إطار تحليلي مقارن: مصر بين دستورين

في مصر اليوم استفتاء جديد على الدستور للمرة الثالثة على التوالي خلال ثلاثة أعوام منذ اندلاع الثورة المصرية في الخامس والعشرين من يناير.

وبالرغم من الاختلافات بين المواثيق الدستورية التى حَكَمت مصر طيلة تلك الفترة، إلا أنه لا يختلف جوهرها كثيراً عما أتى به دستور ١٩٧١ الدائم لمصر، والذي تم وضعه أثناء حكم الرئيس السابق أنور السادات.

ففي ١٩ مارس ٢٠١١ جرى أول استفتاء للمصريين على بعض المواد الدستورية، التى من شأنها إعطاء شرعية للمجلس العسكري الذي تخلى الرئيس المخلوع (محمد حسني مبارك) عن السلطة له. إضافة إلى وضعها لقواعد للمرحلة الانتقالية، تنص على إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة.

وفي ديسمبر ٢٠١٢ أثناء حكم الرئيس المعزول (محمد مرسي) جرى استفتاء المصريين على ما تم اعتباره الدستور الجديد لمصر حينها، بعد أن تم انتخاب جمعية تأسيسية من البرلمان المنتخب مُشكّلة من ١٠٠ عضو، انتهت إلى وضع هذه الوثيقة الدستورية، وجرى اعتمادها دستوراً للمصريين بعد موافقة الأغلبية عليها.

ومع الإطاحة بمرسي بعد قضائه عاماً واحداً فقط في السلطة، واحتشاد جماهير من المصريين في ٣٠ يونيو ٢٠١٣ مطالبينه بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. وتدخل المؤسسة العسكرية بقيادة الفريق عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع بإعلان (خارطة طريق) جديدة مزعومة، تضمنت تجميد العمل بدستور (٢٠١٢) وتشكيل لجنة لتعديل الدستور.

وفيما يلي نحاول التركيز على أهم أوجه المقارنة باستخدام تحليل المضمون بين الوثيقتين الدستوريتين (٢٠١٢) وهي دستور مصر المُعطّل، والوثيقة التى تم الانتهاء منها في ١ ديسمبر (٢٠١٣) ومن المقرر إجراء الاستفتاء عليها الأمس واليوم (١٤ و١٥ يناير ٢٠١٣٤):

· يتكون دستور (٢٠١٢) من إجمالي عدد (٢٣٦) مادة، بينما تتكون وثيقة (٢٠١٣) من إجمالي عدد (٢٤٧) مادة.

· تم الحفاظ على قرابة الـ ١٥٪ من نصوص دستور (٢٠١٢) في الوثيقة الحالية كما هي، بنفس النص.

· تم دمج بعض مواد دستور (٢٠١٢) في مادة واحدة في الوثيقة الحالية (على سبيل المثال: دمج مادتي (٢٠٢) و(٢٠٣) من دستور ٢٠١٢، في مادة (٢١٦) من الوثيقة الحالية).

· تم تفصيل بعض المواد من دستور (٢٠١٢) فعلى سبيل المثال، جرى تفصيل المادة (٢١٦) من دستور (٢٠١٢) في مادتين مختلفتين (٢١٢) و(٢١٣) في الوثيقة الحالية.

· تم التعديل الجزئى على قرابة ٢٥٪ من نصوص دستور (٢٠١٢)، بينما جرى إدخال تعديلات حيوية على ٣٥٪ فقط من نصوص دستور (٢٠١٢)، بينما لم تحظى ١٢٪ من نصوصه سوى بإدخال تعديلات شكلية عليها، والحفاظ علي مضمونها كما كان.

· تم حذف (٢٨) مادة من دستور (٢٠١٢) بينما تم استحداث (٤٠) مادة جديدة فقط في الوثيقة الحالية.

من أبرز المواد التي تم حذفها في الوثيقة الحالية بعد التعديل هي:

– المادة (٢٣٢) التي كانت تنص على فرض الحظر السياسي على قيادات الحزب الوطني.

– والمادة (٢١٩) والتي تنص على تعريف واضح بالمقصود بمبادئ الشريعة الإسلامية.

– والمادة (٦٨) والتى كانت تنص على الحق في السكن، وإلزام الدولة بتبني خطة وطنية للإسكان.

– والمادة (٢١٨) والتى استحدثت (المفوضية الوطنية لمكافحة الفساد) إذ تم إلغائها، والإحالة للقانون لتنظيم مكافحة الدولة للفساد كيفما يشاء.

– والمادة (٢١٤) التى استحدثت إنشاء (مجلس وطني للتعليم والبحث العلمي)، إضافة إلى إلغاء النص على مؤسسات أخرى تم استحداثها في دستور (٢٠١٢) مثل: الهيئة العليا لشؤؤون الوقف، الهيئة العليا لحفظ التراث، المجلس الاقتصادي والاجتماعي.

· من أبرز المواد والموضوعات التي تم استحداثها في الوثيقة الحالية:

– المادة (١٦١) والتى تنص على آلية لسحب الثقة من رئيس الجمهورية،

– والمادة (٢٠٧) والتى تنص على استحداث (مجلس أعلى للشرطة) يؤخذ رأيه في أي قوانين تتعلق بها،

– والمادة (٥٢) التي تنص على أن التعذيب جريمة لا تسقط بالتقادم،

– والمادة (٢٣٤) والتى تمنع رئيس الجمهورية القادم لفترتين رئاسيتين من تغيير وزير الدفاع، وتمنح هذا الحق للمجلس العسكري،

– والمادة (١١) والتى تنص على المساواة بين المرأة والرجل.

– والمادة (٤٣) الخاصة بحماية الدولة لقناة السويس وعملها على تنمية قطاع القناة باعتباره مركزاً اقتصادياً متميزاً.

– والمادة (٤٨) في جعل الثقافة حق لكل مواطن.

– النص للمرة الأولى على كفالة الدولة ليس فقط الحق في الغذاء الصحي، والماء النظيف، بل وضمان تحقيق (السيادة الغذائية) أيضاً بشكل مستدام (المادة ٧٩).

– المادة (١٣)المعنية بحقوق العمال، وبناء علاقات عمل متوازنة بين طرفي العملية الإنتاجية، وكفالة سبل التفاوض الجماعي. إضافة إلى استحداث مادة عن المعلمين و أعضاء هيئات التدريس واعتبارهم الركيزة الأساسية للتعليم (المادة ٢٢).

– لم يكتف النص الدستوري الحالي بإلزام الدولة على مكافحة الأمية الهجائية بل أضاف إليها، الأمية الرقمية أيضاً في المادة (٢٥).

– والمادة (٦٣) التى تنص على حظر التهجير القسري تماماً، واعتبار مخالفة ذلك جريمة لا تسقط بالتقادم.

– والمادة (٢٣٧) والتى تلزم الدولة بمكافحة الإرهاب بشتى صوره.

– والمادة (٩٣) التى تلزم الدولة بكافة العهود والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، التى يتم التصديق عليها.

– وقد استحدثت لأول مرة دستورياً، تخصيص نسب معينة من الناتج القومي الإجمالي، فهناك نسبة لا تقل عن ٣٪ للصحة تتصاعد تدريجياً حتى تتناسب مع المعدلات العالمية، ونسبة لا تقل عن ٤٪ للتعليم، و٢٪ للتعليم الجامعي، و١٪ للبحث العلمي الذي يسعى لبناء اقتصاد المعرفة أيضاً، أي بإجمالي نسبة لا تقل عن ١٠٪ من الناتج القومي الإجمالي.

– وقد تم إلغاء مجلس الشورى في الوثيقة الحالية، وتم الأخذ بنظام المجلس الواحد، وإطلاق مسمى (مجلس النواب) عليه، وتم رفع عدد مقاعده، إذ كان ينص على أن لا يقل أعضائه عن ٣٥٠ عضو في الدستور المُعطّل، بينما تم النص حالياً على حد أدنى ٤٥٠ عضو (المادة ١٠٢). وقد جرى النص أيضاً على أن يتم نقل جميع العاملين بمجلس الشورى إلى مجلس النواب، مع الحفاظ على رواتبهم، ومستوياتهم الوظيفية ومكآفأتهم وكل شئ (المادة ٢٤٥).

– وقد أسهبت الوثيقة الحالية في تفصيل اختصاصات المحكمة الدستورية العليا، وقامت باستحداث تشكيل جديد لها، وآليات مختلفة لذلك (المواد ١٩٢، ١٩٣). كما نصت للمرة الأولى على تحصين رئيس المحكمة الدستورية العليا وعدم قابلية عزله ولا عزل أعضائها، وأن السلطان الوحيد عليهم هو أنفسهم، أي المحكمة ذاتها!

– كما جرى النص على ضرورة ضمان التزام الصحافه والإعلام بمقتضيات الأمن القومي (مادة ٢١١)

– وجرى النص لأول مرة على إدراج ميزانيات كل من الهيئات القضائية (المادة ١٨٥)، والمؤسسة العسكرية رقماً واحداً في الموازنة العامة!

– والمادة (٢٣٦) الخاصة بالتنمية الاقتصادية والعمرانية، والتى تنص للمرة الأولى على حقوق أهالي النوبة في أراضيهم التى تم تهجيرهم منها، وإلزام الدولة بإعادتهم إليها.

– وللمرة الأولى، تم النص على نواب للوزراء ولرئيس مجلس الوزراء، واعتبارهم جزء من الحكومة، مسؤولين أمام مجلس النواب ويمكن استجوابهم كغيرهم من أعضاء الحكومة. كما تم النص للمرة الأولى أيضاً على القيام بنشر الذمة المالية لكل من رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، وكافة أعضاء الحكومة في الجريدة الرسمية. إضافة إلى استحداث النص الدستوري على تسمية (وكيل دائم) لمناصب الإدارة العليا لكل وزارة لتحقيق الاستقرار المؤسسي، ورفع مستوى الكفاءة (مادة ١٦٨).

– وقد تم إضافة مهام حيوية لمجلس النواب القادم، وفقاً للوثيقة الدستورية الحالية، يتمثل أبرزها في: إصداره قانون لبناء وترميم الكنائس (مادة ٢٣٥)، إصداره قانون (العدالة الانتقالية) المادة (٢٤١). كما تم النص على ضرورة أن يتم إحداث تمثيل ملائم في المجلس القادم لكل من العمال والفلاحين (مادة ٢٤٣)، والشباب والمسيحيين وذوي الإعاقة والمصريين في الخارج (مادة ٢٤٤) دون أن يتم توضيح المقصود بالضبط من كلمة (تمثيل ملائم).

والخلاصة أنه من الواضح أن قرابة الـ ٣٠٪ من نصوص دستور (٢٠١٢) المُعطّل قد تم الحفاظ على مضمونها كما هي، أو جرى إدخال تعديلات شكلية فقط عليها. بينما تم حذف ١٢٪ من نصوص الدستور المُعطّل، و كثير منها يتعلق  بمجلس الشورى الذى تم إلغاء العمل به في الوثيقة الحالية.

وبالتالي فإن قرابة الـ ٦٠٪ فقط هي ما تم التعديل عليها بجدية في الوثيقة الحالية، ٢٥٪ أي ربع الدستور المُعطّل قد تم إدخال تعديلات جزئية عليه، بينما قرابة الـ ٣٥٪ فقط هو ما تم إدخال تعديلات جوهرية عليه.

وأخيراً، بالرغم من اتباعنا الاقتراب الكمّي، لمحاولة تبسيط الاختلافات بين دستوري (٢٠١٢) و(٢٠١٤). إلا أننا نؤكد أن هذا الاقتراب، وإن كان يساعدنا على توضيح الرؤية، إلا أنه لا يعني في الحقيقة كل شئ، فالأرقام تختزل الكثير، والواقع يشي أنه بالرغم من احتواء الوثيقة الحالية، على العديد من التطورات ينبغي البناء عليها لاحقاً (مثل النص بأن التعذيب جريمة لا تسقط بالتقادم، وحظر التهجير القسري، و إلزام الدولة بإعادة النوبيين لأراضيهم، وغير ذلك). إلا أنها في نفس الوقت تحتوي على انتكاسات أخرى خطيرة سواء في شرعنة محاكمة المدنيين امام المحكمه العسكريه بما يخالف المواثيق الدولية أو تقييد الصحافة و الإعلام بإلزامهما بما يسمى بمقتضيات (الأمن القومي)، أو حتى تحصين (المحكمة الدستورية العليا)، واستمرار إعلاء الهيمنة العسكرية لا المدنية على الدولة المصرية.

كما أنه لا يمكن إغفال تأثير السياق على العملية الدستورية، سواء أثناء كتابة الدستور، وما جرى من انتهاك قوات لداخلية لأبسط حقوق الإنسان للمحتجين في العديد من الفاعليات، ومنها ما تم ضد وقفة رفض المحاكمات العسكرية للمدنيين وكان ذلك أمام مجلس الشورى، مقرّ عمل لجنة الخمسين المعنيه بتعديل الدستور في ٢٦ نوفمبر ٢٠١٣ وقيامها باستخدام العنف، والتعذيب ضد النشطاء المشاركين في الفاعلية، واحتجازها لهم داخل المجلس، وأمام أعين أعضاء لجنة تعديل الدستور. أو السياق الراهن من حملات إعلامية مكثفة وغير محايدة للتصويت بنعم، وتفريغ عملية الاستفتاء من مضمونها، بتصويرها استفتاء على شرعية الفريق عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع، أو حتى اعتبار التصويت ب (لا) أو المقاطعة للاستفتاء من الأساس اصطفافاً مع جماعة الإخوان المسلمين. وهو ما دفع مؤخراً كل من حزب مصر القوية ومفوضية (كارتر) الدولية لمراقبة الانتخابات اعلان مقاطعة المشاركة في تلك العملية، سواء بالرفض من قبل الحزب، أو المراقبة من قبل مفوضية (كارتر).

اعلان
 
 
شريف محي الدين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن