على الدوام، امتلك اليسار في مصر حساسيتين أساسيتين، بحسب درجة كل واحدة، كان يتشكل موقفه من الدولة ومن معارضيها الإسلاميين: “حساسية رفض النظام” و”حساسية العلمانية” أو “التقدمية”، و لكلتا الحساسيتين كان هناك ممثلين رئيسيين، أو مراكز لدائرة هذه الحساسية، وغير مركزي كلا الدائرتين، كان بقية اليسار، خليطا من كلا الحساسيتين.
حساسية رفض النظام : الاشتراكيين الثوريين
لوقت طويل، قبل الثورة، اتخذت منظمة الاشتراكيين الثوريين، موقفاً متمايزاً عن بقية اليسار المصري، بخصوص العلاقة مع الإسلاميين، الموقف الذي اشتهر بجملة “مع الإسلاميين أحياناً، ضد الدولة دائما”، وهي عبارة مقتطفة من مقدمة الماركسي البريطاني “كريس هارمن” لكتابه “النبي والبروليتاريا”، في كتابه حاول هارمن عن أطروحة مركزية: الإسلاميين ليسوا رجعيين على الداوم، وليسوا تقدميين أبدا، ولكنهم يمثلون مصلحة طبقة هي “البرجوازية” الصغيرة، طبقة حائرة بين انضمامها لـ”الطبقة العاملة” أو إلى الطبقة الحاكمة، وعليه يكون التحالف الوقتي معها لجذب العناصر الأكثر راديكالية فيها لمصلحة الغرض الاشتراكي في رفض النظام القائم، أو حتى لتوجيه “نضالها” بشكل عام، وجهة أكثر يسارية.
الموقف هذا تم انتقادة بشكل جذري، من قبل يساريين آخرين، في تحفظين أساسين على هذه الأطروحة:
الأول أنه ليس من الصحيح، الاقتصار في تحليل الحركة الإسلاميية، على التحليل الاقتصادي، وإهمال الجوانب الفكرية والدينية تماما، وأنه حتى لو ساهم الوضع الاقتصادي لطبقة ما في خلق حِسّاً عاماً بالتمرد، فتأثير الأفكار الدينية لا يكون مجرد “وعي زائف”، بل يكون قادرا على خلق “تمرده الخاص”، والذي يكون موجهاً في الغالب ضد مظاهر الحياة العلمانية، أو ضد الأقليات الدينية، ما يجعل فكرة “النضال الواحد” صعبة جداً.
الثاني أن التحالف مع الإسلاميين من قبل مجموعات صغيرة، لم يكن دوما من جانب الإسلاميين إلا لغرض “مشهدي” ، أي استخدام بعض “الواجهات ” اليسارية، للتدليل على تحالف وهمي، لم يقتنع الإسلاميين بأهميته أبدا، بشكل كبير يمكن الاتفاق مع هذا التحليل في هذه النقطة، الحركة الإسلامية الأكبر” الإخوان المسلمين”، دائما ما كانت تحالفاتها الوقتية محكومة بعقلية “استخدام الواجهات” دون أي نية حقيقة لـ”شراكة سياسية” ما، وهو ماكان يضع “حلفائهم” المفترضين في موضع سخرية من بقية التيارات، حين يخذلهم الإخوان كل مرة.
وبعيداً عن الموقف الخطابي وانتقاداته، في رأيي كان محرك الموقف من البداية، ليس أي تحليل نظري بخصوص الطبيعة الطبقية للإسلاميين، قدر ماكان الرغبة في الذهاب في معارضة الدولة إلى الحد الأقصى، صلب الموقف لم يكن “مع الإسلاميين أحيانا”، ولكن صلب الموقف وأصله النفسي يوجد في “ضد الدولة دائما “، بل ويمكن التفكير أنه تم استبطان القمع الموجه للإسلاميين، باعتباره قمعاً مزاحاً عن هدفه، هدفه الذي كان يفترض أن يكون اليسار، باعتبارهم “خطرا على النظام”، تماما كما تم فهم نضالهم -عن سوء فهم- كنضال مزاح عن هدفه.
حساسية العلمانية : موقف حزب التجمع
رغم أنه لا يمكن لأحد أن يجعل الحزب رمزا لأي شئ، ولكن يمكن اتخاذه مع ذلك رمزا كاريكاتوريا لهذه الحساسية، والمبالغة الزائدة في كاريكاتوريته ناتجة عن المبالغة الزائدة في كاريكاتورية موقفه، مثل رفعت السعيد وحزب التجمع المصري، الجانب الآخر “ضد الإسلاميين دائما، مع الدولة دائما”، وهو خيار في صلبه النفسي، دفاع عن مساحات علمانية في الدولة، ورهاناً على قدرة الدولة الأمنية في هزيمة الإسلاميين، ظل حزب التجمع على موقفه الداعم للدولة وأجنحتها الأمنية إلى النهاية، وهو ما كانت الدولة تكافئه أحيانا، بتعيين رفعت السعيد في مجلس الشورى، أو بإنجاح بعض أعضائه بالتزوير في انتخابات مجلس الشعب، وفي كل الأحوال، ظل هذا النوع من المواقف، أكثر هزلية و كاريكاتورية من الموقف الآخر، لاستحالة إيجاد أي ثغرة تنظير يسارية يمكن منها تمرير موقف الدفاع عن نظام يميني مستغل وقمعي.
وهم النضال بالوكالة
في معطيات مثالية، كان الموقف اليساري سيتحدد بطبيعة النظام الطبقية، وبطبيعة هوامشه الطبقية، في المعطيات المثالية كان يمكن للموقف اليساري أن يعلن انحيازاته للطبقات الأدني وللمهمشين دون جدالات كبيرة أخرى، ولكن ما جعل جدالات التحالف متواجدة دائما، هو انعدام أي وجود مجتمعي حقيقي لأي تيارات يسارية ، وجود مجتمعي يجعلها أحد القوى المتصارعة الأساسية، التي تجعل الآخرون يحددون موقفهم كرد فعل لها، وليس هي التي تجعل نفسها كرد فعل للبقية، لمدة طويلة ظل اليسار عبارة عن مجموعات شللية بسيطة، أو تنظيمات صغيرة، يقربهم من بعضهم حساسية ما، رافضة لكل من النظام والإسلاميين، وبخيارات حياتية أكثر “تحرراً”، ونتيجة لانسداد أي “فاعلية” حركية للحركات اليسارية، وجد اللاوعي الجمعي لليسار -على كل اختلافاته- منفذا وهميا في فكرة توكيل طرف ما بالنضال نيابة عنه، سواء كان التوكيل للإسلاميين ليواجهوا الدولة، أو للدولة كي تواجه الإسلاميين، وفي الحالتين حمل التوكيل في ذاته، ورغم كل شئ، تذيلاً للطرف الموكَل، واحتقار غير صحيح لقدراته، احتقار نابع من توهم أن هذا الطرف لا يمتلك معاركه الخاصة، والمثير أن الطرفين الآخرين هما إلى حد كبير من امتلكا دوما معارك وأهداف واضحة وليس العكس.
الثورة
عندما أتت الثورة، كان يمكن حينها توقع انكسار الجمود التاريخي للتنظيمات اليسارية للأبد، بوجود عشرات الآلاف من غير الإسلاميين الرافضين للنظام، والذين ظلوا ولمدة سنة كاملة يتظاهرون وحدهم رفضا لحكم المجلس العسكري، الحراك المدني الصاخب ضد المجلس العسكري، استمر طويلاً، ثم استمر في رفض سياسيات الإخوان في السلطة بعد وصول مرسي، أتى كل ذلك، وراح، وبقى اليسار مجموعات شللية صغيرة، وتنظيمات حزبية وحركية فاشلة أيضا، وإن طور قدرته في المشاركة في نقاشات المجال العام باسمه الخاص، وبقدرة كبيرة على دفع النقاشات في اتجاهات بعينها.
الآن، لم يعد أيا من الموقفين السابقين، متواجدين بنفس الشكل، لم يعد التحالف مع الإسلاميين، خياراً حتى للإشتراكيين الثوريين، وللرافضين للحكم العسكري، ولم يعد الموقف الثاني المؤيد للدولة بنفس وضوح هزليته القديمة، لأن الحكم العسكري يمتلك قاعدة شعبية، يمكن التنظير انطلاقا منها لانحياز وهمي لجماهير، هي نفسها لا تكترث لموقف المنحازين لها، إذ هي تؤيد بوضوح “الحكم العسكري”، يظل الموقف هزليا، وإن لم يكن بنفس الوضوح، الخلل البنيوي في الخارطة السياسية والذي جعل اليسار يحدد موقفه كرد فعل، أعاد خلق نفسه مرة أخرى، وبالتالي و للأسف يمكن الجزم بأن جذور المواقف مازالت كما هي، سيجد بعض اليسار جذر موقفه التاريخي في الاشتراكيين الثوريين، كما سيكون البعض خلفا لحزب التجمع، الأمور متشابهة، لكن هذه المرة ليست كالمرة الأولى، هذه المرة، تم إهدار فرصة الثورة.
أفق البحث عن معنى
وبعيدا عن الانتقادات السهلة للفشل التنيظيمي، فالجزء الأصعب لم يكن إنشاء حزب كبير، ولكن كان وجود قواعد كثيرة تعتبر نفسها جزءاً من تيار ما، ومستعدة للانخراط في نضاله، لم تكن الأزمة يوماً الافتقاد لتنظيم قوى، قدر ماكانت الافتقاد لتيار وعي، ذو حساسية نفسية قريبة من اليسار، بحيث يعتبر التيار نفسه يساريا حتى ولو لم يجمعه تنظيم. لمدة طويلة تمكن الإسلاميون من جعل أنفسهم أفقا للمعنى في المجتمع، تكوين أخلاقية خاصة يمكن الانطلاق منها، وبالطبع تمكنت الدولة من شئ شبيه بذلك في تكوينها لأخلاقية الاستقرار والرضا والسكوت والتسلق والرشوة، بينما ظل اليسار عاجزا عن خلق أفق للمعنى خاص به، وتبدو فرصة الثورة، وتيارها العام القريب من النفسية اليسارية، في سبيلها للضياع، بتصدر الإسلاميين مرة أخرى مشهد النضال ضد الدولة، وتراجع وتخاذل بقية التيارات، وحلولها الوسط، التي ستجعل بقية التيار العام للثورة، وجذرها الشعبي، يتخذ مواقفا ستقترب أكثر وأكثر من الإسلاميين، أي رغم أن المرء قد يوافق على نظرية أن الثورة لم تمت، وأن جذورها المقاومة مازالت موجودة، فإن هذه المقاومة ستحتاج إلى تيار تسير فيه، وبتخاذل التيارات الثورية الأخرى بعد أن أراحت نفسها بفكرة الثورة التي لا تموت، سيكون ذلك التيار هو التيار الإسلامي.
ولا يبدو واضحا، أي أمل ليسار ذو قواعد جماهيرية، أو تيار وعي يساري، إلا بالابتعاد التام عن الحكم العسكري، أما غير ذلك فستكون إيذانا بهزيمة مستحقة.
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
أعرف أكتر