البحث عن تعليم بديل

نُشر في العام ١٩١٤ كتيب في “مدرسة المعلمين العليا”— واحدة من أهم مؤسستين لتدريب المدرسين في هذا الوقت— لإرشاد الطلاب المسجلين بالمدرسة إلى الطرق التي بستطيعون بها أن يصبحوا مدرسين جيدين، وقد حمل هذا الكتيب اسم “أصول التربية وفن التدريس”، و كتبه المدرس والمترجم والكاتب أمين مرسي قنديل.

الشيء المثير عن هذا الكتيب الذي درست طبعته الصادرة عام ١٩٢٨، هو مدى “تقدمية” محتواه. يمتدح الكتيب أسلوب طرح التساؤلات داخل غرفة التدريس، كما يشجع المدرسين على إعطاء الفرصة للطلبة كي يجيبوا عن التساؤلات التي يطرحها زملاؤهم بطريقة تعاونية، ويحث الكتيب المدرسين ألا يعتبروا الإجابة “جيدة” إلا عندما يبدي الطلبة مستوى كافياً من التفكير. ويثني كتيب “أصول التربية” على استخدام أسلوب سرد الحكايات، واستخدام المواد التعليمية المصورة والمرئية داخل غرفة التدريس، بالإضافة إلى دفاعه عن فكرة استخدام الفيلم وشاشات العرض لطرح المسائل التعليمية الأكثر تعقيداً. ويرى الكتيب أن النص الوحيد الذي يستحق الكتابة على السبورة هو النص الذي يعتمد على مدخلات الطلاب. كذلك ينتقد قنديل أساليب التعليم التقليدية القائمة على الحفظ والتكرار، وفي النهاية يحث الكاتب على تشجيع التفكير النقدي والتصور، وينحصر دور المدرس بالنسبة له في كونه مُيسِّراً للأمور التعليمية، فهو يساعد الطلاب كي يطلقوا العنان لإبداعهم وتطورهم.

بعد مرور عقدين من الزمان على أول إصدار للكتيب التقدمي الذي كتبه قنديل، فقد واجهت أساليب التعليم الذي تديره الدولة  آنذاك نقدا شديداً. وجه المؤرخ عبد الحميد البطريق في عام ١٩٣٧ نقداً شديداً إلى الحالة التي صار عليها نظام التعليم المصري، حيث قال “المدرس هنا يفعل كل شيء، فهو يقوم بتحضير الدروس ويمليها على الطلاب الذين يمكثون في مقاعدهم لا يفعلون شيئاً سوى أنهم يمثلون متلقياً للمعلومات لا يتكلف إلا القليل من الجهد لتحصيل ومعالجة المعلومات التي يستقبلها. وعلى عكس ذلك، فالطلاب في مدارس العالم الحديث يتم تدريبهم منذ الصغر على التفكير بأنفسهم وعلى تحمل مسئولية تحصيلهم العلمي.”

يبدو أن الرؤية التقدمية التي صاغها قنديل في الكتيب خاصته عام ١٩١٤ قد أثرت على النقد الذي وجهه البطريق لنظام التعليم الموجود في الثلاثينيات، وأكدت تلك الانتقادات أن ذلك النظام ظل بعيداً كل البعد عن الأصول الطليعية التي يحتويها كتيب “أصول التربية”.

يمكننا القول بكل أريحية إن الإصلاحيين في مجال التعليم اليوم  يشتكون من نفس الأمور التي انتقدها البطريق في العقد الثاني من القرن العشرين. فقد أرسلت العديد من المنظمات الدولية، مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي، العديد من التقارير إلى مصر عن التعسرات الشديدة التي تواجه نظام التعليم المصري، كما انتقدت قمع تلك النظم للتفكير النقدي وعدم قدرتها على إعداد الطلاب بما يتناسب مع سوق العمل.

وتقريباً لن يخبرك أي من الإصلاحيين في مجال التعليم أنه يرجح أسلوب الحفظ والتكرار في التعليم، أو أنهم يرون أن الطلاب يجب أن يرغموا على التعليم، فمثل هذه المواقف أصبحت عتيقة. فالعديد من برامج المساعدات التي تستهدف نظام التعليم في مصر ووزارة التربية والتعليم شددت على أهمية التقدمية بطرق كثيرة، حتى أن مسئولي الوزارة أنفسهم أعلنوا أنهم يرجحون تلك الإصلاحات التقدمية، بغض النظر عن تطبيقها في الواقع.

أصبحت الدروس الخصوصية في أرض الواقع بديلاً عن الحضور المدرسي، إلا أن الأخير لا يزال إلزامياً على الطلاب. فعادة يخضع الطلاب لسوء المعاملة والاعتداء والسب من قبل المدرسين. فالطلبة وعائلاتهم يتذمرون من الكثير من الأمور التي اعتبروا أن بعضها مثل الأساليب الرتيبة في التعليم، والمبالغة في التركيز على أهمية الامتحانات، وكذلك أساليب التصحيح غير العادلة، بالإضافة إلى غياب أي رؤية مستقبلية هو غيض من فيض المشاكل التي يواجهونها. والأمر لا يقتصر فقط على تدهور جودة التعليم، لكنه يمتد إلى المدارس التي لم تعد قادرة على توفير مناخ آمن وممتع للطلبة. وباختصار،فإن نظام التعليم في مصر يقبع في القاع.

ومع تلك الحالة الرديئة التي صار عليها نظام التعليم الرسمي القائم منذعقود، لاعجب أن يبحث الآباء والطلبة والمدرسين والجميع عن بدائل. وقد ساعد تغير الرؤى المجتمعية الذي نشهده اليوم على خلق بدائل تعليمية تؤدي بدورها إلى حلول فورية لوضعنا الذي أقل ما يوصف به أنه بائس.

ويعد التعليم المنزلي أحد هذه الحلول، ورغم ذلك فلا يوجد إطاراً قانونياً رسمياً يمكن أن يساعد بدوره الآباء الراغبين لأبنائهم في أن يتبعوا هذا النوع من التعليم. وقد قرر القليل من الآباء الذين قابلتهم شخصياً أن يغامروا ويتبعوا ذلك النوع من التعليم بعد أن سئموا مما سببه نظام التعليم المصري لأبنائهم، فقرروا أن يخرجوهم من المدارس ويقوموا على تعليمهم بأنفسهم. رووا لي ان أطفالهم صاروا أكثر سعادة وسريعاً ما أحرزوا تقدماً أكاديمياً ملحوظاً بالمقارنة لما كانوا عليه في المدارس الرسمية.

ويعتبر التعليم المنزلي فكرة رائعة للآباء الذين يمتلكون الوقت لمثل هذه المهمة، أما هؤلاء الذين يعملون وظيفة أو وظيفتين في اليوم للحاجة المادية لذلك،  فمن الصعب أن يضحوا بعملهم، خاصة مع غياب مجموعة أو منظمة تدعم التعليم المنزلي. والتعليم المنزلي لا تتيحه جميع الدول، فألمانيا على سبيل المثال تجبر الأطفال على الحضور المدرسي بالقانون والتعليم المنزلي غير معترف به خياراً قانونياً. وذلك نحتاج أن ندير نقاشاً حقيقياً في مصر عن التعليم المنزلي وفوائده الممكنة، ونطاقه وكيفية وضع إطار عام له، بالإضافة إلى مخاطره المحتملة.

ومن جهة أخرى يعد التعليم من خلال شبكة الإنترنت أحد البدائل للتعليم الرسمي، فمع بدء العديد من البرامج التعليمية المحلية والدولية على شبكة الإنترنت، أصبح الأطفال والطلاب قادرين على التوجه إلى الشبكة للتعليم، والمواد التعليمية الموجودة على شبكة الإنترنت يمكن أن تُستخدم كمكمل للمناهج الرسمية أو أن تُستخدم بديلاً كلياً عنها. وقد شهدت السنوات القليلة الماضية ميلاد الكثير من المنابر لمثل هذا النوع من التعليم كموقع Nafham.com و Tahrir Academy الذي يشبه موقع ويكيبديا، فهو يشجع أي شخص يرغب في نشر أي نوع من أنواع المعرفة في صورة فيديو باللغة العربية ان يرفعها على الموقع، والناتج مبهراً: مخزون كامل من الفيديوهات لجميع المواد الدراسية والمهارات والنظريات التي تستهدف الطلاب على وجه التحديد.

أما الطلبة الذين على وشك أن ينهوا تعليمهم الثانوي أوالمقدمين على الالتحاق بالجامعة، فيمكنهم أيضا أن ينضموا لبرنامج دراسي لمدة عام في معهد القاهرة للفنون والعلوم الليبرالية  والذي استوحى تعاليمه من نظم التعليم الليبرالية وبرنامج السنتين التحضيري للجامعات الفرنسية الكبرى (prépas). ويعتمد المعهد على مجموعة من المناهج التربوية غير السائدة، ويعتبر هذا البديل مفيداً لمن يشعرون أنهم غير راضون عن التعليم الذي حصلوا عليه في المدارس الرسمية.

والآباء الذين لا يميلون إلى إخراج أبنائهم من المدارس يمكنهم أن يشتركوا لأبنائهم في إحدى الأنشطة التي تتم بعد انتهاء اليوم الدراسي وتستخدم أساليب تعليمية بديلة مثل التعليم التجريبي، مثال على ذلك جمعية ألوان وأوتار— وهي منظمة غير هادفة للربح ومقرها في المقطم—  التي تستخدم الفن والموسيقى لمساعدة أطفال المناطق المهمشة لكي يعبروا عن أنفسهم بحرية. وقد أرسل بعض الآباء أطفالهم إلى المنظمة بغرض إبعادهم عن الشارع تحديداً.

وأحد الاختيارات البديلة الذي يمكنك أن تتخذه لأطفالك هوالحاقهم بالمدارس التي تستخدم مناهج التعليم المتمحورة حول الطفل مثل منهج مونتسيوري. ولسوء الحظ لا يوجد في مصر الكثير من المدارس التي تتبع هذا المنهج (بدأت بعض الحضانات التي تتبنى منهج مونتيسوري في أن تضيف إلى برامجها مراحل التعليم الابتدائية، لكنها غير منتشرة وتكاليفها باهظة في أغلب الأحوال). و بالرغم من ان مصر الآن في امس الحاجة إلى انتشار المدارس البديلة ذات الأسعار المعقولة، والمدارس المستقلة (free schools) وكذلك المدارس الديمقراطية، فتلك القضية ما زالت بعيدة عن الطرح العام.

يكمن التحدي الذي يواجه مثل هذه المبادرات البديلة في القانون الذي يعيقها والدولة التي تقاوم التغيير. ولآن التعليم في مصر عملية شديدة المركزية، ولآن البيروقراطية المصرية ما زالت خانقة، فمثل هذه المبادرات عادة ما تواجه مشكلات تهدد وجودها.

فالمدارس الحكومية يصعب اختراقها لنشر أو التوعية بنظام تعليمي بديل للطلاب أو الآباء. كما تواجه سبل التعليم البديل صعوبة في الانتشار، فالتعليم المنزلي غير مرحب به لأن التعليم الرسمي مركزي للغاية، مما يجعل من الخيارات المتاحة للطالب الحاصل على التعليم المنزلي غير واضحةً. أما المنظمات المسجلة التي لا تهدف للربح فإنها تواجه مجموعة من المشكلات مع وزارة التضامن الاجتماعي، خاصة عندما يتعلق الأمر بمسألة التمويل والذي قد يؤثر بدوره على جودة واستدامة مشروعاتهم التعليمية. وأخيراً وليس آخراً، القليل من الآباء يثقون في شبكة الإنترنت لمستقبل أطفالهم.

وهنا يجدر بنا أن نسأل أنفسنا هذا السؤال: لماذا يتوجب علينا أن نتحدث عن هذا العالم من البدائل التعليمية الموازية، بينما كل ما نحتاجه هو أن نطبق المبادئ الرائعة التي وضحها كتيب “أصول التربية وفن التدريس” لأمين مرسي قنديل منذ حوالي ١٠٠ عام؟

هناك على الأقل ثلاثة أسباب تدفعنا أن نبدأ حديثاً ذا مغزى وعلى مستوى الأمة عن البديل التعليمي وأولها عامل الوقت، فهل نريد أن ننتظر عشرة أعوام أخرى حتى نتمنى أن ينصلح نظام التعليم، وإن حدث ذلك، فما الذي يتوجب علينا أن نفعله مع أطفالنا الذين يتعلمون في المدارس الآن؟ هل نتركهم لمصيرهم المرعب؟

السبب الثاني قد يفاجئ البعض، وهو أن التعليم التقدمي، مثل كل البدائل الأخرى التي طرحت من قبل، يوجه إليه مجموعة من الانتقادات. فقد انتقد كيران إيجان، الذي كتب بغزارة عن التعليم التقدمي، الغياب الكامل لأسلوب الحفظ والتكرار في التعليم في المدارس الأمريكية. وفي كتابه “وقوع الخطأ من البداية” (٢٠٠٢) يفترض أن “المعرفة لا توجد في الكتب أو ملفات الكمبيوتر، وأن هذه الأشياء لا تحوي سوى رموزاً تحتاج إلى عقل حي ليعيدها إلى الحياة في صورة معرفة. فالمعرفة لا توجد إلا في صورة وظيفة تؤديها الأنسجة الحية. ومعرفة أين تجد المعرفة أو الشعر أو الخطابات لا يساوي شيئاً بالمقارنة بالمعرفة حين تكون جزءاً من الأنسجة الحية للإنسان، فحين تغدو المعلومات مخزونة في انسجتنا الحية فهي تؤثر على تفكيرنا و مشاعرنا، ووظيفة التعليم على وجه التحديد تكمن في العمل على تطوير التفكير و المشاعر.”

ويوضح لنا إيجان وجوب توخي الحرص من ما نراه نماذجاً “مثالية” للتعليم. ولهذا السبب تحديداً، يبدو أنه من الضروري أن تخاطب مثل هذه الأطروحات مختلف الأساليب التربوية التي تدور في هذا الفلك، وكذلك أن يتم مناقشة الانتقادات التي توجه إليها لكي تساعدنا على تقييمها جميعاً بشكل كاف قبل أن ننتهجها كسياسة للدولة.

وأخيراً، يجدر بنا أن نقوم بتجربة نماذج مختلفة للتعلم والتعليم من أجل الوصول إلى أفضل الممارسات التي يمكنها أن تستخدم فيما بعد من قبل النظام التعليمي الرسمي. فما دامت تلك الممارسات لم تدخل حتى حيز المناقشة بعد، فسنبقى تحت رحمة  هؤلاء الذين عانينا من سياساتهم لفترات طويلة.

فلنبدأ إذاً نقاشاً ذا مغزى يشمل الدولة بأكملها عن التعليم البديل، ولنتحدث عن جميع أنواع التعليم، ولننتقد ونفهم ونقوم بالتجربة ونتعلم من أخطاءنا. لأننا في هذا الوضع، ليس لدينا ما نبكي عليه.

اعتمدت فريدة مقار في رسالة الماجستير على دراسة  كتيب “أصول التربية وفن التدريس”.

اعلان
 
 
فريدة مقار