معركة من؟
 
 

في المعارك التي تجري في ساحات الحرم الجامعي بين الطلاب وقوات الأمن، والتي ترمز إلى المشهد السياسي الراهن في مصر، يأخذ الأكاديميون مواقف متباينة، ويدور الجدل حول تأثير هذه المواقف على سير الصراع.

ففي جامعة القاهرة، يتخذ أعضاء هيئة التدريس موقفًا مختلفًا بشكل ملحوظ عن بقية الجامعات، فقد أدان جابر نصار، رئيس الجامعة، بشدة عنف أجهزة الأمن بعد مقتل محمد رضا، طالب الفرقة الثانية بكلية الهندسة بجامعة القاهرة.

مات رضا بسبب رصاص يقال إن الشرطة هي من أطلقته عليه في ٢٨ نوفمبر أثناء اشتباكات بين الأمن والطلاب المنتمين للإخوان المسلمين، الذين حولوا حرم الجامعات إلى ساحة جديدة للمعركة ضد الحكومة الانتقالية المدعومة من الجيش. وبالرغم من الإنكار المستمر لوزارة الداخلية، فقد أكدت لجنة التحقيق التي شكلها نصار أن الطالب قُتل على يد الشرطة.

وفي كلية الهندسة، قدم العميد شريف مراد ونوابه استقالاتهم احتجاجًا على ما وصفوه بالفشل في حماية الطلاب من انتهاكات الشرطة. وقد قام أعضاء هيئة التدريس باحتجاجات تضامنًا مع حركة الطلاب ضد وحشية الشرطة، مطالبين بالقصاص لمقتل رضا. وقال أعضاء هيئة التدريس، الذين تنتمي أغلبيتهم إلى حركة ٩ مارس لاستقلال الجامعات، إن أي تدخل من الشرطة يأتي على حساب الحريات الأكاديمية.

تاسست حركة ٩ مارس منذ ١٠ سنوات متحدية قيود نظام حسني مبارك على استقلال الجامعات والحريات الأكاديمية. وفي ٢٠١٠، فازت الحركة بحكم تاريخي من المحكمة ينهي وجود الأمن في حرم الجامعي، ورغم أن وزارة الداخلية طعنت على الحكم، فقد أكدت المحكمة الإدارية العليا عليه، ولم يتم تطبيقه إلا بعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١.

لكن المشهد مختلف في جامعات أخرى.

ففي جامعة الأزهر، طالب أسامة العبد، رئيس الجامعة، الشرطة بالتدخل عدة مرات ودخول الجامعة لفض الاحتجاجات التي قام بها الطلاب المنتمون إلى الإخوان، على الرغم من مقتل الطالب عبد الغني حمودة في جامعة الأزهر في نوفمبر. أما الجامعات الأخرى، منها على وجه التحديد جامعة المنصورة، فتسمح دائمًا للشرطة بالتدخل.

تفاقم الوضع في حرم الجامعات خلال هذا الفصل الدراسي بسبب قرار من المجلس الأعلى للجامعات يمنح حق الضبطية القضائية للأمن الإداري بالجامعات وتم التراجع عنه بعد ذلك، وألقي القبض على عشرات الطلاب مع زيادة الاحتجاجات في الأسابيع القليلة الأخيرة.

وقال هاني الحسيني، أستاذ الرياضيات بجامعة القاهرة وعضو حركة ٩ مارس، لـمدى مصر، إن أعضاء هيئة التدريس يقومون بمناقشات مفتوحة مع الطلاب لنقل الخبرة إليهم في كيفية التعامل مع وحشية الشرطة والدفاع عن حريات الحرم الجامعي، فهم في النهاية متورطون مثل طلابهم في الأمر، لكنه أشار إلى أن هذا الحس من المسؤولية ليس مشتركًا بين كل أعضاء هيئة التدريس.

وأضاف ” معظم أعضاء هيئة التدريس لا يريدون التدخل في الأمر، متخيلين أن قوة خارجية ما هي التي يجب أن تتدخل لإنهاء الأزمة، إنهم ينتظرون قرارات رئيس الجامعة، بينما يعتقد آخرون أن تدخل الشرطة هو الحل الأمثل”.

وبالنسبة لأحمد عبد ربه، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، فإن دعم أعضاء التدريس لقضية الطلاب مهم، لأنه يمنح القضية قيمة أكبر ويعطي “إحساسًا بأن القضية أكبر من مجرد غضب لطلاب صغار”.

وبالفعل يمثل السن عاملًا مهمًا في دعم أعضاء هيئة التدريس، كما يقول عبدالرحمن ناصر، رئيس اتحاد الطلاب في كلية الهندسة بجامعة القاهرة، “فمعظم الأساتذة الذين دعموا إضرابنا كانوا صغار السن، أغلبهم من المدرسين المساعدين والأساتذة الذين تتراوح أعمارهم بين الأربعينات والخمسينيات، وهؤلاء هم الأكثر تعطشًا للتغيير”، على حد قوله.

أوقف طلاب كلية الهندسة الدراسة احتجاجًا على مقتل رضا، مجبرين إدارة الجامعة على إعلان وقف الدراسة رسميًا.

يوضح ناصر “لدينا أساتذة أعمارهم في السبعينات والثمانينات، ونحن بالنسبة لهم مجرد أطفال مجانين غاضبين يجب تأديبنا، وهو نفس الصراع في المشهد السياسي الأكبر، فالأجيال الأكبر لا تستطيع أن تفهم الأجيال الأصغر أو طموحاتها”.

لكن بعيدًا عن موقف عبد ربه الذي يتسم بالايثار، يظل دعم أعضاء هيئة التدريس الآخرين حجر زاوية في حماية الحريات الأكاديمية التي لا يستطيعون بدونها العمل. فقد أصدرت مجموعة من الأكاديميين في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وهي جامعة خاصة، بيانًا في ديسمبر يدين ممارسات الشرطة في حرم الجامعات، رابطين مبدأ وجود الأمن في الحرم الجامعي بمسألة الحريات الأكاديمية الأشمل التي تتجاوز الجامعات الحكومية.

يقول البيان “إن أمن واستقرار البلاد مرتبط باستقلال جامعاتها، وليس هناك ضامن للأمن والاستقرار دون وجود فضاء مفتوح يمكن فيه تقديم الأفكار بحرية ويسمح لنا فيه بالعيش معًا باختلافاتنا”.

أما في الجامعات الحكومية، فربما يتسبب هذا الدعم في الاشتباك مع إدارات الجامعة.

يشرح الحسيني “أحيانًا نحتاج إلى الهجوم على إدارات الجامعة لأن كثير منها تدعم بصراحة التدخل الأمني، بينما في حالات أخرى، ننسق مع الإدارات للتأكيد على تطبيق حلول أخرى”.

ومع استخدام الإخوان المسلمين حرم الجامعة في معركتهم ضد إقصائهم سياسيًا، والتي بدأت بالإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي في 3 يوليو، فقد أصبح دعم أعضاء هيئة التدريس للحريات في الحرم الجامعي في خطر.

تقول مديحة دوس، الأستاذة بكلية الآداب وعضو حركة ٩ مارس، إن “طلاب الإخوان المسلمين يهيمنون على كل حركة يقوم بها الكيان الطلابي من أجل الحصول على مكاسب سياسية، وفي بعض الأحيان، يصعدّون الأمر ضد الشرطة، مما يجعل تدخل الشرطة حتميًا، وكلنا رأينا ماذا يحدث عندما تتدخل الشرطة”.

بالنسبة إلى دوس، فالتحدي الحقيقي يكمن في توجيه غضب الطلاب نحو الضغط على إدارات الجامعات لكي لا تستعيد الحلول الأمنية، بدلا من محاولة جمع مكاسب حزبية سياسية، لكن ذلك التحدي ليس سهلا، بالنظر إلى البيئة السياسية العامة المحيطة بمعارك الجامعة الراهنة.

يقول الحسيني “لا أعتقد أن لدينا حلول سحرية للصراع وسط الموقف الراهن المتفاقم، فلن نستطيع تحويل الجامعات إلى مهد السلام وسط موقف متأزم قوميًا”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن