موت جديد لخالد سعيد
 
 

في يوم ٣ يوليو، نشرت صفحة “كلنا خالد سعيد” على موقع الفيسبوك نص خطاب الفريق عبد الفتاح السيسي الذي أعلن فيه إسقاط الرئيس السابق محمد مرسي. بعد ذلك، توقفت الصفحة تماماً عن النشر. ولكن بالرغم من توقف مسئولي الصفحة عن النشر، إلا أن التعليقات على نشاطهم الأخير على الصفحة ما زالت تتوالى كل يوم.

“كلنا خالد سعيد” الصفحة التي اكتسبت شهرة عالمية في ٢٠١١، لديها أكثر من ٣,٦ مليون متابع، بات الكثيرون منهم في محاولة مستمره لاستعطاف المسئولين عنها ليكسروا صمتهم.

فبينما كان يتسائل أحد التعليقات على الصفحة “هتفضلوا ساكتين لحد امتى”،  صرخ آخر موجها غضبه للعالم الافتراضي ” بعتوا الثورة وبعتوا خالد”.

قبل بضعة أيام من الذكرى الثالثة لثورة ٢٥ يناير، وبعد مرور ٣ سنوات و٧ أشهر على وفاة خالد سعيد، الشاب السكندري الذي كان في عامه الثامن والعشرين، نتيجة لتعذيبه على يد ضابطي شرطة، ومرور ستة أشهر على صمت الصفحة التي تحمل اسمه، والتي يعتبرها الكثيرين صاحبة الفضل في إشعال الثورة، علق أحد متابعي الصفحة قائلا: ” خالد سعيد مات”.

يوم ٦ يونيو ٢٠١٠، هاجم ضابطان خالد سعيد أثناء تواجده في مقهى انترنت قريب من منزله في منطقة سيدي جابر بالإسكندرية. أخذه الضابطين الى مدخل عمارة مجاورة واعتدوا عليه حتى توفي.

أصبحت قضية خالد سعيد آنذاك مثال فج لتعديات الشرطة ولفساد نظام مبارك. اكتسب اسمه شهرة عالمية بعدما دعت صفحة ” كلنا خالد سعيد” لتظاهرات يوم ٢٥ يناير ٢٠١١ التي تفاقمت إلى حراك شعبي غير مسبوق أنهى حكم مبارك الذي استمر ثلاثين عام.

تقول زهرة سعيد، شقيقة خالد، أنها توقفت عن متابعة صفحة ” كلنا خالد سعيد” منذ وقت طويل.

تقول زهرة، “كل من أراد استخدام اسم خالد سعيد لمصلحته الخاصة فعل ذلك، ولكننا نقول كفى.”

أبدت زهرة استياءها من رفع المتظاهرين الذين يتواجدون خارج قاعة المحكمة التي يحاكم فيها قتلة خالد لمطالب لا علاقة لها بالقضية، مثل رفض  قانون التظاهر الجديد والمحاكمات العسكرية.

تقول زهرة أن الصفحة التي تحمل اسم خالد لم تنسق مع العائلة منذ بداية وجودها. وتتهم زهرة القائمين على هذه الصفحات باستخدامها لخدمة الأهداف السياسية الخاصة بهم.

تم إنشاء صفحة خالد سعيد، بنسختيها العربية والانجليزية بعد موت خالد في عام ٢٠١٠ مباشرة. في البداية، كان نشاط الصفحتين منصب على نشر الوعي عمّا حدث لخالد سعيد ونشر تطورات القضية.

ولكن مع اقتراب يناير ٢٠١١ بدأت نشاطات الصفحة تتسع لتشمل المناداة بمظاهرات حاشدة.  

كان المسئول عن الصفحة العربية هو وائل غنيم، المهندس بجوجل والذي كان الإفصاح عن هويته بعد أيام من قيام المظاهرات في يناير ٢٠١١ من اللحظات الشهيرة في أيام الثورة. ويشاركه في إدارة الصفحة الناشط عبد الرحمن منصور، الذي تم الإفصاح عن هويته لاحقا.

تقول زهرة أن شخص ثالث لا يعلم هويته أحد، حتى من عائلة خالد، هو المسئول عن الصفحة الإنجليزية.

في البداية، كان نشاط الصفحتين يشير إلى وجود تنسيق وتعاون بينهما حيث كان يتم نشر أخبار في الصفحتين عن جهود مشتركة. بداية من ٢٠١٢، بدأت كل صفحة في الإعلان أكثر من مرة أنها مستقلة عن الأخري.

بعد أن لاحظ أفراد عائلة خالد سعيد زيادة الانحيازات السياسية في كلتا الصفحتين بعد تولي الرئيس السابق محمد مرسي الحكم، بدأوا في الإعلان عبر حساباتهم الخاصة على المواقع الاجتماعية أن ليس لهم علاقة بهذه الصفحات وأنها لا تمثلهم.

ولكن أصبح توقيت الصمت هو أكثر ما يبرز هوية كل من الصفحتين.

بعد الاحتفال بفوز محمد مرسي بالرئاسة، التزمت صفحة كلنا خالد سعيد النسخة الإنجليزية الصمت طوال شهري نوفمبر وديسمبر ٢٠١٢، وهي الفترة التي ارتكب فيها مرسي أجسم أخطاء فترة رئاسته. في نوفمبر، أصدر مرسي إعلانا دستوريا أعطى فيه لنفسه صلاحيات غير مسبوقة، مما أدى إلى اندلاع مظاهرات واسعة ضده. في ديسمبر، هاجم أنصار مرسي المتظاهرين ضده خارج القصر الرئاسي متسببين في  معركة أدت لوفاة ١١ شخص على الأقل ومئات الإصابات.

أشارت الصفحة الإنجليزية لرحيل مرسي عن الحكم بـ”الانقلاب”، وركزت نشاطها بعد رحيله على التجاوزات التي ترتكبها الحكومة الحالية المدعومة من القوات المسلحة.

كما أنشأت وروجت صفحة ” كلنا خالد سعيد” الإنجليزية لصفحة جديدة باسم ” آراء من الشرق الأوسط.” حملت الصفحة الجديدة شعار الأربعة أصابع الذي يرمز إلى الإخوان المسلمين وآخرين ممن يطالبون بعودة مرسي الي السلطة، والذين اعتصموا عند مسجد رابعة العدوية قبل الرطاحة بمرسي بأيام وحتى فض الاعتصام في أغسطس الماضي.

أما الصفحة العربية، فقد أدانت بشدة الأخطاء التي ارتكبها محمد مرسي ولكن صمتها بدأ في اليوم الذي تم استبداله بحكومة مدعومة من المؤسسة العسكرية.

بينما كانت تعلن المجموعات المختلفة عن خططها لمظاهرات ٢٥ يناير الهادفة لإعادة أحياء المطالب الرئيسية للثورة في ذكراها الثالثة، لم يكن للصفحة التي تم الاحتفاء بها كشعلة البداية للثورة أي وجود.

قال مصدر مقرب من القائمين على صفحة كلنا خالد سعيد والذي لم يشأ ذكر اسمه أن قرار الصفحة التزام الصمت جاء بعد شعورهم أنه “لم يكن لصوت العقل مكان” في ظل الاستقطاب السياسي ما بين الاخوان المسلمين والجيش. يقول المصدر أن القائمين على الصفحة قرروا التزام الصمت مؤقتا “تجنبا لمعركة غير متكافئة”.

ويضيف المصدر أن القائمين على الصفحة شعروا أن دورها قد يكون انتهى.

وأضاف أيضا “كان نقاشا عن الصفحة دار بين مسؤوليها، انتهى بأن الصفحة قد أنجزت ما تمنته يوما وهو تثوير المواطن العادي وإشعال فتيل ثورة لا تزال مستمرة. ربما حان الوقت لتبدأ صفحة أخرى أو مبادرة أخرى لتكمل الطريق.”

تضاؤل قوة خالد سعيد كرمز وقوة محركة ينعكس أيضاً على تطورات القضية ضد قاتليه.

تم الحكم على الضابطين المتهمين بقتل خالد بالسجن سبع سنوات في أكتوبر ٢٠١١، بينما اعتبر مناصروا خالد الحكم هينا، استأنف المتهمون الحكم.

في أثناء جلسات الاستئناف، التي بدأت في يونيو ٢٠١٣ ومازالت مستمرة، يحاول محامي المتهمين، بعد اطمئنانه لخفوت الزخم الشعبي حول القضية وتحسن صورة الشرطة عند المواطن، أن يعيد كتابة حقائق القضية وبالتالي حقائق الثورة التي ساهمت في اندلاعها.

قال المحامي خلال الجلسات أن صور آثار التعذيب التي انتشرت لخالد هي مفبركة بمساعدة “أخيه اليهودي الأمريكي” كجزء من “مخطط صهيوني” لزعزعة النظام في مصر.

قال المحامي أنه قد تم اكتشاف وشوم على جسد خالد سعيد مما يثبت، في رأيه، أن له ماضي إجرامي، وأعاد استخدام الدفاع ما تم ذكره في ٢٠١٠ وهو أن خالد مات مخنوقا نتيجة ابتلاعه لفافة بانجو.

يقول منصور حمدي، ناشط سكندري مختص بحالات التعذيب، أن تشويه خالد سعيد كرمز هو جزء من مخطط أوسع من قبل الدولة لتشويه الثورة.

بعض من النشطاء الذين اكتسبوا شهرة بسبب دورهم في مظاهرات ٢٠١١ مثل مؤسس ٦ أبريل، أحمد ماهر، والناشط علاء عبد الفتاح هم حاليا خلف الأسوار بسبب اتهامات متعلقة بمشاركتهم في المظاهرات.

يقول حمدي ” يريد النظام تدمير كل ما يذكرنا بالثورة وبالأسباب التي قامت من أجلها”. متوقعا أن ينتهي استئناف قتلة خالد بالبراءة، يقول حمدي أن قضية خالد هي رمز لكشف ممارسات التعذيب بوزارة الداخلية، وهي سابقة في التصدي لفساد الدولة.

يقول منصور أن تدمير هذا الرمز هو خطوة أساسية لتستطيع الدولة العودة إلى ممارساتها السابقة وهو خطوة مدمرة للثورة.

منصور قال “هم يريدون قتل فكرة خالد سعيد، فكرة أن باستطاعتنا التصدي لوزارة الداخلية. هم يريدون تشويه القضية وبالتالي تشويه كل القضايا التي تأتي بعدها”.

بينما أضاف حمدي “الآن، كل شخص يتم التعدي عليه من الشرطة سيقال عنه أنه شخص سيء ويستحق ما حدث، وكل شخص يقتل على يد الشرطة سيقال أنه انتحر”.

اعلان
 
 
هبة عفيفي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن