التصويت بـ”نعم” والتأييد من الله

أكثرنا يعرف الآن أن أصحاب شرارة الخامس والعشرين من يناير كانوا قلة من الشباب الحالم المثالي الذي يؤمن بمبادئ عالمية لا تتجزأ، وأن هذه الكتلة التي يرى البعض أنها ضمير بلادنا الحي لم تستطع يوماً أن تؤثر في مسار الأحداث. ولكن ماذا سيحدث لهذه الفئة وطاقاتها إذا ظل كل رمز من رموز الوطن تتعلق به يتحطم ويخالف الظنون؟

كان آخر هذه الرموز فضيلة العلامة مفتي مصر السابق الشيخ علي جمعة. وكانت السلسلة قد بدأت بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي أعقب حماية الثورة والانحياز للشعب بقرارات شديدة السوء ومواجهات دموية، ثم جاء الإخوان المسلمون الذين قبِل قطاع كبير من الشعب بإعطائهم الفرصة لعلهم ينتصرون للثورة ويخدمون المصريين بلا استثناء. غير أنهم لم يظهروا سوى الغرور والالتزام بأولويات منتكسة، شقت صف المصريين كما لم يشق من قبل. ثم جاء أخيرا قائد مغوار برز في أعين المصريين ونال حب أكثرهم لكنه أتبع البطولة بالظلم، وغلّب الإطاحة الكاملة على المصالحة الشاملة، والتضييق على الاستيعاب.

وعلى الرغم من شبه اعتيادنا لتلقي الضربات المعنوية إلا أن فضيلة الشيخ علي جمعة يمثل عمقا جديدا للحالمين. فهذا الرجل لا يجسد ملكات علمية وذهنية مبهرة وشديدة الندرة فحسب، لكنه كذلك يدعو إلى المساواة والتعايش استنادا إلى الإسلام النبوي الأصيل المنتقل من صدر عالم إلى عالم عبر القرون. ولا يمثل الشيخ علي جمعة أبدا الدين المكتسب من السطور والمتأثر بالهوى والشح. وهذا الرجل له نشاط منقطع النظير في الحوار بين الأديان والحضارات ومن بين ما عرف عنه الصداقة التي جمعت بينه وبين كبير أساقفة كانتربري السابق روان ويليامز. وهو كذلك صاحب العقل المدبر والجهد المخلص الذين يقفان وراء مؤسسة مصر الخير التي قدمت للمصريين ولا زالت تقدم الكثير والكثير في مجالي العمل الخيري والتنمية الاجتماعية. الخلاصة أن عطاء الشيخ علي جمعة في مختلف الدوائر والمجالات عظيم وواسع ولا يمكن حصره وإن حاولنا.

ولهذا عظمت الصدمة. للأسف طل علينا فضيلة الشيخ علي جمعة الأسبوع الماضي بعبارة ادعاها سابقوه من الإخوان والسلفيين على هيئتها المتطابقة، فقال إن من يخرج للاستفتاء ويقول “نعم” للدستور فهو مؤَيد من الله. يا الله، كم تألم البعض لسماع هذه العبارة منه. 

المثاليون المحبون للشيخ يدركون أنه يصدق ما يقول ومقتنع به، فما من تفسير آخر للمشاعر التي غلبت عليه حين قالها وربما الدموع كذلك. ولكن ما يحير العقل والفؤاد هو هذا السؤال، أيمكن أن يكون قد غاب عن ذهن الشيخ علي جمعة أن هذه القناعة وإن توفرت لديه فقد توفرت لسابقيه كذلك عندما قالوا بذات العبارة؟ وعندما سخطنا عليهم جميعا للإقدام على مثل هذا الادعاء؟ وحتى إن كان مقتنعا تماما بأنه على الصواب وهم على الخطأ، ألا تستدعي الحكمة البسيطة جداً أن يتورع عن التلفظ بهذه القناعة لمجرد التشابه والتطابق بينها وبين ما قاله السابقون واعترضنا عليه لأنه تسييس للدين وافتراء على الله؟ أليس هذا بسبب كاف؟

أكثرنا يدرك، ومن بيننا الشيخ علي جمعة، والله أعلم، أن من ناصر فرق الإسلام السياسي في العملية الديمقراطية كانوا مصريين حسني النية، استجابوا للدعوات ظنا أنها الصواب وأن التلبية هي الواجب، وليس لأنهم يكرهون من يخالفهم الرأي أو العقيدة أو أنهم يريدون إيقاع الظلم على أحد من الناس. كلنا يدرك أن شعبية فرق الإسلام السياسي تعود إلى أسباب اقتصادية واجتماعية وأن الناس لا يعرفون ما يميزون به بين منهج العلم المنضبط والمستقيم، وبين العلم الذي اختلط بالهوى ولم يعبأ بالأسانيد والإجازات. 

ألا يدرك فضيلة الشيخ علي جمعة أن مصر تحتاج إلى التفاف هؤلاء المصريين حسني النية حوله هو وحول منهجه الأصيل، وليس أن ينفضوا من حوله؟ أليس هذا هو السبيل إلى مكافحة التطرف الفكري والانحراف المنهجي إن كنا سنصل ببلادنا إلى طريق الازدهار على أسس العدالة وتساوي الفرص لكل أبناء الوطن؟ ألا يتضح إذا أنه لهذا الغرض ينبغي أن يمتنع تماما عن أي شيء وكل شيء سيصرف عنه المزيد من المصريين حسني النية؟

إن العلاج الوحيد الفعّال للتطرف الإسلامي هو إظهار أهمية وقيمة أمثال الشيخ علي جمعة وزيادة شعبيتهم ومدى تأثيرهم. وأي معالجات أخرى فلن تأتي إلا بنتائج عكسية، لأن محاربة الفكر لا تكون إلا بالفكر، أما التضييق والملاحقة فلن يضطروا أصحاب هذا الفكر إلا إلى مواصلة العمل المستتر وستظل أفكارهم تجد من يؤيدها لأنها اقترنت بمكافحة الظلم. وإن زيادة دعم وشعبية أمثال الشيخ علي جمعة ليس من شأنها أن تعود على مصر وحدها بالنفع وإنما على العالم أجمع.

لقد أصبح من الصعوبة البالغة بمكان أن يفهم شباب مصر الحالم ما يحدث في مصر بين يوم وآخر وما يصدر عن قياداتها، لكن التفاؤل الواقعي لابد أن يستمر. ينبغي على المصريين أن يسعوا وراء ما يوحد صفهم وأن يحددوا المبادئ والقيم التي نحتاج جميعا إلى الالتفاف حولها، لعلنا حينها نرى النور.

اعلان