خمس ساعات ثائر
 
 

في الثامن والعشرين من يناير ٢٠١١ كان محمد سليمان يقف بين المحتجين وقوات الشرطة في ميدان رمسيس، صائحاً في كلا الجانبين بكلمة واحدة: “سلمية”.

يتذكر سليمان أن ما حدث بعد ذلك كان صراخاً ممن حوله أن أحد المحتجين قد أصيب، ما جعله ينظر في كل الاتجاهات ليحدد مكان هذا الشخص المصاب، لكنه لم يجده. أحس ببعض المتظاهرين يحملون جسده ويأخذونه بعيدا عن المكان.

يسترجع سليمان بذاكرته “وقتها كنت أود أن أسألهم لماذا يحملونني، كنت أود أن أحثهم ليذهبوا ويجدوا ذلك الشخص المصاب ويساعدوه لكنني لم أستطع الحديث.”

لم يدرك من كان الشخص المصاب حتى أحس بدمائه تسيل على رقبته.

التشخيص: رصاصة في جانبه الأيسر وأكثر من ١٥٠ من كرات البلي في رأسه تسببت في نزيف بالمخ، وتلف في العصب البصري، ونزيف في الغشاء البريتوني — تجمع دموي في تجويف البطن.

مع الذكرى الثالثة للأيام الأولى من ثورة يناير، يسترجع سليمان ما حدث في “جمعة الغضب” بعد أن عاد من جلسة العلاج الطبيعي، فقد أصبح اليوم قاب قوسين أو أدنى من التعافي من إصابته بشكل كامل، إلا أنه قد فقد بصره.

في بداية الأمر لم يكن لدى الطالب صاحب الـ ٢٢ عاماً نية المشاركة في الاحتجاجات الواسعة التي شهدها الخامس والعشرين من يناير ٢٠١١ ضد وحشية الشرطة، لأنه رأى أن الأمر قد يسبب المزيد من الدماء.

ويقول إن الإعلام الحكومي يومها كان ينقل مجموعة من الناس يعطون أفراد الشرطة زهوراً. ويضيف “اعتقدت أن تغييرالمصريين قضية خاسرة.”

لكنه عندما شاهد الأحداث على حقيقتها على القنوات الأخرى مثل قناة الجزيرة، بالإضافة إلى متابعاته على “فيس بوك”، أدرك سليمان وجود رواية مختلفة. “قرأت أن أحدهم وقف أمام مدرعة شرطة… كنت معجباً للغاية بشجاعته وحماسته.”

في صباح الثامن والعشرين من يناير أخبر سليمان والدته أنه سيشارك في الاحتجاجات، وغادر منزله لأداء صلاة الجمعة قبل أن يشارك المسيرة التي انطلقت من مدينة نصر واتجهت إلى ميدان رمسيس حيث بدأت المواجهات العنيفة بين المحتجين وقوات الشرطة.

وأضاف سليمان مازحاً أنه لم يشارك في أحداث الثمانية عشر يوماً للثورة “لأن ثورته استمرت لخمس ساعات فقط.”

خرج مئات الآلاف من المحتجين في “جمعة الغضب”، وهو اليوم الأكثر عنفاً في أيام الثورة المصرية التي استمرت ثمانية عشر يوماً وانتهت بالإطاحة بالرئيس الأسبق محمد حسني مبارك. انسحبت بنهاية اليوم قوات الشرطة المصرية من الشوارع بصورة تامة وانتشرت قوات الجيش.

وفي العاشرة مساء جمعة الغضب استقبلت رضا حسنين، والدة محمد سليمان، اتصالاً هاتفياً من المستشفى يحيطها علماً أن ولدها في وحدة العناية المركزة.

وتقول حسنين “إن حالته كانت سيئة للغاية إلى حد أن الناس من حولي كانوا يخبرونني أنه الآن “بين يدي الله” بدلاً من أن يدعوا الله له بالشفاء.”

وتؤكد حسنين أن ولدها استمر في غيبوبة لأسبوع كامل، وعندما استفاق كان لديه صعوبة في التعرف على أسرته وأصدقائه أو تذكرهم. وتتذكر حسنين أن أول سؤال نطق به ولدها بعد أن استفاق من الغيبوبة كان “هل رحل حسني؟”

ولم يسترجع سليمان ذاكرته بالكامل إلا مع نهاية شهر فبراير ٢٠١١.

وتقول والدة سليمان إن ولدها كان من المفترض أن يتلقى علاجه على نفقة الدولة، وإنهم كانوا يناشدون مستشفى القوات المسلحة بالمعادي لكي يستقبلوه، وأن إدارة المستشفى جعلته يغادر بعد أيام من السماح له بالدخول بداعي أنه ليس هناك الكثير ليفعلوه مع حالته. تقول حسنين إن أحد الأطباء سألها وكان مستاءً “لماذا نتحملها وهي مسئولية الشرطة؟”

تلقي سليمان علاجه فيما بعد على نفقته الخاصة، قبل أن يسافر إلى النمسا في رحلة علاجية واستشفائية استغرقت عدة أشهر وتحملت نفقتها الحكومة النمساوية.

ويقول سليمان أنه كان قد انفصل تماماً عن الأخبار القادمة من مصر، وتضيف والدته أن حالته النفسية كانت سيئة وكان يرفض أن يري أو يتحدث لأي شخص، كما اعترفت أنها كانت تحاول حمايته من التعرض للأخبار القادمة من مصر والتي كانت تحت حكم المجلس العسكري آنذاك.

وفور عودته إلى مصر، استقبل سليمان خبر مذبحة بور سعيد في فبراير ٢٠١٢ والتي راح ضحيتها أكثر من سبعين من مشجعي النادي الأهلي. يقول سليمان “كان الحادث بمثابة دعوة للاستيقاظ، فقد جعلني أدرك أن من بالمجلس العسكري ليسوا ملائكة كما اعتقدت من قبل.”

ويعتقد الكثيرون أنه مع تدهور المناخ السياسي والأمني بمصر فيما تلا ثورة يناير ٢٠١١، فإن الثورة لم تنتهي وأن مطالبها لم يتم الوفاء بها بعد.

واليوم، ترى والدة سليمان أن ولدها قد دفع ثمناً ولم يحصل على أي شيء في المقابل.

وتقول حسنين “لا يهمني من يتحمل نفقات علاج ولدي، كل ما أكترث له هو حقيقة أن ولدي لم يحصل على مقابل تضحيته، فهو لم يحصل على: العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.”

وأعربت حسنين عن حزنها أنه حتى اليوم لم يحاكم أحد على الجرائم التي ارتكبها خلال الثورة، وأن ولدها دفع ثمناً من أجل الحرية لكنه لم يحصل عليها بعد.

على الرغم من ذلك يبدو سليمان أكثر تفاؤلاً. فبينما يتفق مع الاعتقاد القائل بأن القمع مازال منتشر وأن الشرطة أسوأ من أي وقت مضى، لكنه يؤمن أن ثورة الخامس والعشرين من يناير نجحت في تحقيق هدف عظيم؛ فالثورة اقتلعت الخوف من جذوره.

ويعترف أن ثمة حملة شرسة ضد حرية التعبير، لكنه أكد قائلاً “حتى إن اعتقلوا شخص ما لأنه يواجههم بالحقيقة، فسيأتي عشرة أشخاص آخرون وسيواجهوهم أيضاً بنفس الحقيقة… لن يستطيعوا إيقافنا.”

ويقول سليمان إن بعد ثلاث سنوات لم تستطع الإصابة أن تضعف من عزيمته، وإنه طالما يتوسل والدته كي يشارك في الاحتجاجات لكنها ترفض بشدة.

ويقول “لقد استطعنا أن نسقط رأس النظام لكننا لم نسقط النظام نفسه. لكي تسود العدالة، ينبغى على الشعب أن يقاتل من أجل حقوقه وأن يفي بواجباته.”

ويشبّه سليمان الشباب بأنهم “خدمة توصيل تحاول توصيل الثورة إلى الشعب، فنحن محاطون بمجموعة من اللصوص -بين فاشية دينية وأخرى عسكرية- يحاولون سرقة الثورة.”

وقال سليمان إنه يريد “توصيل الثورة” قائلا “أنا على استعداد أن أضحي بحياتي من أجلك لكي تستطيع أن تعبر عن رأيك، حتى إن اختلفنا.”

ورغم إصابته، لا ينتاب سليمان أي شعور بالندم. ويؤكد “إن كتبت لي ١٠٠٠ حياة، سأفعل ما فعلت في كل مرة.”

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن