبل الدولة فهل يمكنك أن تخبرنا المزيد عن علاقة هذه السياسةبالشرطة؟

جوش ستاتشر: المؤسسات الأخرى تنظر إلى ما يجري حولها، فهي لا تتلقى التعليمات من الجيش مباشرة، بل يراقبون اتجاه الرياح ويحاولون أن يسيروا في نفس الاتجاه. ولا يختلف الأمر تماماً عما كان يحدث مع نظام مبارك، أليس كذلك؟ فمبارك لم يكن يملي عليهم الأوامر قائلاً: هذا ما ستحكمون به.

المسألة تكمن في الاضطرابات التي شهدتها السنوات الثلاثة الماضية، فالكثير من الناس يربطون أسباب العيش ووظائفهم باستقرار مصر، فلذلك ترى لدى جميعهم رغبة في دعم النظام من خلال إبصار الوجهة التي يسلكها الجيش ومن ثم يصطفون خلفها، فما تفعله في الحقيقة هو إعادة تنظيم علاقات السلطة وخطوط التسلسل الهرمي لها.

مدى مصر: لنتحدث عن إعادة التنظيم فيما يتعلق بالجيش، فعندما عين مرسي السيسي في أول الأمر وزيراً للدفاع كان هناك عدداً قليلاً من الجنرالات الذين أقالهم مرسي وبعدها بأسبوعين كان السيسي هو من يعيد تنظيم الجيش، فقد أقال نيفاً وسبعين من الجنرالات. فلنفترض أن هؤلاء الجنرالات تم عزلهم بسبب رتبتهم أو بسبب علاقاتهم مع الآخرين داخل الجيش، فهل تعتقد أننا سنرى إعادة تنظيم أخرى داخل المؤسسة العسكرية بمجرد أن يصبح السيسي رئيساً للبلاد؟

جوش ستاتشر: لم أصدق لوهلة أن مرسي هو من تخلص من (القائد الأعلى السابق للقوات للمسلحة محمد حسين) طنطاوي وعين السيسي، بل كان لدي انطباع أن المؤسسة العسكرية هي التي ذهبت إلى مرسي في الأساس وقالت له: حسنا، أتعرف نحن نريد إعادة ترتيب الأمور هكذا. فقد كانت هناك مناقشات بين قادة المؤسسة العسكرية حول إمكانية أن يتولى الجيش أمور البلاد. إلا أن الجانب الذي كان يفضل أن ينتظر ليرى ما ستؤول إليه الأمور هو الجانب الذي -إلى حد ما- قطف الثمار في نهاية المطاف، وهكذا تمت إعادة التنظيم.

مدى مصر: لقد رميت في بعض كتاباتك إلى أن بعض ضباط الجيش أرادوا أن ينتظروا ليروا ما ستؤول إليه الأمور، وهذا وقع عندما تواصلوا مع الإخوان، فما هي المؤشرات الأخرى التي تجعلك تعتقد بذلك؟

جوش ستاتشر: لم أعتقد أبداً أن مرسي يسيطر على زمام الأمور، فالإخوان المسلمين قفزوا على عربة الدولة القديمة والجيش في السادس من فبراير ٢٠١١، فواقع الأمر هو أنهم ظهروا وتم جلبهم إلى المشهد باعتبارهم شريك صغير. ومع احتراق الحزب الوطني وتسوية مقراته بالأرض، لم يعد له وجود من الأساس، وكان الإخوان في هذا الوقت هم المجموعة الوحيدة التي ليس لديها شخصية ثورية، وتمتلك تنظيماً هرمياً يمكّنها من أن تبعث برسائل وسط الصراع الطائفي لتقول “اهدأوا، لقد تداركنا الموقف”.

ودائماً ما كانت هناك علامات تفيد بأن الجيش هو الذي كان يقود العملية على الدوام، فأنا أرى أن مرسي قد أُحبط عندما وصل إلى السلطة، وعليه فقد اتخذ قراراً لا يعبر سوى عن اليأس عندما أصدر ذلك الإعلان الدستوري الكارثي في ٢٢ نوفمبر ٢٠١٢، وكل هذه الإشارات تفيد بأن مرسي لم يكن هو المسيطر على الآليات (الخاصة بالسلطة). لذلك حظي الجيش على تأييد الناس لأنهم كانوا يبحثون عن من يأتي ليعيد الأمور إلى نصابها.

مدى مصر: لقد قلت إن الإخوان ليس لديهم شخصية ثورية، وهناك الكثير من الجدل عن أن حزب النور (السلفي) تم جلبه وإشراكه في المرحلة الانتقالية ليس فقط بسبب مرجعيته الإسلامية، بل وأيضا لتنظيمه على الأرض. المسألة هنا أن حزب النور ليس ثورياً لكنه تنظيم مناهض للنظام، ولو بدرجة أقل من غيرهم، فما هو إذاً الدور الذي تعتقد أن النور سيلعبه فيما سميته أنت تحول النظام؟

جوش ستاتشر: حسناً، الإخوان المسلمين لم يكونوا أبداً رافضين للنظام في معارضتهم، فقد ارتضوا بقواعد مبارك ولم يخرجوا أبداً عن حدود تلك القواعد. وكانوا معتادين على القمع باعتباره أسلوب حياة. أما معارضة (حركة شباب) السادس من أبريل وكفاية وأي من الحركات السالفة كانوا يعتمدون على “إرحل، لا نريد نظامك”، ولهذا لم يستطيعوا أبداً أن يحصلوا على أي تأشيرة للدخول في نظام مبارك.

لذا فإن كان للسلفيين دوراً يلعبوه، فلا أعتقد أنه سيتعدى دور الفزاعة، ولا أعرف كيف سيكون دور السلفيين في نظام ما إن كان هذا النظام يشبه -لا أحبذ أن أطلق عليه هذا- نظام مبارك. ما أخشاه أن الجميع سيطلقون تعبير “دولة مبارك”على ما يقوم به السيسي.

وأظن أن نوع المعارضة التي ستقبل قواعد نظام الدولة العسكرية الجديدة، وتلتزم بالقواعد غير الرسمية بكيفية معارضة ممثلي الدولة، ستسمح بها الدولة. أما إن قرروا أن يصبحوا رافضين تماماً للنظام من أجل مكاسب أخرى أو إن انتقدوا السيسي نفسه أو مثل تلك الاشياء، فسيعانون نفس المصير الذي يعانيه متظاهري الإخوان المسلمين.

مدى مصر: عندما تتحدث عن هذه القواعد الجديدة وما سيصاحبها من عنف، هل تقصد أن استخدام العنف سيكون لفترة مؤقتة فقط حتى يتم ترسيخ هذه القواعد أم أن هذا العنف سيمسي هو نفسه القواعد الجديدة؟

جوش ستاتشر: في الحقيقة، السبب الذي قد يجعل لديك نظام استبدادي لا يحبه أحد، وهو نظام ليس بهذا القدر الحالي من العنف لكنه قمعي، هو أن القواعد قد وضعت إلى حد كبير. فالجميع يعرف كيف يتواصل مع الدولة وكيف يصل إليها، ونظام السيسي الموشك على التشكل يخشى أي نوع من أنواع المعارضة لأنه لا يمتلك تلك القاعدة الجماهيرية العريضة في مختلف الدوائر الانتخابية، فهو شعبي ومحبوب لكن تلك الميزة لا تمثل رأسمالاً سياسياً منظماً. الشعبية  تعتبر طريقة لكسب المزيد من الوقت من أجل بناء هذا النظام، وسنشهد المزيد من العنف خلال تشكل هذا النظام، فالأشخاص الذين يحكمون الآن هم أكثر هشاشة وأضعف بكثير من نظام مبارك.

وإن كنت تعتقد أن الدولة المصرية مثل بَصَلة،  فكل ما شاهدناه خلال السنوات الثلاثة الماضية هو طبقات تم تقشيرها من البصلة، وإننا في طريقنا الآن إلى لب الثمرة كي نصل إلى الجوهر الرئيسي الذي يدفع النظام.

اعلان