دولة محمد علي.. مستمرة

اندلعت موجة الثلاثين من يونيو وخلّفت ما خلّفت من تغيّرات على المشهد السياسي المصري. و من بين تلك التغيّرات أنها أصابت معسكر الثورة بالدهشة، و من ثم الارتباك الشديد. أدى الكشف عن تلك التناقضات بمعسكر الثورة إلى المزيد من التشرذم الذي تتضاءل في إطاره احتمالات إنتاج خطاب ثوري فعّال، فضلا عن إنتاج مشروع سياسي ثوري. لم تكن موجة الثلاثين من يونيو بالطبع حدثاً نابتاً من الفراغ، أو لحظة بعيدة عن تفاعلات واقع أشمل مليء باللحظات الممهدة لها. و بالتالي، فإن الدهشة لا تكفي للتفاعل معها، بل إن الأمر يستدعي منّا وقفة مع أنفسنا لنفهم التفاعلات التي أنتجت تلك اللحظة التي نعيش في إطارها حتى الآن. نحتاج لأن نقف مع أنفسنا لنفهم كيف تكون جنين الثلاثين من يونيو من رحم الخامس والعشرين من يناير.

الثورة بين الماضي …

لم تكن الأزمة في مصر ما قبل الخامس والعشرين من يناير أزمة سياسية، كما أنها لم تكن أزمة نظام مبارك و لا حتى أزمة نظام الثالث و العشرين من يوليو. بل كانت أزمة اجتماعية تضرب بجذورها في دولة محمد علي، و مشروعه للتحديث السريع و الذي على أثره تم إنتاج نخبة مصرية جديدة لا تستمد شرعية موقعها كنخبة من قواعدها الاجتماعية بل من مهاراتها الفنية، فصارت النخب السياسية في مصر تستمد قوّتها ليس مما تمثله من شرائح المجتمع، بل بقدرتها على إنجاز المهام الفنية، و بالتالي من علاقاتها الزبونية مع السلطة منذ ذلك الحين و حتى الآن. و نحن نسدد فاتورة ذلك المشروع من انفصال متزايد بين النخب ذات الطابع الحداثي، و المجتمع الذي ما يزال مقاوماً لمشروع التحديث لحساب التعلق بالطابع التقليدي. تلك الهوّة الآخذة في الاتساع، استتبعها احتكار متزايد من النخب للسياسة وهي في ذلك لا تمثل المجتمع – المنفصلة عنه – بل تمثل مصالحها، و ليس للجماهير سوى دوراً ثانوياً في تلك اللعبة. كانت لتلك الهوة المتسعة بالغ الأثر في تعميق النمط الزبوني للعلاقات بين الطبقات وبين جماعة الحكم مما عرقل تطوّر طبقات حقيقية لذاتها واعية بدورها في المجتمع تتحرك طبقا له.

في ضوء ذلك، كان من الطبيعي حين تقوم الثورة في الخامس والعشرين من يناير أن تقوم لأن الوضع لم يكن ليستمر بالصورة التي كان عليها، حيث أن الدولة قد بلغت من الضعف ما أدّى بها إلى أن يكون القمع الأمني هو ركيزة الحكم الأساسية. ذلك القمع الذي لم يقف عند فئات محددة من المجتمع مثل النشطاء السياسيين أو الإسلاميين فحسب، بل امتد ليكون احتمالاً قائماً أمام كل أفراد المجتمع و هو ما كشفت عنه حادثة خالد سعيد، و ليس لأن هناك من قوى المعارضة و الاحتجاج من استطاع أن يقدم بديلاً ثورياً. عامل آخر لم تكن لتتم الثورة مهمتها الأولية في إسقاط مبارك – في أيام معدودات – بدونه و هو الانشقاق الحادث في جماعة الحكم، و الذي بموجبه انضمت مؤسسة القوات المسلحة للثورة. من الاختزال تصوّر أن انضمام القوات للمسلحة للثورة كان بدافع من وطنية، أو كان هروباً من طوفان الثورة بعد أن انكشف أن مبارك إلى زوال. لم يكن انشقاق الجيش عن جماعة الحكم وليد لحظة الخامس و العشرين من يناير، بل إنه بدأ مع احتلال مشروع التوريث صدارة المشهد حيث مثل صعود نخبة رجال الأعمال الليبرالية الجديدة، و إحلالهم محل العسكريين في المواقع القيادية في الدولة تهديداً لمصالح الجيش الاقتصادية والسياسية.

كما أن الليبرالية الجديدة و ما تمثّله من انفتاح مثّل تهديداً حقيقياً لشكل الدولة المصرية الحديثة، و التي كانت المؤسسة العسكرية محورها الرئيسي منذ عهد محمد علي وحتى عهد مبارك ما قبل بزوغ نجم مشروع التوريث. لذلك فإن انضمام الجيش للثورة – التي هي قطيعة مع الماضي على حساب فتح آفاق لمستقبل مجهول في ذلك الحين – كان بهدف حماية الماضي عن طريق الحد من الاحتمالات التي قد يطرحها ذلك المستقبل و تهدد الماضي. من هنا نستطيع أن نفهم كيف أن ثورة الخامس و العشرين من يناير كانت تحمل بين طيّاتها بذوراً للثلاثين من يونيو.

بجانب القوات المسلحة، وبنفس العقلية انضم تنظيم الإخوان المسلمين للثورة. فكما كان المستقبل و ما يحمله من فوضى احتمالات يمثل تهديداً لمحورية دور الجيش في الدولة و المجتمع، فقد كان ذلك المستقبل يمثل تهديداً لهيمنة الإخوان على الخطاب المعارض، تلك الهيمنة التي تمتعوا بها منذ صعودهم في السبعينات حتى صاروا أثناء عهد مبارك هم البديل الوحيد المتصوّر للنظام. مكّنتهم تلك الهيمنة من الدخول في تحالفات ومفاوضات مع السلطة و استجلاب مكاسب للتنظيم تمثّلت في المقاعد التي حصدوها في انتخابات مجلس الشعب 2005.

… و المستقبل

ولمّا كان حدث الثورة هو تطلّع جريء لمستقبل مجهول، فقد صنع ذلك الحدث ذواتاً تستمد ذاتيتها من تطلّعها الجريء المحموم للمستقبل. غير أن ذلك التطلّع لم يُترجم على الأرض سوى في رفض التصالح مع القديم والذي أخذ شكل هتافات مثل “الشعب يريد إسقاط النظام” قبل إسقاط مبارك والذي تطوّر بعد ذلك ليكون “يسقط يسقط حكم العسكر” في الفترة الانتقالية الأولى، دون تعريف ماهية ذلك النظام الذي نريد له السقوط، ودون تعريف ما هي تفاصيل ومظاهر حكم العسكر فضلاً عن تقديم بديل لأي منهما. لذلك كان تنحي مبارك كما كانت انتخابات 2012 الرئاسية – التي أتت بمحمد مرسي إلى موقع الرئاسة بدلاً من المشير طنطاوي رئيس المجلس العسكري – محطتان مُربكتان لتيار الثورة حيث تم اعتبار تنحي مبارك سقوطاً للنظام كما تم اعتبار انتقال السلطة رسمياً من المجلس العسكري لرئيس مدني سقوطاً لحكم العسكر.

ذلك الارتباك الحادث لتيار الثورة منبعه أن قوى الثورة، و التي ولدت من رحم اللحظة الثورية، وقعت في حب أنفسها – وهو ما حذّر منه الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك مجموعات “احتلوا وول ستريت” بالولايات المتحدة الأمريكية – وأنفقت الجزء الأكبر من طاقتها في إعادة إنتاج تلك اللحظة. كانت أزمة ذلك التوجه أن اللحظة الثورية هي التي أنتجت تلك القوى و ليس العكس، و بالتالي فلا معنى وراء محاولات إعادة إنتاج ما لم يُنتج ابتداءا. صارت القوى الثورية أسيرة لحظة – مع مرور الوقت – أصبحت تنتمي للماضي، فصار الجميع – جيش و إخوان و ثوار – يظن أنه سيدخل المستقبل من بوابة ماضيه، و حيث أن ماضي الثوار كان لحظة متطايرة لا سلطة لهم عليها أخذ دورهم في تشكيل المشهد السياسي يتضاءل، حتى صاروا مجرد رقم في معادلة توازن القوى بين الجيش و الإخوان، و اختفت الثورة لذاتها و في ذاتها و انحسرت كل الأفعال الثورية في الضغط على أطراف معادلة الحكم من خارج تلك المعادلة. ظن الثوّار أنهم يستطيعون خوض معاركهم الثورية بالوكالة، عن الطريق التحالف مع أي من أطراف معادلة الحكم المحافظين، و لم يعلموا بضعفهم الذي كان بادياً للجميع، والذي على أثره تحوّلوا من مُوكّيلن إلى مُنكّل بهم من جميع الأطراف.

كان رهان الثوار الوحيد على احتكار الحشد في الشارع و لم يلتفتوا إلى تكلفة ذلك الحشد الاجتماعية و الاقتصادية، و التي لن يستطيع أن يتحملها المجتمع المصري الراسخ في أغلال الظلم و الفقر و التهميش منذ عقود إن لم تكن قرون. لذلك فرغم تزايد الغضب الشعبي ضد الإخوان في عام من حكمهم لم ينزل الناس إلى الشوارع إلا بعد أن لوّحت القوات المسلحة بتأييدها للحراك ضد الإخوان، حيث نزلوا إلى الشوارع و هم يعلمون أنهم لن يُتركوا في فراغ الوعود التي لن يستطيع أصحابها الوفاء بها. عمّق نزول الناس إلى الشارع بتلك الطريقة جراح قوى الثورة، فحتى حق احتكار الحشد في الشارع تم سحبه منها.

ماذا الآن؟

كما ناقشنا سلفاً، كان التوريث يمثل تهديداً لطبيعة الدولة بتهديده لمحورية دور مؤسسة القوات المسلحة في الدولة و المجتمع. أيضا، كان حكم الإخوان يمثل تهديداً أعمق لشكل الدولة المصرية الحديثة. لم يكن حكم الإخوان تهديداً لموقع مؤسسة القوات المسلحة فقط، بل كان تهديداً أيضا لمصالح رجال الأعمال، كما كان تهديدًا للأقباط و بالتالي لمؤسسة الكنيسة – حيث رأينا المهندس محمد الصاوي يمثّل الكنيسة المصرية في التصويت على الدستور في اللجنة التأسيسية لدستور 2012 – كما مثل تهديداً حقيقياً لمؤسسة الأزهر وعلى رأسها شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، و الذي طالب بعض قيادات الإخوان إقالته في أعقاب أزمة التسمم الغذائي لبعض طلاب المدينة الجامعية الأزهرية. استفزّ ذلك التهديد مؤسسات الدولة جميعها للتكاتف و التحالف التكتيكي مع بعض القوى الديمقراطية من خارج الدولة ضد الإخوان. تجلى تحالف الثلاثين من يونيو الواسع في خلفية خطاب الفريق أول عبد الفتاح السيسي و التي شملت شيخ الأزهر و بابا الكنيسة و الدكتور محمد البرادعي و غيرهم. خرج الدكتور البرادعي بعد ذلك من التحالف دون التأثير على قوته، لينكشف لنا الوزن الحقيقي للمعسكر الديمقراطي في ذلك التحالف و الذي لم يؤثر انسحاب أبرز رموزه على قوته أو على خريطة الطريق التي أنتجها!

رغم ما يبدو على تحالف الثلاثين من يونيو من تماسك – حتى الآن – إلا أن النظر إلى الخطاب الذي يتبناه ذلك التحالف في قنواته الفضائية و صحفه يكشف لنا أنه لا يمكن أن يستمر. فخطاب تخوين الإخوان المستمر يتخذ أشكالا من المبالغة تميل بالخطاب إلى أن يقترب من رسومات الكاريكاتور التي تصوّر الشخص النحيف على أنه لا يزيد سمكه عن سمك خط القلم، كما تصوّر الشخص البدين على أنه شخص كامل الاستدارة. حتى و إن ضحك الناس على تلك المبالغات الكاريكاتورية، فهم لا يصدقون أن هناك شخصاً بمثل نحافة القلم أو أن هناك من هو كامل الاستدارة. لذلك فإن خطاب الدولة بشكله الحالي لا يمكن أن يستمر على المدى البعيد و لا يمكن أن يكون هو الأساس الذي يتم على أساسه إقصاء الإخوان من المشهد السياسي. لكن هل يكفي ذلك لكي نتفاءل بمستقبل جديد للثورة؟ بالطبع لا، فطالما ظلت قوى الثورة متمسكة بإعادة إنتاج لحظة الخامس والعشرين من يناير كحل وحيد لتجاوز الأزمة، رافضة إدراك حدود تلك اللحظة و حقيقة استحالة إعادة إنتاجها، سيظل المستقبل فارغاً و ستظل قوى الدولة هي الوحيدة القادرة على ملء ذلك الفراغ.

لم تولد المكونات الأساسية لمشهد الثلاثين من يونيو السياسي بمعزل عن الخامس و العشرين من يناير غير أن لحظة الخامس و العشرين من يناير حملت للمجتمع مكسباً غير قابل للاسترداد، و هو فتح المجال العام. ذلك المكسب غير قابل للتفعيل إلا بفهم طبيعته، وهو ما لن يتم إلا بقيام قوى الثورة بإعادة تقييم المشهد في ضوء ذلك، و من ثم بناء استراتيجية عمل قائمة على فهم لطبيعة المجتمع و طبيعة اللحظة الثورية و ما تطرحه من إمكانيات و حدود.

اعلان
 
 
باسم زكريا السمرجي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن