على مدار الثلاث سنوات الماضية وما شهدته من أحداث، كان ومازال انشغال أغلب المتابعين للشأن العام في مصر، بل وحتى المنخرطين فيه بلحظتهم الآنية دون أن يتوقفوا لالتقاط الأنفاس والتأمل في المشهد العام لإدراك الصورة بأبعادها الحقيقية. وللأسف، فإن ذلك الانشغال صرف ويصرف الانتباه عن استيعاب عمق “الأزمة المصرية”، وهي “أزمة” بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني، فهي شديدة التعقيد والتركيب ومن الضروري فهمها وإدراك خطورتها قبل البحث عن حلول.
ويتعين لفهم أبعاد هذه الأزمة بداية توصيف الوضع في نهايات عصر مبارك بدقة وهو ما يمكن تلخيصه على النحو التالي:
الاقتصاد المصري اقتصاد رعوي هش ومثقل بمجموعة متنوعة من الترهلات والتشوهات الموروثة من عصري ناصر والسادات، ولولا قبلة الحياة التي منحتها حرب الخليج في مطلع التسعينات وعودة العلاقات المصرية-العربية لكان الاقتصاد المصري انهار تماما.
المعادلة التي سمحت باستمرار النظام الحاكم ومصادرته للسياسة بشكل شبه كامل قامت على الحفاظ على مجموعة من مكتسبات ثورة يوليو الاقتصادية-الاجتماعية لصالح الطبقة الوسطى المصرية التقليدية في المدن بالأساس.
مع الوقت أصبح الحفاظ على هذه المكتسبات، التي تعد أساس شرعية النظام، مرهق جدا، ونتيجة لذلك حدثت مجموعة من التطورات شديدة الخطورة والأهمية.
أولا، سمح النظام بدخول لاعبين جدد للساحة الاقتصادية على حساب الدولة سواء في صورة الشركات الدولية أو القطاع الخاص الوطني، مع التحكم في الطبقة العليا الجديدة التي خلقها هذا التحول من خلال مجموعة من الأدوات كان أخطرها على الإطلاق مشاركة الأجهزة السيادية للدولة في المشروعات بشكل مباشر أو من خلال وكلاء، في محاولة لتخفيف العبء المباشر عن الدولة، الأمر الذي خلق لهذه الأجهزة مصالح اقتصادية خاصة بها.
ثانيا، كان على النظام تسديد فاتورة عالية الكلفة للحفاظ على هذه المكتسبات، وبالتالي انتهج النظام سياسة متهورة للغاية في التصرف في أصول الدولة ومواردها بعيداً عن أية معايير للرشادة الاقتصادية أو الاستدامة، وذلك للحفاظ على أساس شرعية النظام دون أدنى اعتبار للاستنزاف الشديد لموارد الدولة.
ثالثا، أدرك النظام عدم قدرته على مد مظلة الحماية الاقتصادية-الاجتماعية لقطاعات واسعة من المواطنين تمت تسميتهم بـ”محدودي الدخل”. وأخذت هذه المظلة في التآكل تدريجيا، مع محاولة النظام السيطرة عليهم من خلال الترهيب بالقمع الأمني والترغيب بالسكوت على مخالفة القانون (العشوائية).
وقد أدت هذه التطورات مجتمعة لمجموعة من النتائج كان فيها مقتل النظام بثورة ٢٥ يناير، على النحو التالي:
لم يدرك النظام أن انسحاب الدولة لصالح القطاع الخاص – كما خلق طبقة عليا جديدة تحت السيطرة إلى حد بعيد – خلق أيضا طبقة وسطى جديدة ولكنها على خلاف الطبقة العليا الجديدة خارج نطاق السيطرة. فلا هي على علاقة متشابكة المصالح مع النظام كما هو حال الطبقة العليا الجديدة، ولا هي تعتمد على النظام كما هو حال الطبقة الوسطى التقليدية، ولا هي عرضة لثنائية القمع/السكوت على العشوائية كما هو الحال مع محدودي الدخل، ومن ثم فقد تمردت هذه الطبقة على النظام وأطلقت الشرارة الأولى للثورة.
لم يدرك النظام أنه لم يستطع رغم كل محاولاته أن يقضي على هواجس الطبقة الوسطى التقليدية، خاصة وأنها شعرت بتهديد حقيقي نظراً لتسارع وتيرة التحولات الاقتصادية-الاجتماعية التي باتت تهددها بشكل مستمر، كما فات النظام أيضا أن السواد الأعظم من الشعب – محدودي الدخل – لديه من المظالم ما يكفي ويفيض لدعم إسقاط النظام. ولذلك سرعان ما تحولت الشرارة الثورية التي أشعلتها الطبقة الوسطى الجديدة إلى موجة عالية جداً، اعتلاها الملقبون بمحدودي الدخل لتجتاح كل التحصينات الأمنية وغيرالأمنية التي بناها النظام.
أما أخطر النتائج التي عجلت بتوجيه الضربة القاضية للنظام هي المصالح الاقتصادية الخاصة للجهات السيادية المشار إليها سلفاً. فبسعيه للتحكم في النشاط الاقتصادي بشكل غير مباشر ومع انسحاب الدولة وانحسار دورها المباشر، قد خلق النظام لدى الجهات السيادية وخاصة الجيش مصالح اقتصادية خاصة بها استلزم الحفاظ عليها التضحية بالنظام نفسه.
وإذا تأملنا المشهد الآن – بعيداً عن “شوشرة” الحقبة الإخوانية على الأحداث – نجد أننا إزاء أزمة مكتملة الأركان كالتالي:
النقطة الأولى والأهم تتمحور حول الاستنزاف المرعب لموارد الدولة – خاصة بعد الثلاث سنوات الأخيرة التي تردت فيها الأوضاع الاقتصادية بشكل كبير – بحيث لم يعد من الممكن على الإطلاق الاستمرار في المحافظة على مكتسبات ثورة يوليو الاقتصادية-الاجتماعية لصالح الطبقة الوسطى المصرية التقليدية في المدن، وأصبح من اللازم – حتى لا ينهار الاقتصاد تماما – أن ينحسر دعم الدولة لهذه الطبقة على نحو يهدد بتمردها. وهذه إشكالية شديدة الخطورة لأن أي نظام جديد يبحث عن التأسيس لشرعية جديدة، من الصعب بل ويكاد يكون من المستحيل عليه أن يواجه مثل هذا التمرد.
ثانياً، نلاحظ أن الطبقة الوسطى الجديدة التي أطلقت شرارة ثورة ٢٥ يناير لم يتم استيعابها في العملية السياسية، بل إنها مرشحة لمزيد من التهميش السياسي في حقبة ما بعد ٣٠ يونيو، ويضاف إلى ذلك تردي الأوضاع الاقتصادية التي أصابتها بشكل موجع، مما يجعلها أيضا مرشحة للتمرد على أي نظام جديد لا يستوعب ما تراه طموحات مشروعة.
ثالثا، فإن أوضاع محدودي الدخل زادت وتزيد سوءاً على سوء، وهم عرضة للانفجار بشكل غير مسبوق في أي وقت.
رابعا، نحن بصدد حالة سياسية تفتقر فيها الجهات السيادية إلى رابط حقيقي، حيث أصبح لكل منها مصالحها الاقتصادية وأجندتها الخاصة التي تجعلها عبئا إضافيا على أي نظام جديد يتشكل وحتى لو كانت مكونا رئيسيا فيه.
في ظل ما تقدم، نجد أن الأزمة المصرية أكبر من قدرة أي نظام جديد على الحل، فكل خطوة تتخذ في أي اتجاه لحل الأزمة – بدلاً من مجرد إدارتها أو تسكينها – تهدد بضرب النظام الجديد الهش أصلاً بحكم حداثة تكوينه وضعف شرعيته في مقتل، كما أن مجرد تسكين الأزمة لم يعد ممكنا لأن استمرار الأوضاع على ما هي عليه يزيدها تردياً ويزيد الدولة ضعفا على ضعف، بحيث أن الخيار حقا هو خيار بين السقوط بالضربة القاضية أوالخسارة بالنقاط.
لذلك، فإن النظام الجديد الذي يستطيع أن يخرج مصر من أزمتها من اللازم أن يأتي معبرا عن توافق سياسي ومجتمعي واسع يمنحه القدرة على أخذ مبادرات شديدة الجسارة في توقيتات شديدة الحساسية، وفي نفس الوقت ينبغي أن تكون لديه القدرة على صياغة خطاب سياسي يلقى قبولا واسعا يسمح له بمواجهة مقاومة شديدة متوقعة لهذه المبادرات ويجعل قطاعات واسعة من الجماهير تتقبل تضحيات كبيرة من أجل إنجاح مشروع جاد للعبور بمصر من أزمتها، وقبل كل ذلك ينبغي أن تكون لدى كوادره قدرات فنية خاصة في الملف الاقتصادي تمكنه من أخذ المبادرات السليمة في الوقت المناسب استغلالا لهذا التوافق ولهذا الخطاب.
وبطبيعة الحال، فإن نظام الإخوان افتقر تماما لهذه العوامل، فكان فشله حتمي، سواء عجل بمؤامرة أو لم يعجل، وكذلك فإن النظام الذي بدأت معالمه تتشكل الآن يفتقر لهذه العوامل بشكل مماثل – قد يكون أفدح أو أهون – وفشله حتمي هو الآخر ولو بعد حين، خاصة وأن مصر الآن ليست أكبر من أن تفشل (بمعنى أن النظام العالمي/الإقليمي لا يحتمل فشلها) بل إنها أكبر من أن تنقذ (بمعنى أن النظام العالمي/الاقليمي ليس لديه الاستعداد – من فرط ارتفاع الفاتورة – أن يمنعها من الفشل ما لم تنقذ نفسها بنفسها أو على الأقل تبدأ في ذلك).
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
أعرف أكتر