دولة ترسف في الأغلال
 
 

يعد تصور الدولة واحد من بين العديد من الاختلافات في مخيلة من كانوا في حراكي ٢٥ يناير ٢٠١١ و٣٠ يونيو ٢٠١٣.

ففي ٢٠١١، كانت فكرة الإطاحة بالدولة، الممثلة بوضوح في جهازها الأمني الشرس، في عقول الكثيرين، وبالتالي حُرقت أقسام شرطتها في أنحاء البلاد. بينما في ٢٠١٣، كانت الفكرة هي استعادة الدولة التي أطبق عليها الإخوان المسلمين، الجماعة التي نظر اليها كطائفة مهتمة بذاتها في الاساس وليس بعملية بناء الدولة بالضرورة، ومن هنا وجدنا صور المحتجين وضباط الشرطة وهم يتبادلون زجاجات المياه والزهور وهي صورة معاكسة تماما لمشهد ٢٠١١.

لكن ما هي هذه الدولة التي يتحدث عنها الناس، أحيانًا بغضب وأحيانًا بشغف، وما الذي تطورت إليه على مدار العام؟

يرى عدد من الباحثين أنه بالرغم من أن ٢٠١٣ يبدو عام استعادة الدولة المصرية لقوتها بعد ثلاث سنوات من الحراك الثوري الذي هز من مكانتها، حيث أصبح هذا الحراك ذاته داعيا بالاساس لحماية الدولة من نخبة حاكمة مؤقتة ينظر إليها باعتبارها تحاول سرقتها إلا أنه أيضا عام يبدو فيه أن صلابة هذه الدولة يتم تقويضها من خلال مؤسساتها.

وقد قام ناثان براون، أستاذ القانون والسياسة في جامعة جورج واشنطن، بصك مصطلح “بلقنة” الدولة المصرية عندما نظر إلى الطريقة التي تحاول بها مؤسسات الدولة تكديس المزيد من السلطات مع قليل من الرقابة. وفي مقاله المنشور موخرا في صحيفة “المصري اليوم”، يخالف براون الرؤية الشائعة للسياسة المصرية التي تتمحور حول شخصيات بعينها، مجادلًا بدلا من ذلك بأن المشكلة تكمن في أن السياسات محكومة بالفعل بمؤسسات، ففي عرف الفكر الديمقراطي التقليدي٬ تعد الدولة أكثر أمنًا في أيدي المؤسسات منها في أيدي الأشخاص، إلا أن المؤسسات التي تتمحور حول نفسها لا تحافظ بالضرورة على أمان الدولة أو ديموقراطيتها.

ومصر تشهد حالة دول متعددة داخل دولة٬ إضافة إلى أن هناك سلطة متزايدة داخل كل مؤسسة مما قد يفضي إلى حالة تصدع داخلي لهذه المؤسسات.

أسئلة داخل الجيش والجهاز الأمني

على سبيل المثال الجيش، بين الدعم الشعبي الواسع بعد الإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي في ٣ يوليو بأمر الجيش، وموقف مؤمن في مسودة الدستو، يبدو أن عام ٢٠١٣ يؤكد فكرة مؤسسة الجيش باعتبارها دولة داخل دولة – وهو موقف يبدو مقبولا لدى قطاعات عريضة من الشعب. فمازالت ميزانيات الجيش تناقش بشكل معزول، وفي حضور الجنرالات أكثر من المدنيين، كما أن تعيين وزير الدفاع يجب أن يحوز على موافقة الجيش لفترتين رئاسيتين، مع استمرار محاكمة المدنيين عسكريًا وكلها مستحقات دستورية مدعومة من شرائح كبيرة في المجتمع بعد أن أصبح قائد الجيش الفريق عبدالفتاح السيسي معشوق الأمة.

لكن هناك أسئلة حول مدى استدامة هذه السلطة الفائقة للمؤسسة. ففي الوقت الذي نجحت فيه القيادة الراهنة في تحصين المؤسسة من الرقابة وفازت بشعبية أكبر بعد فشل الإخوان، هل يضر عودتها مرة أخرى إلى مقدمة الجبهة السياسية بوحدتها؟

يقول روبرت سبرنجبورج، الباحث في شؤون الجيش المصري والذي يدرّس شؤون الأمن القومي في كلية الدراسات العليا البحرية في مونتيري، إنه بمرور الوقت “ستشكل الأدوار المتنوعة المتزايدة للجيش مع دوره السياسي المحوري الواضح ضغطًا أكبر عليه، وسيتضمن ذلك الضغط وجهات نظر داخلية متباينة حول كيفية التعامل مع تحديات مختلفة”.

ويوضح لـ “مدى مصر” أنه بينما تحظى “السياسة الاستئصالية” التي يتبناها السيسي برضا قوات الضباط الآن، فإنه من الممكن أن يتحول ذلك إلى سخط، خاصة إذا كان هناك مقاومة له من الخارج، مضيفًا “وقد شهدنا تقارير تكشف عن انتشار عدم الرضا بين قوات الأمن الوطني بسبب تشدد الجيش”.

إن شعبية السيسي خارج الجيش تزداد ولا يبدو ذلك مختلفًا داخله، على الأقل بين هؤلاء القريبين من سن الفريق الذي يبلغ عمره ٥٩ عامًا، إلا أن الجيل الأكبر ربما يجد لديه انتماءات أكثر تجاه الجنرال محمد التهامي، البالغ من العمر ٦٥ عامًا، المساوي للسيسي في القوة، وهو مدير جهاز المخابرات العامة الذي “يجتذب إلى حد ما الضباط المتقاعدين الآن والذين قد ينجرفوا قليلا بعيدًا عن مسار السيسي”، على حد قول سبرنجبورج.

وبالمثل، يستعيد الجهاز الأمني وتحديدًا وزارة الداخلية بطولته بعد الانسحاب في ٢٠١١ عقب الاحتجاجات الضخمة التي بدأت أساسًا ضد الداخلية، وتصاعدت حتى أصبحت احتجاجات ضد النظام.

وقد منحت زيادة الهجمات على أهداف الداخلية عقب الإطاحة بمرسى، المؤسسة ضوءًا أخضر لفرد عضلاتها بحجة الدفاع عن نفسها. فقانون التظاهر المثير للجدل الذي تم تمريره في نوفمبر، وبموجبه يحاكم نشطاء عدة الآن، يأتي رأسًا من وزارة الداخلية، وكذلك قرار الحكومة في ديسمبر باعتبار الإخوان المسلمين جماعة إرهابية.

من جانبه، يعتقد سبرنجبورج أن وزارة الداخلية تشن حملة القمع بالنيابة عن الجيش وهذا هو ما يسبب بعض الاضطراب. ويقول “مع ما يبدو أنه تمرد متزايد يستمر في اكتساب الزخم، فإن وزارة الداخلية أو بالأحرى بعض من بداخلها، سيزداد سخطهم على الجيش”.

ويجادل قائلا إن التبعية العسكرية للأجهزة الأمنية تقف ضد تاريخ طويل من وجود تلك الأجهزة الأمنية ذات السلطات الواسعة والتي ازدادت استقلاليتها منذ عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، في وقت ارتد فيه الجيش للكواليس.

قضاء قوي ومنعزل

يعتبر القضاء معقل آخر من معاقل الدولة الحصينة، تمثله مؤسساته الرئيسية، وعلى رأسها المحكمة الدستورية العليا، والمحاكم العامة ومجلس الدولة.

وبعد تاريخ قصير من التصادم مع الإخوان المسلمين حول الاستقلال القضائي، وتحديدًا المحكمة الدستورية العليا، جاءت الإطاحة بالإخوان من السياسة والتي كان القضاء أيضا لاعبا فيها والتي كان معناها استعادة هذا القطاع لبطولته مرة أخرى. فضمنت على سبيل المثال مسودة الدستور للجمعية العامة للمحكمة الدستورية العليا السلطة المطلقة في تحديد عدد القضاة بها واختيار رئيسها.

وبالنسبة ليوسف عوف، القاضي والباحث الدستوري، يعتبر هذا الإجراء “شكلًا  جديدًا من القمع القضائي”، فهو نتاج تصفية الحسابات بعد محاولة الإخوان اخضاع المحكمة لهم.

ويقول “إن هناك عزلًا  متزايدًا داخل القضاء كنتيجة فرعية لتمكينهم، فهم يشعرون أنهم أقوياء بما يكفي وبالتالي لا يحتاجون للتعاون مع مؤسسات أخرى”.

ويرى عوف ٢٠١٣ باعتباره عام الخسائر بالنسبة للقضاء وهو يربط نفسه أكثر وبشكل وثيق بالسياسة، سواء بإرادته أو نتيجة لدفعه باستمرار إلى ذلك على يد عوامل أخرى. حاليًا، تجري المعركة ضد الإخوان المسلمين في ساحات المحاكم، جنبًا إلى جنب مع دور القطاع الأمني البارز هنا، وقد كان دور القضاء هامًا في الإطاحة بمرسى، تمامًا بأهمية دور الجيش.

ويضيف “لقد فقد القضاء المصري الكثير من مصداقيته وصورته التي كان يرسخها على مدار عقود باعتباره المؤسسة المستقرة التي يجد المصريون لديها العدالة”.

بالنسبة إلى عوف، فإن كل هذا يتحول إلى سخط داخلي، خاصة داخل نفوس القضاة الشباب، وهو امتداد للتوترات بين الأجيال التي ميزت ثورة ٢٠١١، “كقضاة شباب، و أعني من هم أقل من ٤٥ سنة، نحن غير راضين تمامًا عن قلة الاهتمام بالإصلاح”. ويضيف أن هناك مبادرة لمناقشة فكرة الإصلاح الجذري داخل القطاع القضائي، لكن هذا الإصلاح الكامل لن يكون في المستقبل القريب، فالقيادة الحالية عجوزة ومقاومة للتغيير، فضلا عن حقيقة أن المشهد الراهن في مصر لن يؤدي إلى تغيير حقيقي.

ومع رضا هذه المؤسسات عن مكاسبها الراهنة، لا يبدو أن الأمر سيصب في النهاية لصالح تمكين الدولة، ربما بسبب الافتقار لمشروع سياسي يربط بينهم جميعًا للقيام بالدور المفروض للدولة.

عودة لأزمة الدولة؟

يقول هشام سلام، الباحث بمركز جامعة ستانفورد للديمقراطية والتنمية وسيادة القانون، إن أزمة الدولة ستستمر طالما هي “غير قادرة على تبرير النظام الاقتصادي والسياسي في مصر”، وهذه الأزمة موروثة منذ عهد الرئيس الأسبق أنور السادات عندما بدأت الدولة بالتدريج في التخلي عن عقدها الاجتماعي مع الشعب، بما في ذلك مسؤولياتها من الرعاية الاجتماعية طويلة الأمد.

وبناء على تحليله، فمنذ ذلك الوقت، عبرت الدولة عن نفسها بشكل أساسي من خلال كيانها الامني، ومع أزمة الثورة، اضطرت للعودة إلى الواجهة السياسية، كالانتخابات بالاعتماد على الإخوان، ومع فشل هذا التحالف والعودة إلى الكيان الأمني عادت الأزمة للظهور.

ويقول سلام “الآن تحاول الدولة تقديم مبادرة أخرى تهدف لبناء نوع من القرب بين الطبقات المهمشة اجتماعيًا وسياسيًا في المجتمع المصري. وهي تحاول ذلك من خلال استخدام الخطاب القومي غير المتماسك الذي يحاول صنع أرضية مشتركة لاصحاب المصالح التي تحكم الدولة  والمستفيدين منها من ناحية، والمحرومين اجتماعيا واقتصاديًا من ناحية أخرى”.

وعلى ضوء الإفلاس الذي تواجهه الدولة، إذ أنها لا تستطيع أن تحيي اتفاقها مرة أخرى مع المهمشين لأنها لا تملك الرفاه لتقدمه لهم، كما إنها لا يمكن أن تساند النخب لأنهم لا يملكون طريقة مضمونة لتحقيق التحول الاقتصادي، يفيض الفشل من كل الجوانب.

ويختم سلام قائلا إن “الساحة السياسية الرسمية غير قادرة أو لا تصلح لمعالجة نوعية التنازلات الطبقية الضرورية للتعايش المشترك السلمي بين الطبقات الاجتماعية في مصر”.

اعلان
 
 
لينا عطاالله 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن