‫فلنطلق الرصاص قليلا حتى تتضح الأمور

في ذكرى سقوط السلطة وتحللها، تثور في ذهني تساؤلات عدة عن طبيعة السلطة التي تتأسس الآن. يتعجب البعض من استثمارنا للكثير من الوقت في الجدال حول تعريف الفاشية والشمولية وما اذا كانت تنطبق في هذه الحالة أو تلك. ولا أفهم سر التعجب، ففي هذه اللحظة الخانقة التي يضيق فيها علينا المجال السياسي، لعله من المفيد أن نمارس بعض التمارين العقلية، فنحن نملك الكثير من الوقت بالتأكيد.

مصطلح الفاشية مثله مثل غيره له دلالات لغوية عدة. يبحث عمرو عادلي في مقال  بتاريخ ٢٠ نوفمبر ٢٠١٣ في الفرق بين النظام الحالي قيد التشكل وبين نظام الرئيس المنتخب محمد مرسي من حيث وجود أو غياب ملامح الفاشية – بالمعنى الدقيق وليس المعنى الأوسع للكلمة. يستخدم عمرو تعريف خوان لينز للفاشية، كظاهرة لا يجب أن نخلط بينها وبين أشكال أخرى من السلطويات الأكثر تعددية، كون الفاشية يميزها شمولية تقوم على صياغات دينية وقومية متشددة، نشأت في ظروف تاريخية معينة في فترة ما بين الحربين العالميتين والتمست “أدوات التعبئة والحشد والتنظيم الاشتراكي لضرب الاشتراكية نفسها والقضاء على الحركة العمالية، لذا فليس من قبيل المبالغة القول بأن الفاشية هي ثورة ضد الثورة” أو ثورة محافظة كما يصفها عمرو عادلي.

يتعلق هذا الوصف للفاشية بالأساس بإجهاض تجربة الأحزاب الاشتراكية والنقابات العمالية في إيطاليا ودول أوروبية أخرى في حقبة تاريخية معينة، وإن كان يستحيل إعادة إحياء هذه التجربة بحذافيرها فمن الممكن أن تتصف أنظمة ببعض ملامح الأنظمة الفاشية الكلاسيكية. وقد أثار اهتمامي نقاش دار مؤخرا بين عادلي وباحثا في العلوم السياسية كان يعاود سؤال عادلي من حين لآخر بشيء من السخرية، عن ما إذا كانت الفاشية في الوضع الحالي، التي وصفها عمرو في مقاله على أنها “محتملة” قد تحققت، فيحاول عادلي الاجابة بالتفريق بين توصيفه للفاشية المشروح أعلاه، وبين الحديث عن الأنظمة السلطوية القمعية أو حتى الشمولية التي تعتمد بصورة كلية على البنية التحتية الأمنية للقمع والسيطرة.

لقد أظهر الإخوان المسلمون وتحالفهم الإسلامي عداءً مبكرا لأي أجندة حرياتية أو ثورية أو ديمقراطية معنية بإعادة رسم علاقة الدولة بالمجتمع، واستخدموا الحشد الشعبي بالأساس ليثبتوا للدولة وللمؤسسة العسكرية أنهم يملكون القوة البشرية اللازمة للهيمنة ولفرض أجندتهم وحدهم على طاولة المفاوضات، وكان هذا هو الملمح الفاشي الأول والذي تجلى في مظاهرات ٢٩ يوليو ٢٠١١، ثم في مظاهرات (الشريعة + أشياء أخرى متعددة) في ٢٠١٢، واستخدامهم الحشد لفض اعتصام الاتحادية ولتأييد القرارات ومواجهة الحشود المعارضة للنظام، وصولا إلى الدعوة الأكبر للاحتشاد في ميدان رابعة العدوية يوم ٢٨ يونيو.

ماذا إذاً عن النظام الحالي؟ لا يخفي على أحدا أن النظام الحالي أكثر قمعا -بسنوات ضوئية- من نظام الرئيس السابق محمد مرسي، ولعل أهم نجاحاته قد تمثلت في نفخ الروح في البنية التحتية لأجهزة الأمن التي ظلت على مدار عامين ونصف العام خائفة من المجتمع، وتبدلت موازين القوى بصورة واضحة لصالح الدولة، ونجحت الشرطة لأول مرة منذ يناير ٢٠١١ في أن تحقق الهدف من استخدامها المفرط لأدوات القمع -ألا وهو الردع. لقد كانت الشرطة تقتل بلا هوادة على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، ولكنه قتل لم يحقق هدف القمع. هذا هو الفرق بين اليوم والبارحة، فأنا لم أشعر مرة واحدة منذ يناير ٢٠١١ بأنني “مقموع”، وهو ما أشعر به الآن. هل هذا الوضع قابل للاستمرار وهل يلجأ النظام الحالي لأدوات الفاشية لاستمراره؟

ما أهمية ذلك على كل حال؟ قال لي صديقي الباحث السياسي عمرو عبد الرحمن أن أحد الفروق الجوهرية بين النظام الحالي وحكومة محمد مرسي، هو أن نظام الإخوان لم يقدم على أي محاولة “لإخراج” عموم الشعب من المجال السياسي المصري كما يبدو أن النظام الحالي يحاول أن يفعل، على العكس فقد كان يعمل على أن يظل المجتمع في حالة تعبئة – التعبئة للظهير الشعبي لتيار الاسلام السياسي ليكون في حالة اشتباك دائم مع باقي المجتمع كما شرحنا أعلاه.

فشل الإخوان كان في تقدير قدرتهم على فعل ذلك بنجاح، بالإضافة إلى المبالغة في تقدير حجمهم وقوتهم المادية -يحضرني هنا ذكر المعارك التي كانت تدور في المساجد وقت الاستفتاء على دستور ٢٠١٢، منها على سبيل المثال المواجهات (الأهلية بالأساس) التي دارت في مسجد القائد ابراهيم في جمعتين متتاليتين، وتصدر ثاني تلك المواجهات مجموعات من الشباب المنتمي “لحازمون” -النبتة الأصلية للخومينية في مصر- ولكنها انتهت بالهزيمة المادية -إذا صح القول- للإسلاميين. امتلك التيار الإسلامي ظهيرا شعبيا على قدر لا بأس به من التنظيم وقابل للتعبئة والتحريك -والتفرق- بسهولة، وفي هذا كان الملمح الفاشي الرئيسي لحكومة الرئيس مرسي. أما النظام الحالي فيبدو أنه يقدم على ما لم يقدم عليه أي سياسي بجدية في مصر منذ الثورة: العودة إلى ما قبل ٢٠١١ بمعنى إخراج الشعب من المجال السياسي. نظام سلطوي به الكثير من ملامح المكارثية -ولعل أهم ما يفرق بين المكارثية والفاشية هو أن أدوات السيطرة تتحكم فيها أجهزة الأمن، وعلى المواطن الالتزام بدوره المحدد في الإبلاغ عن جيرانه فقط.

الحرب الهوبزية أو السيرك الشعبي

بالطبع توجد ملامح فاشية وطنية في هذا النظام، ولكنني حتى الآن لا أستطيع استقراء موقفه الحقيقي من الفاشية -هل هي ما يسعى إليه أم أنه يخشاها ويتماهى معها في بعض الأحيان فقط؟ كانت لهذا النظام لحظة واحدة فاشية بامتياز وهى لحظة استدعاء “الشعب” للتفويض يوم ٢٦ يوليو. أما استدعائهم للاستفتاء فهو يختلف، كما أن الاستجابة لم تكن على المستوى المطلوب. هناك مزاج عام فاشي، إذا صح القول، لا تخطئة العين، وإعلام فاشي وقطاعات عريضة من الشعب مستعدة الآن لممارسة العنف بصيغة أقرب للصيغة التي تتطلع إليها “الإسلاميون الثوريون”. لست متأكدا من موقف الدولة -والتي لا تملك مواقف موحدة أساسا- من هذه التطورات. ليلة الرابع عشر من أغسطس ظهرت لجان شعبية عفوية سعت لمساندة الشرطة في تطبيق حظر التجول واصطياد الاسلاميين، ولكن بحلول اليوم الثاني كانت قوات الشرطة قد قامت “بهشهم” كلهم من شوارع القاهرة. بداية، لا تملك الدولة الهياكل التي تسمح لها بلعب هذا الدور إذا أرادت – أعني تنظيميا. لا توجد حركة اجتماعية في مصر قابلة لترجمة هذه الصيغة الفاشية إلى واقع مستدام باستثناء جماعة الإخوان.

لم يكن الحزب الوطني حركة اجتماعية، بل كانت البنية التحتية للحزب الوطني مكونة من مجرد شبكات من المنتفعين، كما يصفها محمد مصلح، “تعمل كظهير سياسي شريك أصغر للنظام الحاكم، انهارت بمجرد استشعار انهيار البنى الداعمة الممثلة في النظام، وهي غير قابلة للاستعادة لأن الظروف الموضوعية كلها التي خلقت وجوده – هي ذاتها التي انهت وجوده حالياً”.

حتى الآن ما تملكه الدولة هي بيروقراطية عملاقة بذراعها الأمني الناجح إلى حد ما في القمع. لا يبدو هذا كافيا. لا تستطيع الدولة  أن تمنع هذا الاحتشاد العفوي للناس، حتى المؤيد منه، و سواء كان عنيف أو غير عنيف: أتذكر مثلا واقعة تبادل إطلاق الرصاص الذي دار في شارع البطل أحمد عبد العزيز يوم الثامن والعشرين من أغسطس الماضي وسط حشود جماهيرية شبيهة بحشود مشجعي الكرة، لا نعلم إلى الآن ملاباسات هذه الواقعة. أستعيد مشهد الراقصون خارج لجان التصويت (على دستور ٢٠١٤) الذي أثار الكثير من النقاشات. أتذكر أيضا شهادة قرأتها عن أحد الاشتباكات الأهلية -منخفضة التكلفة مقارنة بغيرها- التي دارت في طنطا بين مؤيدي الشرعية والمعادين لها بتاريخ ٢٣ أغسطس ٢٠١٣. وصف أحد شهود العيان مستوى جنوني من العنف الأهلي، أطفال لا يزيد عمرهم عن الثالثة عشر يحملون “المقاريط” بالقرب من رجال الشرطة، أسلحة بيضاء تفوق تسليح الشرطة عددا، محاولات الشرطة المتأخرة لتفريق الجمع العنيف باستخدام الغاز. يقول صاحب الشهادة أنه توجه لأحد رجال الأمن بسؤال “وكيف تظنون أنكم ستسيطرون على هذا المستوى من العنف وانتشار السلاح بعد أن تقضون على الإخوان؟”. لا أعتقد أن هذا السؤال يدور بخاطر القيادات الأمنية التي تتصرف كأي عصابة مسلحة تحترم نفسها بدون أدنى إحساس بالمسئولية الاجتماعية.

عندما كان يحكم الرئيس مرسي، كانت عدسات كاميرات أون تي في تخصص كادر ثابت لنقل بث حي من “اشتباكات المحلة” أو “اشتباكات المنصورة”، وقد تبدلت اهتماماتها اليوم لنجد طاقم تصوير نفس القناة واقفا لساعات طويلة أثناء حظر التجول لينقل لنا بث حي مباشر للاستقرار وخواء الشوارع. ولكن المظاهرات العنيفة والاقتتال الأهلي مازال يحدث، بصورة أكثر عنفا، فقط بعيدا عن عدسات الكاميرات.

أدوات السيطرة وقواعد اللعبة السياسية

بيد أن هذا النظام ما زال يحتاج إلى شرعية شعبية، وهو تناقض بداخله لا يستطيع حله، فهو لا يريد أن يكون فاشي بمعنى استخدام أدوات الحشد الشعبي بالصيغة “الثورية” التي لجأت إليها الأنظمة الفاشية أو النظام الخميني – ولكننا أيضا قد تجاوزنا التسعينيات و أصبح الشعب والبيروقراطية الدولاتية من قبل الشعب معبؤون ومحتشدون – التأمل في تظاهرات واضرابات أمناء الشرطة فقط كافي لإدراك ذلك – فكيف ستقوم الدولة بعملية الـ”de-mobilisation” أو التسريح المطلوبة؟ ما زال هناك الملايين الذين يبحثون عن نوع من الاندماج السياسي والاقتصادي – حتى لو بصيغ غير ديمقراطية وأبوية ومعادية للتنمية. إما أن يجد النظام طريقة لاستيعابهم، أو تفض تجمهرهم. فهل ينجح النظام الجديد في فض هذا السيرك الذي تبقى من الثورة؟

هناك جناحا ما في السلطة يتطلع إلى دولة قابضة على زمام الأمور وشعب خارج دائرة الاشتباك تماما كما كانت الأمور قبل ٢٠١١، يحلم بنفس آليات الحكم التي سادت قبل ٢٠١١ – بل ويتعلق بها تعلق طفولي. لا يسعى هذا الجناح إلى الفاشية أو الديمقراطية، ولا يستطيع فيما يبدو إخراج الشعب من اللعبة. لقد أسست الثورة منذ يناير ٢٠١١ لقواعد جديدة للعبة، ومع التتابع السريع للتطورات السياسة ما بين عزل مبارك وطيلة حكم مرسي، ظلت أغلب تلك القواعد ثابتة.  كانت هناك ديناميكيات جديدة مهدت الطريق لإعادة ترسيم علاقة المجتمع بالدولة، والمتظاهرون بالشرطة، والأحزاب والحركات السياسية بالشارع. إلا أن هذا القواعد قد انهارت على مدى الستة أشهر الماضية بعد ٣٠ يونيو، فلم تعد معالم اللعبة واضحة، فنحن لا نستطيع أن نستقرأ التبعات المحتملة للنزول للشارع، على سبيل المثال، أو للمشاركة المتوسطة في الاستفتاء، كمثال آخر. إن فترة التأسيس لهذا النظام الجديد قد طالت، وهناك صراعا داخل أروقة السلطة على كيفية إدارة المجتمع، وسط تجاهل تام للتآكل المتسارع للدولة ولقدرتها على الفعل. تغيرت قواعد اللعبة مرة أخرى فيما يتعلق بالاشتباك مع الشأن العام، وأنا شخصيا أحتاج لأن أفهم: ما هو شكل المجال السياسي المصري الحالي؟

لهذا السبب لا يعد النقاش حول آليات السيطرة والإدارة نوعاً من السفسطة لمجرد أننا كلنا “نتعرض للقمع”. فأنا أحتاج أن يشرح لي أحدا ما حدث بعد ٣٠ يونيو وعلى مدار الأشهر الست المنصرمة.

تخيل معي لحظة الوهيج الضوئي التي تتبع انفجارا عملاقا التي نشاهدها في الأفلام – كانت يناير ٢٠١١ شبيهة بتلك اللحظات، تبدأ بعدها تدريجيا في استعادة قدرتك على رؤية التفاصيل. ٣٠ يونيو كانت كذلك أيضا لأنها غيرت قواعد اللعبة مجددا. تخيل معكوس تأثير القنبلة النيوترونية – انفجار على أثره يتهاوى كل شيء من حولك ولا يبقى إلا الأشخاص – تتلاشي الأبنية والهياكل وتبقى الأطراف الفاعلة في الفراغ. يبدو لي هذا أقرب للمجال السياسي المصري الحالي. يذكرني أيضا بلحظة نهاية العالم في إحدى حلقات كارتون فيوتشراما وبداية حياة أبدية من السباحة في اللا شيء: انتهي العالم في هذه الحلقة فانتقلنا إلى كادر نكتشف فيه أن كل ما هو مادي في العالم قد تلاشى ولم يبق إلا الأبطال محبوسين في فراغ سرمدي – تم تصويره على أنه مجرد خلفية بيضاء. تسبح الشخصيات في الفراغ وتتساءل عما حدث ثم تبدأ في لعب أحد ألعاب النرد إلى الأبد.

لقد هوى كل شيء من حولنا، وبقت الأطراف الفاعلة، بعضها مسلح ويملك شرعية ما، وقد جن جنونه، يطلق الرصاص، فيموت المئات في دقائق معدودة، ولكنه لا يعرف ماذا يفعل بعد ذلك، يحاول أن يمسك بشيء من حوله فلا يجد شيئا في مكانه، فقد اختفت الملامح التي اعتدناها لهذا العالم. ثم تنفجر سيارة مفخخة فيموت بعض الأشخاص ولا ندري أيضا ماذا نفعل بعد ذلك.

لسنا ندري، لا نحن ولا الجيش، ما الذي سيحدث بعد ذلك؟ نحن لم نعلن بعد خروجنا من المجال السياسي، والمؤسسة العسكرية ترددت كثيرا، في تقديري، في مسألة ترشيح السيسي، لأسباب كثيرة لا مجال للخوض فيها الآن. ان استحقاقات المنصب خطيرة حتى على شخص له شعبية واسعة مثل الجنرال عبد الفتاح السيسي.

– سنكون أكثر اطمئنانا إذا اعتزلتم السياسة وتوقفتم عن إثارة الضجيج. لا نعني فقط الضجيج الذي يثيره المعترضون، هذه الضوضاء الاحتفائية، كل هؤلاء الذين يرقصون طوال الوقت ويصرون على مصاحبة الشرطة في عملياتها.

– ولكننا متطوعون بالفاشية.

– ونحن نفضلكم وأنتم جالسون خلف التلفزيون تقزقزون اللب في منازلكم.

كيف ستحل الأزمة الاجتماعية الأضخم، جوهر الثورة؟ لسنا ندري، لذلك سنطلق الرصاص قليلا لربما اتضحت الأمور أكثر. وهو ما لا يختلف كثيرا عن موقف الإخوان – سنأزم الامور قليلا لربما اتضحت الأمور أكثر. ما زلنا نسبح في الفضاء بلا هدف. أنت تملك مسدس وانا لا أملك ولكن ماذا تحقق من قتلي ونحن نغوص معا في بطن حوت التداعيات الأخيرة لدولة يوليو؟ لست أدري ولكني سأقتلك ثم أفكر في الأمر. ماذا عن طلبة الجامعات؟ سنقوم بمد إجازات منتصف العام. هل هناك مسعى حقيقي أصلا لتأسيس سلطة؟ فما أراه هو حالة من الجنون التفكيكي/التخريبي ومحاولة لإعادة إنتاج شيء لا يمكن إعادة إنتاجه على المدى الطويل. ماذا تريد الشرطة، ماذا يريد أمن الدولة الذي يتزعم قوى ٢٤ يناير – كما يسميها الصديق محمد نعيم؟ ماذا يريد تنظيم الإخوان؟ ماذا نريد نحن؟ ما هو سر تمسك الجميع بمحمد إبراهيم وزيرا؟ ماذا تريد السعودية؟ ما هو هذا المربع الأول الذي يتحدثون عنه؟ وما تلك النيو-ناصرية بحق الجحيم؟

أم أن منطق الحرب الأهلية سيسود حتى تتحقق الحرب الأهلية بالمعنى الحقيقي للكلمة؟ وهو الذي من شأنه أن ينتج عسكرة أكبر للدولة وإراقة للدماء بلا أفق؟

نجاح هذا النظام -أي نظام بغض النظر عن ما اذا كان ديمقراطيا أو سلطويا- في تصوري، يحتاج إلى إنهاء حالة تسييس المجتمع الواسعة: المنجز الوحيد لثورة يناير حتى الآن. لست مستهينا بقدرة الدولة على فعل ذلك، وإن كنت لا أتوقع لها النجاح. فالاستيعاب يحتاج إلى آليات أكثر استدامة من القمع، ولكن إذا تحقق الكابوس، فهذا هو ما أخشاه أكثر من الفاشية – موت السياسة بمعناها الواسع. يبدو أن قطاعات عريضة من الشعب كانت خشيتها من الفاشية (أو من البعد الفاشي المتمثل في التجييش المستمر لفئة مجتمعية معينة ضد الباقين) أكبر من خشيتها من القضاء على المجال السياسي المفتوح، ولعل نسبة كبيرة من المجتمع كانت قد وصلت لقناعة بأن المجال السياسي المفتوح هو أصل المشكلة. الحق يقال أن عدد لا بأس به ممن خرجوا يوم ٣٠ يونيو خرجوا لكي لا يخرجون مجددا، وإن كنت لا أتوقع أن تتحقق لهم هذه الرغبة في المستقبل القريب.

اعلان
 
 
كريم مدحت عناره