
في ساحة استقبال مدرسة “جنى دان الدولية” بحي المعادي بالقاهرة، الشهادات ذات الأطر المذهبة معلقة على حائط بارز، وبالقرب من شهادة الاعتماد الدولية ووثائق التفتيش الحكومي، تقبع ملاحظة موجهة للعاملين “من فضلك امتنع عن مناقشة السياسة في المدرسة، إننا نبني مدرستنا الآن وكل ثانية مهمة”.
وفي القاعات المؤدية إلى الفناء الواسع الذي يحيط به حمام السباحة، يصطف أطفال الابتدائي بالمدرسة مبتسمين ضاحكين في انتظار العطلة، في مناخ خلقته المدرسة ومعها أولياء الأمور بحرص ويحاولون جميعًا الآن حمايته بيقظة من الاضطرابات المحيطة بهم.
مدرسة جنى دان واحدة من عشرات المدارس الخاصة التي وضعتها الحكومة ووسائل الإعلام تحت المجهر في الشهور الأخيرة، فمنذ حكم حظر جماعة الإخوان المسلمين في ٢٣ سبتمبر، انتشر الحديث عن غلق “مدارس الإخوان”.
ومن المتوقع أن يتسع ذلك الحظر، على ألا يشمل فقط العمل السياسي للجماعة، وإنما ليمتد إلى أنشطتها الدينية والاجتماعية، علاوة على أملاك وأعمال أعضائها.
واختلفت التقديرات حول عدد المدارس المملوكة للإخوان في محافظات مصر على مدار الشهور الثلاثة الأخيرة. ففي مرة، قدر عدد المدارس نحو ٦٠ مدرسة، أما القائمة الأخيرة لتلك المدارس التي تضعها الدولة تحت المجهر فوصلت إلى ١٤٧ مدرسة. وأعلنت الوزارة أنها ستقوم بترشيح مدراء جدد لتلك المدارس وإعادة هيكلة مجالس إدارتها.
من جهتها، قامت وسائل الإعلام المحلية بشن حملة جدل ونقاشات مسعورة حول التعليم المتأثر بالإخوان، وأثارت مخاوف الكثير من أولياء الأمور بشأن العنف المحتمل ضد هذه المدارس، وأصبح مديرو العديد من المدارس قلقين من التحدث إلى الإعلام، حتى لو كان ذلك دفاعًا عن أنفسهم.
وتتضمن الاتهامات الموجهة إلى تلك المدارس إجبار الأطفال على غناء “جهادي جهادي” بدلا من النشيد الوطني للبلاد “بلادي بلادي” وعلى عدم تحية العلم المصري، كما توجه إليها اتهامات بغرس الانتماء للإخوان بدلا من الوطن في نفوس التلاميذ، فضلا عن تهديدها للأمن القومي.
وقد أثير الجدل أيضًا حول كتاب مدرسي تم استخدامه في بعض المدارس في أسيوط، وطبقًا لما قاله محافظ المدينة، اللواء إبراهيم حماد، فإن الكتاب يعظم من شأن الحركة الفلسطينية “حماس”.
وتقع هذه المزاعم في خانة الخطاب المنتشر حاليًا حول الإخوان، والذي يصفهم بأنهم تنظيم دولي له أجندة ينفذها بغض النظر عن مصالح مصر، ويهدد الأمن القومي. وتتم معاملة خريجي المدارس المرتبطة بالإخوان إذا ما التحقوا بأي من المؤسسات الحكومية باعتبارهم مرتبطين فكريًا بالجماعة، وبالتالي يمثلون تهديدًا للدولة.
وبالرغم من انتشار الجدل حول المدارس الخاصة، إلا إنه لم يطل المدارس التي تخدم فقراء المصريين.
يقول أشرف الشريف، استاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أنه إذا قامت الحكومة بشن حملة على المدارس الإخوانية العامة والخدمات التي تقدمها الجماعة في أنحاء مصر، فإنها لن تستطع ملء الفراغ الذي سيخلفه ذلك. وهو تحليل شائع لنجاح الجماعة في لعب دور اجتماعي- ثقافي بدلا من دور الدولة في العقود الأخيرة.
ويضيف الشريف “الحكومة تهاجم الإخوان سياسيًا، لكنها لن تهاجم وجودهم الاجتماعي- الثقافي”.
ويمكن تفسير الهجوم على مدارس النخبة الإخوانية أيضًا باعتباره امتدادًا للحملة على استثمارات الجماعة. فبينما تكثر المطالب بغلق مدارس الإخوان، صرح وزير التعليم محمود عبدالناصر أكثر من مرة لوسائل الإعلام موضحًا أنه لن يتم غلق أية مدارس، لكن تلك المدارس التي يتبين أنها تنتهك معايير الوزارة ستوضع تحت الإشراف الإداري والمالي. ولم يتسن لـ”مدى مصر” الحصول على رد من المكتب الإعلامي للوزارة بسبب عدم الرد عليها.
وكانت نسخة أقدم من قائمة الوزارة قد تضمنت ٨٥ مدرسة إضافية، وقيل إنها استثنت المدارس الابتدائية لأنها بلا شركاء ملاك من الإخوان، وكانت منهم مدرسة جنى دان.
ويلاحظ الشريف أن الإخوان لديهم خبرة كبيرة في التصرف بشكل شبه سري “فهم يعرفون كيف يطبقون الملكية المزدوجة أو نقل الملكية عند الضرورة”.
في الوقت نفسه، كانت لميس الحديدي في برنامجها على القناة الفضائية الخاصة “سي بي سي”، تستحث وزارة التعليم على القيام بما هو أكثر، منتقدة إياها بسبب التركيز على الانتهاكات الإدارية وإرسال مفتشيها “ليذهبوا ويجلسوا في غرف الحسابات”.
وزعمت الحديدي في حلقتها المذاعة بتاريخ ١١ نوفمبر أن “الأكثر أهمية من الأسلحة المخزنة في هذه المدارس هي الأسلحة التي تزرع في عقول الأطفال”. وعبرت عن مخاوفها من خروج أجيال من مثل هذه المدارس تكره الجيش والشرطة، زاعمة أن مدارس الإخوان “قنابل موقوتة” قبل أن تطلب من الوزير أن يكون على قدر مسؤوليته ويتصرف.
وأعلنت الحديدي أسماء ٤٠ مدرسة زعمت انتمائها للإخوان.
وفي مدرسة المدينة المنورة للغات في السيوف غرب الإسكندرية، وصلت مخاوف الاستهداف إلى مرحلة حرجة، فقد تم اقتحام المدرسة في وقت متأخر من مساء يوم ٣٠ أكتوبر، وأعلنت العديد من وسائل الإعلام الحكومية والخاصة أن قوات الأمن عثرت بداخل المدرسة على أزياء مزيفة للجيش وأجهزة كمبيوتر تحتوي على خطط الإخوان لنشر الفوضى في الإسكندرية والقاهرة.
تقول هدى رشيد، أحد موظفي العلاقات العامة بمدينة المنورة، إن قوات الأمن سرقت أجهزة الكمبيوتر والأموال التي كانت موجودة في المدرسة في أثناء الغارة عليها، وأنكرت مزاعم الإعلام بشأن ملكية الإخوان للمدرسة. وتقول التقارير الإعلامية إن المدرسة مملوكة لجمعة أمين، عضو مكتب الإرشاد بالإخوان المسلمين الذي يقطن لندن الآن، لكن المدرسة تدّعي أن دوره هو المدير فقط.
“لقد كان زي الجيش جزءًا من مسرحية”، هكذا قالت مروة التي رفضت الإفصاح عن اسمها كله، والدة طفلين في مدرسة البنين وطفلة في مدرسة البنات الموجودة في نهاية الشارع، موضحة أنه “كان هناك زي الفلاح وآخر للطبيب وثالث للمهندس ورابع للضابط، كان شيئًا عاديًا للغاية”.
وتقول لبنى يوسف محمد، ولية أمر أخرى وتعمل بالمدرسة “إذا كان كل ما قيل صحيحًا، عن الأسلحة وما إلى ذلك، لكنا أول من أخرج أبنائه من المدرسة، لأن أبنائنا هم أولويتنا”.
يختلف أولياء الأمور والعاملون بالمدرسة والأطفال مع مزاعم الإعلام بشأن تشجيع المدرسين للطلاب بالتظاهر ضد الحكومة، مبررين ذلك بأن المناقشات السياسية ممنوعة تمامًا في الفصل.
يقول مازن (٩ سنوات) “نأتي إلى المدرسة لنتعلم، وليس لنتحدث في السياسة”، مضيفًا “ما يحدث في البلد لا يهمنا، لكن يهمنا ألا تغلق مدرستنا”.
وتوضح والدته، مروة، أن إخوته أيضًا قلقون من احتمالية إغلاق المدرسة.
كانت المرة الأولى التي يسمع فيها أطفال مروة ورود مدرستهم في الأخبار من زملائهم بعدها بحثوا على الانترنت لقراءة الأخبار بأنفسهم، حسب قولها. وجدت مازن يجمع شهاداته لينشرها على الانترنت دليلًا على حجم ما تعلمه، وكجزء من واجبها المدرسي في الفصل عقب الغارة، كتبت شقيقته حكاية رمزية عن طفل يواجه حاكم المدينة.
وأضافت “ما يحزنهم حقًا هو ما سمعوه من أن مدرستهم تعلمهم الإرهاب واستخدام الأسلحة”.
من ناحية أخرى، لم يكن لدى محمد قطب، مدير عام إدارة تعليمية حكومية بالإسكندرية، الكثير ليقوله بشأن الغارة. وأوضح أن “ما يحدث خارج ساعات الدراسة لا علاقة لنا به، ما يهمنا الالتزام بالمنهج وقوانين الوزارة”.
وأضاف أن “في وزارة التعليم، لا نقول مدارس الإخوان، هذا ليس مصطلحًا رسميًا”.
ترسل الوزارة لجان للتفتيش على المدارس الخاصة بشكل دوري وتقوم بالتحقيق في أية شكاوى.
يقول قطب إنهم لم يجدوا أية أدلة على حدوث انتهاكات في المدرسة، وبالتالي لم يتم اتخاذ خطوات استثنائية، مضيفًا “ما يقوله الإعلام لا يهمنا، نحن لا نرد على الشائعات”.
ولا يرى الشريف هذا التناقض بين أجهزة الدولة المختلفة، الغارة من ناحية على المدرسة ومن ناحية أخرى زيارة الإدارة التعليمية التي لم تجد أية انتهاكات، مفاجئًا.
ويوضح أن “هذه الأجندة تأتي من الحكومة ومن الجهاز الأمن الوطني، ومن المخابرات ووزارة الداخلية ومؤسسات الجيش، بالتالي تصبح وزارة التعليم هنا مجرد هيئة تنفيذية بيروقراطية”.
ظهر اسم مدرسة جنى دان في القائمة التي أعلنت عنها الحديدي في برنامجها وترددت أصداؤه في الصحافة، إذ وصفتها عدة وسائل إعلان بأنها من بين أشهر مدارس الإخوان، زاعمة أن ابنة واحد من أهم رموز الإخوان المسلمين وأكثرهم ثراءًا، خيرت الشاطر، الذي يعتبر أقوى رجل بالجماعة، هي التي تملك المدرسة. ويقول مسؤولو المدرسة إنها ولية أمر وليست مالكة وأن زوجها هو رئيس مجلس إدارة المدرسة.
وردًا على الجدل حول جنى دان، اجتمع عدد من الآباء، ومعظمهم له أكثر من تلميذ بالمدرسة، فإدارة المدرسة لم ترغب في التحدث إلى الإعلام، لكنها صرحت للجنة من أولياء الأمور بالجلوس مع والتحدث إلى مدى مصر.
يقول أحمد الجندي، مالك إحدى شركات الأدوات الطبية ووالد طفلتين في المرحلة الابتدائية بالمدرسة، “قررت أن ألعب دور المحقق وليس المدافع، لأن الأولوية لأطفالي،لأنهم عندي في المرتبة الأولى، وربما قبل الأولى”.
ذهبت مجموعة من الآباء إلى الوزارة مطالبين باجتماع مع وزير التعليم وسمح لهم في اليوم التالي بلقائه والتحدث معه. زعم اثنان من الآباء أن عبدالناصر أعطاهم ضمانات خاصة كانت مختلفة كثيرًا عن تصريحاته العلنية”.
يقول نضال صقر، أحد أولياء الأمور “فيما يخص ما سمعته من الوزير نفسه، فقد قال إنه يعلم أن هذه واحدة من أهم المدارس في مصر وهو يعلم أن النخبة ترسل أبنائها إلى هذه المدرسة، لكن المشكلة أنه يظهر على التلفزيون أو في الصحف ليقول شيئًا مختلفًا تمامًا”.
كان الأمر أبعد ما يكون عن تهدئة مخاوفهم، فالاجتماع وتحقيقات اللجنة اللاحقة التي برأت المدرسة من ارتكاب الانتهاكات زادا من غضب الآباء.
يقول صقر “احترمونا، احترموا عقولنا على الأقل”.
وبالنسبة لمزاعم الإعلام بشأن ملكية ابنة الشاطر، خديجة، أو زوجها أحمد درويش، للمدرسة، يقول الآباء إنهم رأوا وثائق تحتوي على أسماء شركاء المدرسة وعددهم ٢٤ شخصًا، ويضيفون أنهم لم يجدوا هناك أية أسماء مرتبطة بالإخوان فقط، وإنما اكتشفوا أن بعض الشركاء يعملون في المخابرات أو كانوا دبلوماسيين سابقين.
ويتهكم هشام جلال، أحد الآباء، قائلا إنه يمكن حل المشكلة فقط في حال طلاق ابنة الشاطر من زوجها. وكتب جلال في صحيفة الأهرام اليومية المملوكة للدولة يدحض المزاعم التي تقول إن الطلاب لا يغنون النشيد الوطني والأخرى المتعلقة بملكية المدرسة.
حتى لو كانت ابنة الشاطر هي مالكة المدرسة، لن تمثل تلك مشكلة، حسبما يقول الآباء. يوضح صقر “ليس لدينا تحيزات ضد أي شخص، خاصة هؤلاء الذين يفيدون المجتمع”.
ويبدو الآباء مهتمين للغاية بالرد على الاتهامات المتزايدة ضدهم، حتى عندما لا يكونون بصدد مناقشة موضوع المدرسة صراحة، مؤكدين على سبيل المثال مدى حبهم لمصر. يشير جلال، أحد المساهمين في شركة اتصالات، إلى سفرياته المتعددة من أجل العمل لتجنب نقل عائلته إلى الخارج، “كان لدي الكثير من الفرص للعمل خارج مصر لكنني رفضتها”، متحدثًا عن كيف كان يتمتع بالتعليم في مدرسة تجريبية حكومية.
هؤلاء الآباء بحثوا عن درع يحمي أبنائهم مما وصفه جلال “الحملة الإعلامية الشرسة”.
يوضح جلال أنه يتجنب الحديث عن الأمر أمام أبنائه، لكنه قلق بشأن الأوقات التي يكونون فيها مع أصدقائهم، عندها لا يستطيع حمايتهم.
ورغم أنهم جميعًا قلقون بشأن سلامة أبنائهم وبناتهم، إلا إنهم لم يضعوا في اعتبارهم نقل أطفالهم من المدرسة، وفي الحقيقة، لم يتحدث أحد من أولياء الأمور الذين تحدثت مدى مصر معهم في عدة مدارس عن رغبتهم في نقل أبنائهم لمدارس أخرى.
يقول شريف محمد، طيار في مصر للطيران لديه ثلاثة أبناء في مدرسة جنى دان “أريدهم دائمًا في هذه المدرسة، إنها حرب على هويتنا، وإذا تركناها، لن نجدها مرة أخرى”.
ويقول الآباء أيضًا إن الخيارات محدودة، فعشرات المدارس النخبوية الخاصة الأخرى تعاني من نفس المشكلة.
وقد كان مزيج التعليم الراقي والتنشئة الأخلاقية السليمة هو الذي جذب معظم هؤلاء الآباء إلى مدرسة جنى دان. فجلال يقول إنه انجذب إلى “الصبغة الإسلامية للمدرسة” وفكرة أنها “تقدم القيم الأخلاقية والروحية والدينية لأطفالنا بشكل عملي”.
ويقول محمد “السبب الرئيسي الذي يبقيني هنا هو أن أولادي يتعلمون الفضائل الأخلاقية، وليس التعليم، أرى أطفالي وهم يتصرفون كما ينبغي للمسلم، يتعلمون الأخلاق دون ضغوط ولا إجبار وهم سعداء أنهم يطبقون ذلك أمامنا”.
أما صقر، الذي يحمل أيضا الجنسية الأمريكية، فكان يبحث عن مدرسة دولية لابنته، لكنه لم يضع في اعتباره المدارس الأمريكية في القاهرة، ويشرح قائلا “لا أريد لابنتي وهي في الثامنة من عمرها أن تواعد زميلها في الفصل وهذا حقي لا أحد سيخبرنا كيف نربي أبنائنا”.
بعد تحقيقات عديدة قامت بها وزارة التعليم، يأمل أولياء الأمور أن يخبو الاهتمام الإعلامي ويقولون إنهم مستعدون لاستخدام أية وسائل قانونية سلمية ضرورية لضمان بيئة تعلم آمنة لأطفالهم.
يقول صقر “سأحارب بيدي وأسناني، لا أحد سيلمس أطفالي، ولا البيئة التي وضعتهم فيها واستأمنتها عليهم، انتهى الموضوع”.
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
أعرف أكتر