
يسير الآلاف من مؤيدي الرئيس المعزول محمد مرسي، وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين بمسيرة في حي مصر الجديدة. تتقدم المسيرة مجموعة من المتظاهرات يقدن الهتاف، ويغنين أغاني مجموعات الأولتراس المعروفة بمهاجمتها الشديدة لقوات الأمن، ويطلقن الشماريخ. مجموعة من الإخوة يتحركون حول المسيرة، ويوزعون زجاجات المياه على المتظاهرين.
يعكس المشهد تغيرا واضحا في أدوار الرجال والنساء داخل الجماعة المغدورة.
فبالنسبة للدكتورة وفاء حفني، حفيدة مؤسس الجماعة حسن البنا ورئيسة شعبة النساء في مدينة نصر، فقد كان هناك فرقاً شاسعاً بين ما تربت نساء الإخوان داخل الجماعة على فعله، وبين ما أثبتت الأيام قدرتهن على فعله.
تحكي وفاء أن الأخوات دوماً ما قيل لهن أنهن غير قادرات على عمل الكثير من الأشياء، “ولكن حينما اشتدت بهن المحنة فعلن كل ما قيل لهن أنهن لا يستطعن فعله، وأثبتن أنهن مثل الرجال”.
شهدت الكثيرات من الأخوات مقتل أو إصابة أو اعتقال زوج أو أب أو أخ أو ابن بعد عزل مرسي، وخاصة بعد الفض الدموي لاعتصامي رابعة والنهضة، في أغسطس الماضي. منذ ذلك الوقت وجدت الأخوات أنفسهن مجبرات على القيام بأدوار ومهام بكل استقلالية عن كل الجبهات، أدوار لم يقمن بها من قبل ولم يتخيلن القيام بها يوما.
وجدت الأخوات أنفسهن مضطرات للقيام بكل متطلبات بيوتهن وحدهن، وجدن أنفسهن مجبرات على الخروج للعمل أو الإشراف على أعمال أزواجهن، بالإضافة إلى المشاركة اليومية في التظاهرات المطالبة بالقصاص لزوجٍ قتيل أو ابنٍ معتقل في غياهب السجون.
عزة عبد الرحمن، أمينة المرأة بحزب الحرية والعدالة – الذراع السياسية للإخوان المسلمين – بالمعادي، مثال حي للمرأة الجديدة داخل الجماعة المغدورة. اعتقل زوجها محمد عبد القادر من منزله، وهو أحد القيادات الوسطى بالجماعة بعد فض اعتصام رابعة.
وجدت الأخت نفسها بعد اعتقال عائلها الوحيد، الذي كان يعمل موظفاً بشركة خاصة، الأم والأب لأبنائها الثلاثة. حيث حكت لمدى مصر أنها دوماً ما شعرت أنها “محمية”. حيث اعتاد زوجها المعتقل على الوفاء بكل متطلبات منزلهما الصغير، من شراء متطلبات المنزل إلى دفع مصاريف دارسة أبنائهما، بالإضافة للوفاء بكل المتطلبات المالية لها ولأبنائها، “لم احتج يوماً للخروج من المنزل للوفاء باحتياجات منزلي”، هكذا حكت الزوجة.
الآن، تفعل عزة كل شيء اعتاد زوجها على عمله، بالإضافة إلى المشاركة اليومية بالمظاهرات، “وإذا طال الأمد بزوجي في السجن فقد أضطر للبحث عن وظيفة”.
أكدت وفاء أن ما يحدث هو تغير جذري عما اعتادت عليه الأخوات داخل الجماعة، فقد حرص الإخوة على نهج أسلوب الحماية في التعامل مع الأخوات، حيث دوما ما كان العمل السياسي تهديداً واضحاً لأمن الأخوات.
وتؤكد الدرداء فتحي، وهي مؤيدة شابة للإخوان تعرفت على الجماعة بسبب انتماء خالها لها، أن الإخوة انتهجوا أسلوباً “مغالياً في الحماية” مع الأخوات، حيث “كان الأخوة يخافون من احتمالات تعرض النساء للاعتقال والإهانة. اعتقد أن هذه طبيعة عامة في الشعب المصري وليس الإخوان فقط”.
الدرداء، وهي خريجة كلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر أكدت أن خالها منعها ونساء العائلة من التظاهر قبيل فض اعتصامي رابعة والنهضة، “دوما ما أخبرنا بأنه لم تأت التكليفات من القيادات بنزول النساء، أغضبنا ذلك كثيراً”.
ولكنها عادت وأضافت أنه بعد اعتقال معظم قيادات الجماعة فإن “المجال أصبح واسعا للنساء –وللجميع- للعمل بكل حرية واستقلالية”.
وتحكي وفاء عن محاولات الأخوات الإصلاحية لتحسين أوضاعهن داخل الجماعة المحافظة، إلا أن الأزمة الحالية دفعتهن أكثر للمضي قدماً في مشوارهن نحو خلق أدوار أكثر تأثيراً “فالأخت التي فقدت زوجاً وأخاً وأباً وابناً لن تظل صامتة مستكينة”.
وأضافت وفاء أن حادثة الفض العنيف لاعتصام رابعة جعل الأخوات أكثر رغبة في المشاركة السياسية، “خاصة بعد أن استطعن أن يخرجن لأول مرة في مسيرات نسائية منظمة ومعدة بالكامل بسواعد الأخوات”.
وجود أكبر ومواجهات أعنف
كثيراً ما برر إعلام الدولة أن التواجد القوي للأخوات مؤخراً في مظاهرات الإخوان، ما هو إلا محاولة من قيادات الجماعة للتستر خلفهن واستخدامهن كدروع بشرية، وزادت هذه الادعاءات قبيل فض اعتصامي رابعة والنهضة. لكن تقرير مركز نظرة للدراسات النسوية أكد أن نسبة القتلى من النساء بعد فض اعتصام رابعة لم يتجاوز ١.٩ بالمائة من إجمالي أعداد القتلى، وهو ما ينفي بشكل قاطع أي احتمالات لاتخاذ النساء كدروع بشرية.
في الحقيقة، فإن العنف ضد الأخوات مارسته الدولة نفسها بعد أن أصبحت الأخوات هدفاً للاعتقال والاعتداءات الجسدية. أكد تقرير مركز نظرة أنه تم قتل ١٨ امرأة خلال فض اعتصامي رابعة والنهضة، كما تم اعتقال قرابة ٥٧ بعد الفض أيضاً، حيث تعرضن لانتهاكات أبرزها إجراء فحوص حمل والضرب وحجزهم في عربات الترحيلات بالساعات.
واستمراراً لمسلسل استهداف النساء، حكمت محكمة جنح الإسكندرية على ٢١ فتاة من بينهن سبعة قصر من عضوات “حركة السابعة صباحا” بالحبس ١١ عاماً وشهراً لكل منهن، لاتهامهن بالتجمهر وقطع الطريق العام وحيازة سلاح أبيض. تم إيداع القاصرات دار رعاية لمدد مفتوحة. الحكم الذي أثار جدلاً واسعاً اعتبره الكثيرون حكماً مبالغاً فيه.
أكدت داليا عبد الحميد، الباحثة بقسم النوع الاجتماعي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية أنه كلما زاد وجود النساء في المجال العام، “كلما زادت الانتهاكات ضدهن لتحجيم هذا الوجود”. وأكدت داليا أنه بعد عزل مرسي أصبحت النساء أكثر عرضة للاستهداف على أساس الهوية والمظهر، فقد استهدف بعض متظاهري الإخوان نساء غير محجبات ظناً منهم أنهن أقباط، واستهدف آخرون معارضون للإخوان نساء منتقبات ظناً منهم أنهن منتميات للإخوان.
وتؤكد عبد الحميد أن معظم الانتهاكات ضد النساء قائمة على الاستهداف الجنسي، “بمعنى أن النساء يتم استهدافهن فقط لأنهن نساء. من أكثر الانتهاكات المعروفة هي كشوف العذرية وكشوف الحمل، حيث تنتهج الدولة نمطاً أبوياً وذكورياً في التعامل مع النساء لمواجهة ظهورهن المطرد في المجال العام، فيتم استخدام أنوثتهن ضدهن”.
على صعيد آخر، تم اتهام متظاهري الإخوان أيضا بانتهاكات ضد النساء خاصة الصحفيات، حيث تعرضتا المصورتان الصحفيتان منة علاء ومي الشامي للاعتداءات من متظاهري الإخوان أثناء عملهن لتغطية المظاهرات.
تعرضت منة، التي تعمل كمصورة صحفية في جريدة المصري اليوم، للضرب وتم سرقة كاميراتها أثناء تغطيتها لمظاهرة إخوانية قبيل فض اعتصام رابعة، حيث قالت أنه تم الاعتداء عليها حينما صورت متظاهرين يحطمون سيارة. وتعرضت مي للاعتداء مماثل أدى لكسر ذراعها منذ أسبوعين، حينما اكتشف المتظاهرون أنها تعمل بجريدة اليوم السابع، وهي جريدة يعتبرونها معادية للإخوان.
سيطرة النمط المحافظ مازالت مستمرة
وعلى الرغم من الدور المتنامي للأخوات داخل الجماعة، إلا أن وفاء لا زالت ترى أن الدور الأهم للمرأة هو بيتها وأبناءها، والذي لا يجب أن يمنعها من أدوارها السياسية والمجتمعية والمهنية. وتؤكد: “المرأة لابد أن تكون زوجة مثالية، ويجب عليها أن تشعر زوجها أنه هو وحده سيد المنزل حتى تستقر حياتها. في دروسنا نُعلم النساء كيف ينفذن إرادتهن داخل المنزل بدون أن يتصادمن مع أزواجهن. من المهم أن يتعاملن معهم بذكاء، وهو ما يجعل المراقبين من الخارج يعتقدون أن المرأة مضطهدة داخل الإخوان، وهذا ليس حقيقيا. نحن فقط نحاول أن نكون ذكيات في التعامل مع أزواجنا بدون استفزازهم، لأن يجب على المرأة أن تحفظ مقام زوجها ووضعه”.
واتهم الكثيرون الإخوان بتبني أيديولوجية معادية للنساء وحقوقهن، والنظرة لهن بنظرة محافظة للغاية، نظرة يراها آخرون عدائية في كثير من الأحيان.
ففي حكم مرسي، ألغت الجمعية التأسيسية لصياغة دستور ٢٠١٢، التي سيطر عليها الإخوان والقوى السلفية مادة متعلقة بحقوق المرأة بعد إصرار القوى الإسلامية على تقييد حقوق المرأة بمبادئ الشريعة الإسلامية، وهو ما اعتبره أعضاء اللجنة من القوى العلمانية محاولة لفتح باب خلفي للتعدي على حقوق المرأة. انتهى الجدال بحذف المادة الخاصة بحقوق المرأة مما أزعج الكثير من المنظمات الحقوقية والنسوية.
وفي خلال حكم مرسي أيضا أصدرت جماعة الإخوان المسلمين بياناً مثيراً للجدل حول مشروع إعلان تقدمت به الأمم المتحدة لدعم حقوق المرأة ووقف العنف الجندري، حيث رفضت الجماعة مشروع الإعلان واصفة إياه بالمعادي للشريعة.
ورأت الجماعة الإعلان كتهديد يؤدي لتفكك الأسرة، معتبرة إياه “خطوة أخيرة في مشوار الغزو الثقافي للمجتمعات المسلمة، ورفض البيان أيضاً إعطاء الزوجات الحق في تحريك دعاوى قضائية ضد أزواجهن في حالات الاغتصاب، والعنف الجنسي مؤكدا أن هذه “الأدوات المدمرة” قد تهدد أركان الأسرة والمجتمع ككل وتعود بالمسلمين لعصور الجاهلية”.
ولهذه الأسباب تظل داليا متشككة من تحرر النساء داخل الجماعة، على رغم مما لاحظته من “طغيان الطابع الأنثوي” على مظاهرات الإخوان، وتضيف “لم نر أبدا أي رفض من الأخوات لسياسيات الجماعة المعادية للمرأة، فالانتهاكات ضد النساء أثناء حكم مرسي زادت، ومن الواضح أن الجماعة تنتهج منهجاً رجعياً تجاه النساء”.
ولا تشعر داليا بأي تفاؤل تجاه التحرر النسوي الإخواني الملحوظ، مضيفة أنه من الممكن أن يحسن الأوضاع الداخلية للأخوات داخل الجماعة، لكنه لن يصب في صالح النضال الأكبر للنساء خارج إطار الإخوان، وأكدت “لا يمكنني أن أتخيل نساء الجماعة وهن يشاركن في نضال باقي النساء المصريات ضد التحرش مثلاً، أو أراهن مؤيدين لنضالات النساء الأكثر فقراً في المصانع داخل الإضرابات العمالية. فقد رأينا كيف حرص الإخوان خلال عام من حكمهم على مواجهة الحركة العمالية بكل أشكالها وصورها، هذه هي أيديولوجية الإخوان في النهاية”.
قمع الدولة
تعتقد وفاء أن الطبيعة السرية للجماعة على مدار الثلاثين عاماً الماضية من حكم مبارك أثرت كثيراً على المشاركة السياسية للأخوات، وبالتالي منعت أي محاولات للوصول لمواقع قيادية بالجماعة، وتضيف “الأنشطة المتعلقة بالأخوات دوما ما أشرفت عليها النساء اللاتي تواصلن بدورهن مع أزواجهن الذين يتواصلون مع قيادات الجماعة من الذكور، وبالتالي لم يكن للأخوات أي هيكل إداري ومالي مستقل يمثلهن وينظم شئونهن. اعتمدت الأنشطة النسائية إداريا وتنظيميا على مجلس الشورى ومكتب الإرشاد المسيطر عليهما بالكامل من الرجال”.
وبعد مساحة العمل السياسي الواسع التي أتاحتها فرصة الانفتاح السياسي للجماعة بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، استطاعت الأخوات الحصول على قدر من الاستقلال حينما تم انتخاب قيادات نسائية داخل الشعب والمناطق لتنظيم الأنشطة النسائية.
وبالرغم من ذلك، فإن التمثيل النسائي للأخوات سواء داخل البرلمان أو الجمعية التأسيسية رآه الكثيرون أقل من المستوى المطلوب، إن لم يكن بغرض التجمل ليس إلا، كما أن الوجوه النسائية التي حضرت على المستوى الإعلامي لم تقدم شكلا إيجابيا عن وضع النساء بالجماعة.
وفي هذا الصدد أكدت إحدى القيادات النسوية الإخوانية التي فضلت عدم ذكر اسمها أن سبب ظهور الأخوات بهذا المستوى السيئ يعود بالأساس لتأثر جماعة الإخوان المسلمين بالنظام السياسي الفاسد إبان حكم الرئيس المعزول حسني مبارك، مؤكدة أن “مصر عاشت تحت حكم مبارك في جو سياسي فاسد، كانت فيه المحسوبية ومنافقة القيادات العليا هي السبيل الأمثل للوصول للمناصب القيادية، ولم تكن جماعة الإخوان المسلمين استثناءا في هذا الصدد، فهي جزء من المجتمع المصري”.
أكدت القيادية الإخوانية أيضا أن هؤلاء اللاتي وصلن للمراكز القيادية لم يكن على المستوى المطلوب، ولا يمثلن الغالبية العظمى من قيادات نساء الإخوان، وأضافت ” كل ما كنا نحتاجه هو مزيد من الوقت لتحسين الأوضاع، كان من الممكن أن نحل كل مشاكل عدم التمثيل الجيد للنساء لولا سيطرة القادة العسكريين على الحكم التي أعادتنا للمربع صفر. لو أتيحت الفرصة للعملية الديمقراطية أن تكتمل، لكان من الممكن لنساء الإخوان أن يصلن لمراكز قيادية ولاستطعن تغيير قواعد اللعبة”.
وتتفق وفاء مع القيادية الإخوانية أن فرصة الإصلاح الأيديولوجي والإداري والتنظيمي لنساء الإخوان كانت كبيرة قبيل عزل مرسي، حيث “كان من الممكن لنساء الإخوان أن يصلن لمجلس الشورى ومكتب الإرشاد، لو أن عملية التغيير الطبيعية تركت لكي تتم بنجاح”.
وترى عزة عبد الرحمن أنه مع فض اعتصامي رابعة والنهضة، فإن التغير الحادث داخل عقلية المرأة الإخوانية أكبر من أن يتم إسكاته أو السيطرة عليه، “كل النساء اللاتي عشن حياتهن معتمدات على رجالهن أصبحن الآن أكثر استقلالية وتحررا، فمن تعلمت المشي أخيرا لن يجبرها أحد على التوقف مرة أخرى”.
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
أعرف أكتر