يحرك الفيلم الوثائقي “الميدان” للمخرجة جيهان نجيم بالتأكيد مشاعر كثيرة ومتصارعة، ما بين حنين مؤلم إلى ما يمكن تسميته بـ”يوتوبيا مصر” التي عشناها في ميدان التحرير إبان الثمانية عشر يوماً الأولى للثورة، وشجن مؤلم على ما آلت إليه انتفاضة جيل جرؤ على الحلم وطلب مستقبل مختلف. بيد أن الفيلم على المستوى السياسي ينبغي أن يمثل سياقا مواتيا لبدء حوار موضوعي عن مسارات الثورة، بمعزل عن العواطف المكثفة التي ترتبط عادة باستدعاء هذه اللحظات الرائعة من يناير وفبراير ٢٠١١. إذا ما كان لطليعة ثورة يناير أن تحجز لنفسها مكانها المستحق والواجب في مستقبل هذا البلد، فنحن مدعوون قبل كل شيء في الذكرى الثالثة للثورة إلى مراجعة صادقة للنفس ووقفة حقيقية للتقييم الهادئ والنقد الذاتي.
لن يعجب تعليقي على الفيلم الكثيرين من رفاق الميدان والثورة، بل أزيد أنني لست في قمة سعادتي وأنا أكتبه. الفيلم بفكرته وأبطاله وأحداثه تعبير صادق عن أزمة حقيقية في أوساط قطاعات واسعة مما بات يعرف اتساعا بـ”شباب الثورة” (وهو مصطلح يحتاج إلى تدقيق على أي حال، كونه وظف تحليليا وإعلاميا بطرق عديدة يؤدي كل منها لاستخلاصات مختلفة). الأزمة هي ما يمكن وصفه اختصاراً بـ”اليوفوريا” المتولدة من زخم التواجد في وسط حدث تاريخي جلل. كانت الثورة المصرية ولا شك حدثاً تاريخياً. كان خروج الجماهير المصرية يوم ٢٨ يناير لوضع حد لعهد حسني مبارك العفن لحظة حلمنا بها عمرا بأكمله، وظننا أننا لن نراها أبدا فضلا عن أن يكون لنا نصيب المشاركة فيها. أما لحظة سقوط مبارك في ١١ فبراير ٢٠١١ فتعجز الكلمات والعبارات عن مجرد الاقتراب من توصيف مشاعر القوة والتمكين التي انتابتنا فيها. كان مولداً جديداً بكل ما تحمله الكلمة من معان.
إلا أن المكاشفة الصادقة ستحتم الاعتراف بأن هذه الشحنة غير المسبوقة من القوة المعنوية ولدت لدى قطاعات شبابية واسعة، خاصة في أوساط الرفاق الذين كانوا منخرطين في الشأن السياسي والحقوقي المباشر قبل الثورة، ومن ثم ظلوا على انخراطهم فيه بعدها بكثافة أكبر، ولدت انطباعا خادعاً بقدرة هذه الفئة من “وجوه الثورة” –إن جاز التعبير- على التأثير على مسار الأحداث بأكثر مما تسمح به حقائق القوى على أرض الواقع.
لقد ارتقت الكثير من الفرضيات الهلامية نوعية “أننا الذين قمنا بالثورة” وأننا “احنا اللي أسقطنا مبارك” (لن أدخل في تفنيدها الموضوعي هنا فهذا نقاش آخر، وإن بات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى) بعد ١١ فبراير لمرتبة التابوهات المسلم بها لدى شباب الثورة، شاركتهم في ترسيخها وترويجها عوامل كثيرة ليس أقلها افتتان الإعلام الغربي وتزلف نظيره المحلي ذي الولاءات المرتبكة بعد سقوط مبارك. ليس هذا مهما في حد ذاته. وإنما المؤسف حقا هو أن هذه الفرضيات الخاطئة استعملت فيما بعد –وبكثافة وإصرار غير مفهومين- كأساس لتحليل المشهد السياسي في المرحلة الانتقالية تحت إدارة المجلس العسكري، وبناء تصورات غير حقيقية ومضَلِلَة عن طبيعة تلك المرحلة والفاعلين السياسيين فيها وأهدافهم وتكتيكاتهم. وعليه، فقد أفضى هذا التراكم المستمر من الفرضيات غير الدقيقة والإصرار على عدم مراجعتها في النهاية إلى تبني مواقف وخيارات على مستويي السياسة والشارع، لم تكن تفتقد فقط لأدنى إدراك لموازين القوى، ولكنها تمسكت تمسكا ساذجاً بأرضيات أخلاقية ومبدئية مريحة، على حساب نتائج سياسية كارثية مباشرة لهذا التموضع على أهداف الثورة الأساسية في بناء دولة الحرية والعدل.
توهم شباب الثورة قدرتهم على تحريك الجماهير، فإذا بالجماهير تثبت لهم في موقف تلو الآخر بأن لحركتها ديناميكيات شديدة الخصوصية ومعقدة التركيب ليسوا هم مفتاحها. توهم الثوار قدرتهم على الحشد لمعارك سياسية محدودة، فإذا بالتيار الإسلامي يثبت للكل بأنه صاحب القدرة شبه الحصرية على استخدام هذا السلاح بفعالية وحنكة في الضغط السياسي. توهم الثوار قدرتهم على تشكيل مكونات المشهد السياسي ووضع جدول الأعمال الانتقالي، فإذا بحقائق القوة المادية تصدمهم استحقاقا بعد الآخر. فالدولة لم تسقط والجناح الأكثر قدرة وقوة فيها هو الذي آلت إليه أمورها، وهو المتحكم فيها وبمباركة شعبية لا غبار عليها ولا شك فيها. زادت العزلة والإحباط بشكل مطرد مع الفجوة المتزايدة في المشهد السياسي ما بين مفردات خطاب الفرضيات/التابوهات المستخدم لوصف دور وتأثير شباب الثورة من ناحية، وما بين واقع يفرض حقائقه وموازينه دونما التفات أو اعتبار للأوهام.
عودة لفيلم “الميدان”: إن الأبطال الثلاثة الأساسيين للفيلم (أحمد الثوري-مجدي الإخواني- خالد عبدالله) هم تجسيد واقعي وواضح لهذه الأزمة، يشاركهم في ذلك عدد آخر من الشخصيات التي تظهر هنا وهناك كصديقة خالد عبد الله وأحمد ذات النظارة الحمراء أو “بيير” أو “بثينة كامل”. الأبطال الثلاثة وشركائهم وأصدقائهم من أنبل وأنقى ما يمكن. ثلاثتهم حلموا بالثورة، عانوا قبلها ملياً، ثم شاركوا ووضعوا أرواحهم على المحك عندما أتت اللحظة التاريخية التي التحمت فيها الجماهير الأوسع مع أحلام هذه الطليعة التقدمية للمجتمع. لكن الثلاثة بقناعاتهم الثورية ونقائهم النضالي ليسوا ممثلين لقطاعات واسعة من المصريين.
هم ليسوا حتى ممثلين لفئاتهم. خذ مجدي الإخواني مثلا. شخصية رائعة لا يملك المشاهد سوى التعاطف مع أزمته البادية ما بين خيانة الإخوان الدنيئة للثوار وانتمائه الأصيل إلى الجماعة ذات الفضل عليه. لكن مجدي ليس الأصل في الإخوان. الأصل في الإخوان هو ذلك الجلف الفظ الذي كان يتحدث لأحمد في إحدى اللقطات على تخوم ميدان التحرير. لامه أحمد على عقد الإخوان لصفقة مع المجلس العسكري فكان رده بكل صلافة وبلا مواربه: “حقهم”. انظر إلى أحمد، هذا الشاب الثوري النقي الجميل الذي لا يجيد سوى الحلم بغد أفضل. يشتكي أحمد بمرارة في أحد المشاهد من أن مشكلة الثورة الحقيقية أنها لم تتسلم الشرعية. لنسأل أنفسنا بدورنا وبصراحة: هل يصلح أحمد لحكم مصر؟ هل يصلح رئيسا للوزراء؟ هل يصلح وزيرا أو نائباً لوزير؟ هل يصلح رئيسا لحي أو حتى شيخا لحارة؟ هل يصلح أحمد لكي يكون حكما مؤهلاً على اختيارات وتصرفات السلطة التي تسلمت إدارة الدولة بعد مبارك بحيث يكون هو –وأقرانه- المرجعية الأخلاقية التي تحكم على المسار السياسي من حيث كونه محققا لأهداف الثورة؟ هل كان لزاما لكي يرضى الثوار أن تسلم إدراة الدولة المصرية لأحمد وأقرانه من شخصيات الفيلم؟ الإجابة الواضحة فيما أعتقد، ولكنها سكرة الوجود في قلب الحدث التاريخي والوهم المتولد بصناعته، إنه نفس الوهم الذي يؤدي بالكثيرين من الثوار -في الفيلم وفي الواقع- للتحدث بصيغة الـ”نحن” في مواجهة السلطة والمطالبة بمعاملة ندية في معادلات مشهد ما بعد مبارك لا تسندها قوة تنظيمية ولا قدرة على حشد ولا تأثير في قطاعات اجتماعية واسعة تعترف بهم ممثلين عنها.
وقع خطاب شباب الثورة بعد سقوط مبارك في فخ تبني الثنائيات غير الواقعية مثل “نحن والمجلس” و”نحن والفلول” و”نحن والإخوان”، والسؤال المؤلم هو من أنتم؟ (السؤال هنا مقصود بصيغته الموضوعية وليس تهكماً). أنتم أفراد ونشطاء عظماء وأنقياء. طروحاتكم نبيلة ومثالية، تقدمية وعصرية ومطلوبة، ولكن الديمقراطيات لا تبنى بطلائع التقدميين مع الأسف. دروس التاريخ تنبئنا مع الأسف بأن القوة السياسية لا تبنى بالتأثير المعنوي وإنما تستند بالأساس إلى تأييد قطاعات اجتماعية محددة وواسعة، يعبر عنها ممثلون وقادة معتمدون ومعترف بهم.
انظر إلى خالد عبد الله، هذا الشاب المنحدر من عائلة عاشت عمرا في حب مصر والعمل من أجلها. إن تجربة خالد في العمل الميداني في الفترة التي أعقبت الثورة شاهدة على فشل ذريع لهذه الفئة من الشباب على تقدم الصفوف وإحداث تغيير اجتماعي واسع وحقيقي، أو حتى التعبير عن تطلع حقيقي وموجود لمثل هذا التغيير. إن الذنب بالتأكيد ليس ذنب خالد ويمكن أن نتحدث مطولا في جريمة نظام مبارك التراكمية بمحو تقاليد العمل التنظيمي المدني والسياسي في المجتمع. كنت مع العديد من الرفاق شاهد عيان على تجارب لا حصر لها من الفئة الأوسع لشباب الطبقة الوسطى الذين شاركوا في الثورة للتنظيم في فترة الشهور التي أعقبت سقوط مبارك والتي فشلت كلها بلا استثناء برغم صدق النوايا ونبل المقاصد. إلا أن إرجاع الفشل فقط لميراث الاستبداد المباركي لن يفيد.
لقد فشلت محاولات شباب الثورة تقديم بديل مقنع كذلك لأننا بنيناها على فرضيات خاطئة وقراءات وهمية لحقائق ساطعة كانت أمامنا ورفضنا تصديقها بتأثير سكرة الميدان.
إن تزامن عرض فيلم الميدان والاحتفاء به على مستويات مختلفة مع الذكرى الثالثة لثورة يناير لا ينبغي أن يكون مناسبة نوستالجية، تقتصر على ذرف الدموع أمام شاشات العرض والانخراط في بكائيات بطعم المرارة عن الثورة المسروقة والحلم الضائع. لقد حان الوقت لنراجع ونتوقف ونرى ما كان بعيون أكثر موضوعية، ونتحسس طريقا للمستقبل لا يبنى على فرضيات الوهم.
لقد عشنا في الميدان أروع لحظات عمرنا. لكن لكي يتحقق حلم يناير فقد أصبح من الحتمي علينا مغادرة “الميدان”.
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
أعرف أكتر