التعلم من القاهرة
 
 

في أبريل الماضي، التقى مجموعة من الناشطين، والأكاديميين، ومهندسي العمارة وهؤلاء المهوسين بشكل أو بآخر بفشل ومستقبل المدن الكبيرة، في الجامعة الأمريكية بالقاهرة لمؤتمر امتد لثلاثة أيام. وتم تجميع نتائج الاجتماع في كتاب صدر حديثًا بعنوان “دروس من القاهرة: آفاق عالمية ورؤى مستقبلية” عن (مختبر عمران القاهرة للتصميم والدارسات “كلستر” والجامعة الأمريكية، ٢٠١٣).

يعتبر الكتاب تسجيلا أنيقًا لمحادثة واسعة الاختلاف، فقد ناقش المشاركون العلاقة بين الثورة السياسية والبيئة المعمارية، والحاجة إلى تخطيط المدينة التي تشكلها المجتمعات المحلية، بدلاً من فرض المصالح البعيدة لمسؤولي الحكومة ورجال الأعمال عليها.

سأل جوتام بان، من المعهد الهندي للمستوطنات الإنسانية “ما الذي يعنيه محاولات العمل الجماعي ليكون بديلاً للحوْكمة اليومية؟” وتساءلت كلير دايفز عما إذا كان لمدينة كالقاهرة عُمر محدد، وما إذا كانت ذات يوم، “مثل نجمة محتضرة، ستنفجر من تلقاء نفسها.”

وغالبًا ما كان المشاركون يتصارعون مع السؤال عن كيف أدى الاحتلال الدرامي لميدان التحرير في ٢٠١١ والطرق الجديدة التي أكد بها المصريون حقهم في المدينة في الشهور التي تلت ذلك سواء بالاحتجاجات أو بالمشاريع المجتمعية الأساسية أو فن الشارع، إلى إعادة تكوين العلاقة غير المتوازنة بين السكان والسلطات.

مثل هذا الجدال كان منتشرًا على مدار الثلاثة أعوام الماضية على مواقع إلكترونية منها “مشاهد القاهرة” وصاحبه محمد الشاهد، وموقع “وزارة الإسكان الظل” وصاحبه يحيى شوكت.

تم تحرير كتاب “التعلم من القاهرة” على يد ماجدة مصطفى، وعمر نجاتي، وبيث سترايكر. نجاتي وسترايكر هما المؤسسان لمشروع “كلستر“، مختبر عمران القاهرة للتصميم والدارسات، وهو مشروع، ضمن مشاريع ممتازة أخرى، يقدم مكتبة مفتوحة للعمارة والتخطيط الحضري بالإضافة إلى خريطة تفاعلية للأحداث والمبادرات في أنحاء القاهرة.

وقد ألف الاثنان أيضا ونشرا كتابًا صغيرًا بعنوان “أرشيف المدينة المتغيرة: المشهد الحضري المتغير للقاهرة منذ ثورة ٢٥ يناير” (كلستر، ٢٠١٣). الكتاب موجز ومصور ببراعة، وهو ضروري للمهتمين برؤية القاهرة من منظور جديد وبقضية العشوائية.

حوالي ثلثي سكان القاهرة الكبرى وعددهم ١٨ مليون نسمة تقريبًا يعيشون في مساكن غير رسمية، أو ما يطلق عليها “العشوائيات”، وهي مباني بالطوب الأحمر تكاثرت بمعدل مذهل منذ الستينات. بنيت العشوائيات بشكل غير قانوني على الأراضي الزراعية والمسافات بينها ضيقة للغاية لا تسمح بمرور ضوء الشمس أو وجود مساحة خضراء أو طرق يمكن المرور بها، لكنها تعتبر الشكل الأفضل للمسكن القادر عليه ماديًا ملايين القاهريين الذين تركوا لتدبير أمورهم بأنفسهم وهذا هو ما استطاعوا فعله. وكما يقول ديفيد سيمس في كتابه المنشور ٢٠١٢ وعنوانه “فهم القاهرة: منطق مدينة لا يمكن السيطرة عليها”، فإن هذه الأحياء تمثل نماذج من الكفاءة، فيما يخص الكثافة والقرب من العمل.

يتآمر مسؤولو المدينة في البناء غير القانوني للعشوائيات وبالتدريج تمتد المرافق الأساسية لهذه المناطق، لكنهم يستمرون في التعامل مع معظم المدينة باعتبارها غير شرعية. وقد أظهر مخططو المدن تحيزًا فاحشًا نحو ١٣٪ من القاهريين الذين يملكون سيارة، بالتركيز على المدن الصحراوية الجديدة والضواحي كحل لمشكلة الازدحام الشديد للمدينة. ويقول كريم إبراهيم وديان سينجرمان في كتاب “التعلم من القاهرة” إن خطة مبارك للقاهرة ٢٠٥٠ كان من المفترض أن تنقل مئات الآلاف من سكان القاهرة الفقراء من القاهرة المركزية لإتاحة المكان للمباني الشاهقة بطول النيل (وهو “ما يصنع نسخة مسخ من دبي” كما قال عنه كريم إبراهيم وديان سينجرمان في “التعلم من القاهرة”).

ويرى نجاتي وسترايكر أن ما حدث في يناير ٢٠١١ كانت نتيجة “لعقود من مَدينة الظلم”، وما حدث بعد الثورة كان الانهيار المؤقت لقبضة الدولة الثقيلة، للأفضل أو للأسوأ. فقد قام أحد الأحياء العشوائية بخطوة غير مسبوقة عندما ربط نفسه بالطريق الدائري للقاهرة من خلال بناء ممر منحدر خاص به. واستغل آخرون الفوضى من خلال التصرف بطريقة أقل حضارية، من ارتكاب جرائم صغيرة وحتى ركوب الدراجات البخارية على الأرصفة.

ومن ضمن حالات الدراسة المتضمنة في “أرشيف المدينة المتغيرة” تكاثر أعداد الباعة الجائلين في شوارع وسط البلد بالقاهرة، حيث يحتلون الأرصفة والشوارع، يصدون العمل عن المحلات ويبثون الموسيقى من سماعاتهم. وتستمر القضية في إثارة جدل كبير وفي اختبار مواقف الناس السياسية وتحيزاتهم الطبقية. فبالنسبة للبعض، يمثل الباعة الجائلون الفوضى المرعبة للطبقة الدنيا (ومن الغريب أن مستوى رفض وجود هؤلاء الباعة يماثل أضعاف رفض سيارة مرسيدس تحتل مساحة ثلاث سيارات متوقفة). وبالنسبة لآخرين، فالباعة هم “الناس” الذين يكافحون من أجل لقمة العيش ويتحدون سلطة الدولة.

ويكشف فريق عمل “كلستر” الوصم الظالم لعشوائية الطبقة الدنيا وفي نفس الوقت لا يستغرق في سرد محاسن كل مثال من الناس الذين يطالبون بكل جزء من هذه المدينة المزدحمة التنافسية حيث لا يعتبرونه نوع من الحراك السياسي المثير للإعجاب. فتناولهم للموضوع يتسم بالتعاطف لكن في الوقت نفسه بالتجريبية، وقد قاموا بقياس نسبة الرصيف المحتل في وسط البلد بالقاهرة من الباعة الجائلين ووجدوا أنها ٦٤٪، ورسموا خريطة توضح من أين تبدأ المسيرات إلى ميدان التحرير عادة، وقاموا بفهرسة المنتجات المختلفة المباعة هناك (من غزل البنات إلى أقنعة الغاز وحتى الوسادات التي تباع عادة خلال أيام الاعتصامات).

استخدموا تقنية تصوير الوقت الفاصل لتوثيق عملية تطور أكشاك عرض الرصيف خلال اليوم، وقادوا بطول الطريق الدائري موثقين أماكن وقوف الميكروباص وأكشاك الشاي وورش الميكانيكا والسلالم التي صنعها السكان المحليون هناك الذين طوقهم الطريق السريع لكنه لم يخدمهم.

هذا التوثيق، حسبما كتبوا، جاء تحسبًا لأي خطوات محتملة لوضع نظام تصحيحي، لكنه لم يتحقق بعد. من المحتمل أننا يجب أن نضع في الاعتبار أن وجود مستوى معين من عدم النظام، وفيه يتورط السكان جميعهم في درجة من عدم الشرعية، ويصبح الحصول على خدمات قائم على درجة قربهم المختلفة من السلطة المركزية، هو جزء من كيان الاستبداد.

إن الاختلال الوظيفي للقاهرة يوازي مباشرة سوء الحكم في البلاد، والتخصيص غير العادل للموارد والقوى المركزية غير الخاضعة للمحاسبة (فأهم القرارات يتم اتخاذها في مكتب المحافظ). العشوائية هي سمة المدينة بأكملها، فالنمو والزيادة غير القانونية موجودين في كل الأحياء، أما الضواحي الصحراوية الجديدة فهي نتيجة لصفقات الأراضي المراوغة المتنازع عليها في المحاكم. الكل يشكو من افتقاد النظام، لكنه يلتف حول القوانين ليعيش. والأسئلة الأساسية المتعلقة بتخطيط المدينة والتنمية، من يملك الأماكن العام؟ وكيف نستطيع أن نوازن بين احتياجات كافة المواطنين؟، كلها أسئلة مشحونة بالتضمينات السياسية.

من الصعب رؤية حل لتحديات العاصمة الضخمة دون تغيير في النظام السياسي الذي سيبدأ على سبيل المثال بانتخاب المجالس المحلية ووجود قوى لصنع القرار الحقيقية والرقابة على ميزانياتها.

وفي الوقت نفسه، يمكن للبحث والمشاريع الموثقة في هذين الكتابين أن تشير إلى طرق واعدة جديدة أفضل لرؤية القاهرة ومشاكلها والتفكير في احتياجات سكانها، فوجهة نظرهم هي الاستماع إلى صوت المدينة بدلا من الصراخ في وجهها بلا فائدة لتحسن السلوك.

اعلان
 
 
أرسولا ليندزي