اليسار و أسئلة الثورة.. رؤية نقدية (الجزء الأول)

ثورة 25 يناير هي حدث استثنائي بلا شك، فقد احتشدت الملايين فى الميادين لإسقاط الطغمة الحاكمة، احتشاد “سياسي” بامتياز يختزن مشروعاً لتأسيس دولة جديدة معترفة “بالشعب” و حساسة لمطالبه و معاناته. و هي لحظة إعادة تأسيس لعلاقة الجمهور بالدولة، فالجماهير تصارعت مع آلة القمع على تخوم الميادين، و نجحت في هزيمتها و احتلال الميادين. إنها لحظة تاريخية لحضور “الشعب”.

لم تكن هذه الثورة عفوية كما يقول البعض، بل هي تكليل لنضال القوى الديمقراطية الطويل الذى دفعت به حركة متصاعدة “شابة” و “مدنية” من الهامش للمتن، ليتحول النضال الهامشي إلى نداء واسع لبّته قطاعات جماهيرية عريضة لاحتلال المشهد. فمعضلة ثورة يناير لم تكن “عفويتها” بل حجم المشاركة الجماهيرية “بالمقارنة” بحجم القوى المنظمة، بل مقارنة بقوة المجتمع نفسه. فهذه ثورة تفتقر لتنظيمات جماهيرية واسعة تدعمها، في مجتمع يعيش حالة طوارىء مكتملة، لا يعبر عن سخطه إلا بالشغب و الانفلات و يفتقر لأي تنظيم قادر أن يحول سخطه إلى مشروع واعٍ لفرض الإرادة. إلا أن الثورة نفسها كانت مغامرة واعية من قطاعات شعبية واسعة – لتجاوز الواقع البائس – و فرض الإرادة و إنتاج واقع جديد مسكون بالبدائل.

الثورة أيضا لم تكن مؤامرة كما يردد البعض الآخر، حتى لو التقت مع مصالح بعض القوى الرجعية مثل الجيش المتململ من مشروع التوريث في 25 يناير، و الساخط على جنون الاخوان في 30 يونيو، أو الأنظمة الأجنبية كالولايات المتحدة و قطر في 25 يناير، أو السعودية و روسيا في 30 يونيو. و الاعتراف بالتقاء المصالح هذا ضروري لمواجهة آثاره السلبية على مسار الثورة، بدلا من إنكاره بشكل رومانسي أو تبني أي تصور ساذج عن القدرة على استغلال الأشرار لصالحنا.

إن الثورة لم تنجح فى الوصول للسلطة ولكنها نجحت بالتأكيد في إنتاج واقع جديد يفتح الباب على مصراعيه للتفاعلات والصراعات الاجتماعية و السياسة و الثقافية، في مشروع لخلخة بنية السلطة و إعادة تأسيس العلاقة المركبة بين الدولة والمجتمع، بل إعادة إنتاج المجتمع نفسه في عملية نقدية هائلة. و فتحت الطريق لإنتاج مجال سياسي يعبر فيه المجتمع عن تناقضاته و أمزجته السياسية من خلال مشاريع سياسية متصارعة. و تظل هذه العملية مبتسرة و محافظة، يعيقها الوضع البائس للمجتمع و تنظيماته و حركته المحاصرة فى المدن و بالأساس فى الشرائح الوسطى للمجتمع.

إن استكمال مهام الثورة في تحقيق أهدافها مرتبط بإتساع الحركة الاجتماعية و تجذرها. و أيضا مرتبط بفتح هذا المجال السياسي، ليتحول إلى مُعبرٍ أكثر أصالة عن تناقضات المجتمع و حركته، و شريكاً حقيقياً في عملية الحكم وحاميا للحركة الاجتماعية من البطش. لا يمكن أن يتم هذا سوى بإعادة إنتاج التيارات السياسية الديمقراطية التي حرمت من التواصل مع الجمهور، أو اكتشاف ذاتها و الإمكانيات الموضوعية لنموها في عصور الركود. لكن الثورة فتحت الطريق لولادة حقيقية لهذه التيارات السياسية، و ستولد هذه التيارات و تنمو بقدر ما تنجح في الاجابة عن أسئلة الحركة المتصاعدة و ممارسة تحيزاتها و اختبار “الممكن” فى عملية مستمرة من التفاعل الحى مع الأحداث والمشاهد السياسية المتلاحقة (و ليس الاكتفاء بالرطانة البالية)، و التواصل مع قطاعات واسعة من الجمهور من خلال مبادرات تنظيمية و سياسية، تفتح للجمهور مساحات العمل الجماعى المنظم و اكتساب الأدوات و الخبرات اللازمة للنضال.

و في هذا السياق كان إعادة تأسيس اليسار سؤالا جوهريا من أسئلة الثورة. فاليسار هو التيار الوحيد الممكن أن يشتبك مع أسئلة الثورة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية، لا أن يختزلها في مجموعة واحدة دون أخرى. كما أن هذا المحتوى التحرري العميق للحالة الثورية، لا يمكن أن يتكشف بدون يسار جديد قادر على اختزان هذا المشروع، و التبشير به و إنتاجه كبدائل سياسية في عملية جدل مع الواقع لكشف إمكانياته. و لهذا فإن اليسار باعتباره التيار المنحاز للفقراء و كل المقهورين طبقيا و  اجتماعيا و دينيا و جنسيا، يمكن أن يكون الصوت الجذري داخل معسكر القوى الديمقراطية، و مشروع لجذب هذه القوى الديمقراطية، بل مشروع المقرطة نفسه، إلى آفاق أكثر ثورية و مواجهة اختزالها في إصلاحات شكلية تافهة، إنه مشروع للعمل بقدمين: قدم داخل المجال السياسى و قدم في الحركة الاجتماعية، يعمل على تنظيم الحركة و دعمها كما يسعى لإنتاج بدائلها و تمثيلاتها السياسية باعتباره ظهيراً للقوى الحية المناضلة في المجتمع دون أن ينتظر للأبد وصوله للسلطة السياسية.

لكن إعادة تأسيس اليسار كمشروع للإجابة على هذه الأسئلة أمر شديد الصعوية، فاليسار بدوره أسير لأعبائه الذاتية التى تعيق تحققه كإمكانية و طرف فاعل في الواقع. فرغم أن ثورة يناير قد أعطته فرصة تاريخية لإعادة اكتشاف و بناء نفسه، لا يزال اليسار يتصارع مع كل ميراث الركود و العزلة الذى سجنه في الرطانة الطليعية الفارغة أو مشاريع التذيل، مشاريع الاستسلام لمقاومة الدولة – بل والمجتمع – للحركة التقدمية. و قد آن الأوان أن يبحث اليسار عن نفسه كإمكانية تاريخية تتكشف بالارتباط بالحركة و الجدل الحي و الشجاع مع الواقع. أن يقبل حضوره “الآنى” “المحدود”، و يكتشف دوره الممكن في عملية مستمرة من الجدل مع الحركة المتصاعدة لاختراق الواقع “البائس” فى عملية كفاحية قاسية وضرورية.

وهنا من الضروري التوكيد على أن الاشتراكية بالنسبة لنا هي الحلم أو البديل بعيد المدى للنظام الرأسمالي، لكننا نؤمن أيضا بأنه ليس بديلاً جاهزاً، و إنما سيتكشف مع الوقت و عبر نضالات السنين وعبر تغيرات هيكلية في النظام الرأسمالي، قد لا يكون من المعقول أن نتصور أن اليسار المصري يمكن أن ينجزها وحده بصفة خاصة. فالخلاف ليس على وصفات الاشتراكية كنموذج اقتصادي، أو على طبيعة “البرامج المرحلية” المتعلقة بالسياسات الهادفة للسعي إليها (والدليل تشابه برامج كافة الأحزاب والحلقات اليسارية من حيث السياسات)، وإنما الخلاف حول طبيعة الدور الذي يجب أن يلعبه اليسار أو الحركة التقدمية وخاصة في ظل الكشف المتوالي الذي تدفعنا له ثورة 25 يناير بموجاتها المتعاقبة.

في الأجزاء القادمة:

المحددات الأساسية للدور المفتقد لليسار: الدولة: بين عبادتها و وهم تفكيكها.. حقوق الإنسان كمشروع لترشيد الدولة..  العدالة الاجتماعية لا تكفي.. الموقف من الحركة الإسلامية.. التحرر من رطانة التحرر الوطني.. التخلص من وهم الطليعية..  30 يونيو وانكشاف الأوهام.

اعلان
 
 
أكرم إسماعيل 
إلهام عيداروس 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن