الإخوان.. من قبل ومن بعد
 
 

بعد فترة قصيرة من انتخاب الرئيس المخلوع محمد مرسي السنة الماضية، التقيت برجل أصيب بطلق ناري في قدمة أثناء اشتباكات محمد محمود سنة 2011. كانت لحيته طويلة وكان يرتدي جلبابا. في ذهني دائما كنت أظن أن من بالصفوف الأمامية هم ثوار شباب، يرتدون الجينز وقد يكونوا أصغر من أن يطلقوا حتى شواربهم.

قال إن الإصابة حفزته وقوّت إيمانه بالثورة وازادت معارضته لحكم العسكر. أصبح وقتها، بالنسبة له، من الواضح أن الرئيس مرسي هو رئيسه ومرشح الإسلام والثورة.

عندما سألته عن إمكانيه إطاحه العسكر لمرسي غاب عن وجهه التعبير الوقور، والتقوى الظاهرية التي لازمته طوال حديثنا، وقال “هذا لا يمكن أن يحدث أبداً، ستندلع النيران في كل مكان”.

في خضم موجة ٣٠ يونيو، التي انتهت بالإطاحة بالرئيس السابق مرسي، وهروب عناصر الحركات الاسلامية أو اختفاؤهم، تصبح توقعاته ذات مغزى اليوم. 

مشروع التيار الإسلامي، وخاصة الإخوان المسلمين، وإذا ما كان وسطياً، هو السؤال الأساسي لكتاب البروفيسور كارى روزفسكي ويكهام “الاخوان المسلمين: تطور حركة إسلامية”.

بينما كان احتكاكى الأساسي بالرتب الصغيرة داخل الحركة الإسلامية، كتاب ويكهام التي قامت بنشره دار جامعة برينستون للنشر، يضم أكثر من ١٠٠ مقابلة وحديث مع قادة الإخوان، وكبار السياسيين المصريين. بحث يصعب الحصول عليه في أي مكان. كبار الإخوان الذين قابلتهم ويكهام، متحفظين وغامضين وبالطبع غير ديموقراطيين – وصف يشمل أغلب الإخوان هذه الأيام. بالرغم من آمال الديموقراطية التي لحقت انتخاب الرئيس السابق مرسي، ما عايشته ويكهام يشبه ما نعرفه حالياً عن الجماعة؛ نظام أسوأ سماته تتمحور في خضم ضغوط مناخ سياسي متنازع. 

تقول ويكهام إن الجناح المتشدد في الإخوان ازداد قوه عندما بدأ النظام الحاكم في دحر الجماعة في حملات متعددة، واحدة تلو الأخرى. بعض هذه الحملات نتجت عن الاضطرابات السياسية التابعة لاغتيال الرئيس السادات. حملات أخرى كانت ناتجة عن اضطرابات اجتماعية مثل وقت الزلزال في عام ١٩٩٢ عندما تفوقت امدادات ومساعدات الإخوان عن الدولة.  

عندما عادت الجماعة للعمل السياسى والاجتماعي، الإصلاحيون داخلها رأوا أن القيادة المحافظة غير مهتمة بالتواصل مع الآخرين. في حين أن الاصلاحيون أرادوا التواصل مع قوى اجتماعية أخرى في المجتمع المدني، أرادت القيادة التأثير على القاعدة العامة وضمها إلى مفهومهم المحافظ عن الإسلام. تزيد ويكهام أن في بعض الأحيان كان المحافظون يرون أن فكر وهدف الجماعة هو تعبير مباشر عن الإسلام نفسه، وليس فكر وهدف الإخوان.

الذين كان لهم خبرة عمل مع قوى سياسية أخرى تم استبعادهم من الجماعة. في مفارقة قاسية، تم انتهاك جميع القوانين الداخلية التى أبرمها وقواها التيار الإصلاحي داخل الجماعة، وفي خضم الحالة الديموقراطية المتدنية كان هذا مقبول. 

واحتل هؤلاء الرجال (دون النساء) قيادة التنظيم واستمروا في توثيق سيطرتهم على الرتب الصغيرة داخلها. محمد بديع، المرشد العام المقبوض عليه حالياً، كان غير مهتم بإدارة نقابة الأطباء البيطريين، فتم الاستغناء عنه نتيجة لاهتمامه بالقاعدة وقياداتها بدلاً من المحافظين.  

في الوقت الذي ترك فيه الكثير من الإصلاحيين جماعة الإخوان نتيجة لدحر جهودهم، كان إخلاص القاعدة الأكبر داخل الجماعة لتيار المحافظين مما لا يمكن وصفه بالشقاق كما تقول ويكهام. في الوقت الذي انفك فيه الإخوان المحافظين المسئولين عن ذراع الجماعة السياسي، حزب الحرية والعدالة في البحث له عن مصادر تمويل مستقلة، كان مكتب الإرشاد يمنعهم عن ذلك ويوافق على التمويل الاخواني فقط. 

هذا مستمد جزئياً من اعتقاد المحافظين أنهم اكتسبوا هذا الوضع المميز بعد قضائهم سنوات في السجن، بينما اعتبروا الإصلاحيين أنهم صغار وحديثى النعمة. يقول صحفي من جريدة الحياه العربية أن المحافظين يصفون الإصلاحيين “بالخواجات” أو الأجانب. 

ظل عضو إخواني أعرفه يكرر هذه الجملة طوال يوم ٢٩ يوليو على الموقع الاجتماعى الفيسبوك، “لقد سجن قادتنا جميعاً، وقسوة هذا العقاب تتجاوز أي عقاب يطبق على أي عضو عادي. هؤلاء الأفراد مهدوا طريقهم للجنة بصبرهم”.

الآن، وقد وقعت القيادة الإخوانية في مصيدة الدولة العميقة، يوجد اختلاف أساسي ما بين سجنهم وتجربة الذين هم بالخارج. قيادات الإخوان تركوا اعتصام رابعة العدوية ساعات قبل فضه، محتمل بعد تلقيهم خبر عن المداهمة الوشيكة، بينما ظل أفراد الرتب الصغيرة داخل الاعتصام، إما عن قناعة أو عن جهل بالخطر الوشيك، وتضحيتهم هذه ستكون ذات أهمية إذا ما أرادوا الدفع بالاعتراف بها يوماً.

تم الانتهاء من كتابة هذا الكتاب قبل الإطاحة بالرئيس السابق مرسي، ولكن دراسة وبحث ويكهام لازال جديراً بالقراءة والتحليل. فدراسة ويكهام تلقي الضوء على فشل حكومة آخر رئيس، وعدم تأقلمها مع التغييرات الجوهرية للرأى العام مما أثار، يمكننا القول، أضخم مظاهرات في تاريخ مصر. مستقبلاً، تظهر الدراسة العقبات التي ستلاقيها جماعة الإخوان لتعود مجدداً للحياه العامة. 

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن