أن تكون إخوانياً
 
 

بعد أيام من رحيل محمد مرسي عن السلطة، بدأ أعضاء جماعته معايشة نفس الاضطهاد والإبعاد السياسي الذي واجهوه تحت حكم سابقه.

بدا على المجتمع المصري المعاناة من عودة الدولة البوليسية في الفترة الأخيرة، متمثلة في عودة قانون الطواريء وحظر التجوال والقبض على الصحفيين والأجانب وآخرين ممن يتم اعتبارهم أعداء للدولة. بالنسبة لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين وعائلاتهم الذين كانوا الأكثر استهدافاً من قبل الدولة، عاد زوار الفجر، وعاد القبض عليهم ليصبحا جزءاً من حياتهم الطبيعية مرة أخري.

إلا أن الحملة الأمنية ضد الإخوان أصبحت الآن مقبولة من قبل جزء كبير من المجتمع، بسبب الأخطاء التي ارتكبها مرسي وأعضاء آخرين في الجماعة أثناء السنة التي قضوها في الحكم.

بعد رحيل مرسي في ٣ يوليو، كان جهاد الحداد هو الوجه الأكثر شهرة من بين أعضاء الجماعة في الإعلام الأجنبي، والأكثر عرضة للانتقاد. فبسبب دفاعه المستمر عن أفعال الجماعة في أثناء فترة حكمها، تعرض الحداد للاتهامات بنشر أخبار كاذبة في خلال فترة الأزمة التي انتهت إلى سقوط مرسي، كما اتهمه البعض بالتعاون مع قوى أجنبية.

تم القبض على الحداد يوم ١٧ سبتمبر. الاتهامات التي يواجهها هي الانتماء لجماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة تضر بالأمن القومي، والقتل.

بسمة أبو زيد، زوجة جهاد الحداد، تحكي في مقابلة شخصية مع مدى مصر أن آخر مقابلة بين الحداد وبين عائلته، كانت قبل يومين من فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة بالقوة يوم ١٤ أغسطس. بعد هذا اللقاء، قرر الحداد ووالد بسمة، وهو محمود أبو زيد العضو في مكتب إرشاد الإخوان المسلمين، الاختباء خوفاً من إلقاء القبض عليهم.

تابعت بسمة الأعداد المتزايدة للقتلي أثناء فض الاعتصامين، على غير دراية بمكان أهلها وزوجها. آخر مكالمة تليفونية جرت بين بسمة وزوجها كانت في هذا اليوم، عندما هاتفها ليُطمئنها على سلامته.

مع بدء حملة الاعتقالات المستهدِفة لقيادات الإخوان المسلمين، توقف والد بسمة وزوجها عن استخدام هاتفيهما، ولم يخبرا عائلاتهما عن مكان اختبائهم خوفاً من تتبع الشرطة.

تقول بسمة إن الاتصال الوحيد الذي تم بينها وبين زوجها في خلال الشهر التالي تلخص في رسالتين إلكترونيتين، أخبرها فيهما بالاجراءات التي يجب عليها اتخاذها في حال القبض عليه.

منذ فض الاعتصامات، تقول بسمة أن حياتها عادت كما كانت أيام حكم مبارك.

في كل مرة تسمع بسمة صوت المصعد في وقت متأخر من الليل، تخشي أن يكون رجال أمن الدولة قادمون لمنزلها. بدأ هذا الخوف في السنة الأولى لبسمة في الجامعة، عندما تم القبض على والدها والحكم عليه بالسجن ثلاثة سنوات في محاكمة عسكرية، بتهمة محاولة قلب نظام الحكم.

في أثناء زيارة لأبيها في سجنه عام ٢٠٠٧، قابلت بسمة زوجها جهاد الحداد. بسمة، التي تبلغ من العمر ٢٤ عاماً وتخرجت من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، هي الآن أم لطفلين، نور ذات الأربع سنوات، وعلي الذي يبلغ من العمر سنة واحدة.

لم ترتدي بسمة فستان الفرح الأبيض، فقد تم عقد قرانها في السجن لكي يستطيع والدها الحضور.  

تقول بسمة “عندما عانقني أبي مودعاً أثناء رحيلي من السجن يوم عقد قراني، غمرني شعور بالظلم لم أختبره ثانية، ولكنه عاد هذه الأيام. “وفقاً لبسمة فالظلم الواقع على عائلتها حالياً، أسوأ مما واجهوه أثناء حكم مبارك خصوصاً مع اقتران الحملة الأمنية على الجماعة بحملة اعلامية، ودون تعاطف من المجتمع بشكل عام.

عندما تم القبض علي الحداد في سبتمبر، ملأت رسائل التشفي والاحتفال مواقع التواصل الاجتماعي. تقول بسمة بينما كان يتم اعتبار المساجين من الإخوان المسلمين أثناء حكم مبارك معتقلين سياسيين، إلا أنهم الآن يتم اعتبارهم إرهابيين ويستحقون ما يعانونه.

أثناء الشهر الذي قضاه والدها وزوجها مختبئين، تم ملاحقة بسمة وعائلتها من القوات الأمنية في محاولة للوصول إليهما. تقول بسمة أنها لاحظت وجود مخبر يرتدي الزي المدني تحت منزل جدتها، حيث كانت تقيم، طوال الوقت. أثناء تحركها بالسيارة بصحبة والدتها وطفليها، لاحظت بسمة ثلاثة سيارات تتبادل في متابعتهم طوال الوقت.

عندما وصلها خبر القبض على زوجها وأبيها عبر وسائل الإعلام، كانت مشاعر بسمة مختلطة.

تقول بسمة “زوجي هو أهم شيء في حياتي، وعندما تم القبض عليه بالطبع كنت قلقة عليه، ولكني شعرت بالراحة أيضاً، لأنهم سيتوقفون عن متابعتنا وأن لا أحد سيؤذي أطفالي. لقد شعرت أنه يستطيع تحمل السجن ولكن أولادي لا يستطيعون”.

استطاعت العائلة معرفة مكان احتجازهم في اليوم التالي، ولكن لم يتم السماح للعائلة بإيصال الملابس إليهم في سجن طرة. علمت بسمة عن طريق المحامي أن والدها وزوجها محتجزين في الحبس الانفرادي، وأنه لا يسمح لهم، على العكس من باقي السجناء، بمغادرة الزنزانة لمدة ساعة يومياً.

بعد سقوط الجهاز الأمني أثناء انتفاضة ٢٥ يناير ٢٠١١، لم يتصور أفراد العائلة أن التدخل الأمني سوف يعكر صفو حياتهم ثانية بعد سنتين فقط، وأن الإجرءات ضدهم سوف يتم الترحيب بها من قِبل كثيرين هذه المرة.

من ضمن ما يقلق بسمة الآن هو أن يسيء مدرسوا نور معاملتها عندما يعلموا هوية أبيها، أو أن يردد الأطفال الآخرون ما يسمعونه عنه أمامها. تقول بسمة “مع كمية الكراهية التي رأيناها، أصبح أي شيء محتمل”.

يبدو بالفعل أن حالة الاستقطاب وعدم قبول الآخر المنتشرة في المجتمع، قد تم نشرها من الأباء إلى الأبناء.

عمرو فاروق نشر عبر صفحته على الفيسبوك، صورة لأشعة توضح كسر مضاعف في ذراع ابنه يحيي ذو العشر سنوات. يقول فاروق أن إصابة يحيى، التي ستتطلب عملية جراحية، سببها هو ضربه من  قبل زملائه في الفصل بعد اعتراضه على غنائهم أغنية بعنوان “مرسي كذاب”.

“أنا الآن أواجه معضلة أخلاقية، ماذا أخبر ابني عن زملائه ذوي الـ ١٠ سنوات الذين أنكروا آدميته، واستباحوا اعتدائهم عليه لمجرد اختلافهم في الرأي؟ كيف أعلمه أن يحبهم ويكون وفياً لهم؟ كيف أعلمه أن مصر لكل المصريين، وأن هؤلاء الأطفال الذين يحتفلون الآن بسقوط زميلهم “الإرهابي” ليسوا أشرار ولكنهم مغيبين؟”

بينما يواجه حتى المتعاطفون مع الجماعة بعض العواقب، إلا أن من يشاركون بشكل مباشر في نشاطات الجماعة قد انقلبت حياتهم رأساً على عقب منذ رحيل مرسي. ساءت أوضاعهم أكثر بعد فض الاعتصامات في أغسطس، حيث انتشرت الاتهامات بالإرهاب ضد الجماعة، وبدأ القبض على أعداد كبيرة من أعضائها.

قالت سيدة أخرى لمدى مصر، وهي تفضل عدم الإفصاح عن هويتها، أنها اضطرت لمغادرة البلاد بسبب مضايقات السلطات، بالرغم من أن علاقتها الوحيدة بجماعة الإخوان هي كون حماها عضواً في الجماعة.

كما أضافت أن المضايقات الحكومية جعلت من المستحيل لزوجها إدارة عمله الخاص، بالإضافة إلى أنها قررت ولادة طفلها الذي أوشك على المجيء بالخارج، لإعطائه جنسية أخرى.

و قالت أن تقبل المجتمع للظلم الواقع على عائلتها وعلى آخرين كان له أثر أكثر عمقاً وإيلاماً عليها من الحملة الأمنية ضدهم نفسها. و أضافت “لقد كنت أظن أن الحصول على جنسية أخرى هو بمثابة خيانة لبلدي، إلا أنني الآن أشعر أن بلدي هي التي خانتني. إذا قرر طفلي اتباع طريق والده وجده لن يكون بأمان، لذلك شعرت بالحاجة لاتخاذ إجراء وقائي”.

ولكنها تؤكد أنها ستستمر في العمل من أجل مصر من الخارج، إلى أن تستطيع العودة بعد زوال المعوقات لنشاطها في البلد.

وتضيف “لن ينجحوا أبداً في إشعارنا أن هذه ليست بلدنا، أو أن ليس لنا بها مكان”.

بالنسبة لنور، فهي تعتقد أن أبيها خارج البلاد في رحلة عمل، وأن مشاغله تمنعه من الرد على الهاتف.

تقول بسمة ” لقد بدأت بريد إلكتروني وأخبرتها أنها كلما أرادت أن تخبر أبيها شيئاً سوف نكتبه معاً و نرسله إليه. بعد ذلك بدأت نور في تصوير رسوماتها لترسلها لأبيها وأنا أرد عليها كأنني هو، وأرسل لها صور ومقاطع فيديو لهم معاً”.

اعلان
 
 
هبة عفيفي