موت بلا كرامة

 

“أتريد أن ترى الجثث؟، ها هي!” قالها عامل المشرحة وهو يمسك بذراع صديقي دافعاً بنا إلى غرفة رطبة مليئة بالجثث المسجاة على ألواح وعلى الأرض في مراحل مختلفة من التعفن.

كنا قد جئنا إلى المشرحة منذ أكثر من ساعة، قادمين من شارع محمد محمود والغاز المسيل للدموع ينتشر فيه، بعد أن سمعنا أن الطب الشرعي يرفض تشريح جثث القتلى برصاص الجيش والشرطة في هذه الاشتبكات.

كان العامل يحاول السخرية منا أو إخافتنا لنبتعد، وقد نجح عندما صدمتنا الرائحة القوية للجثث المتحللة.

بعد أيام وعدة زيارات، أجد نفسي جالساً في الفناء المليء بالقمامة بجانب أم الشهيد أحمد سرور وهي تهتز إلى الأمام وإلى الخلف قائلة “أنظر ماذا يفعل بشباب مصر، أنظر ماذا يفعلون بهم، الذين يُلقون بالقمامة، والذين يُدهسون ثم يلقون بعيداً، والذين سحقتهم عربات الشرطة”.

 لم تكن أم أحمد سرور الأم الثكلى الوحيدة خلال هذا الأسبوع من نوفمبر ٢٠١١، إذ أتى إلى المشرحة عدد لا يحصى من الأسر، بعضهم سمعوا بمصير ابنائهم، والبعض الآخر يبحثون عن احبائهم وإتجهوا إلى مشرحة زينهم التي تمثل ملاذاً أخيراً مروعاً للبحث عن المفقودين.

بدا أن الأمهات والأخوة والعمات والبنات دائماً ما يصلن هناك قبل رجال العائلة، حيث يقفن عاجزات بلا مواساه في وجه الموت -القتل، وغير قادرين إيضاً على العثور على أي كرامة أو عدالة وسط القمامة وبيروقراطية العاملين في مشرحة زينهم.

في كثير من الأحيان، وبمجرد وصول الرجال – الآباء والأخوال- بوجوههم الصارمة المشحونة بالإدانة، يؤمرن النسوة بالصمت، فلن يكون هناك تشريح ولا تشييع لجنازة. خذوا ابنائكن المشاغبين وإدفنوهم في هدوء، كموت ثاني.

في بعض الأحيان يتساءل المرء إذا كان بإمكانه إلقاء اللوم على هذه الأسر لرفضها التشريح، ورغبتها في تفادي ما قد يبدو انتهاكا لأجساد احبائهم في مكان بشع كهذا، أو لرغبتها في تفادي خطر أن يصبح أسم فقيدهم رمزاً، دليل رسمي على الموت برصاص الشرطة الحي أو الغاز المسيل للدموع، الأمر الذي يأتي بتهديدات الشرطة ومضايقاتها.

والأسوأ من ذلك كله، أيمكننا لومهم على رغبتهم في تفادي حقيقة أن حتى تلك الأدلة يمكن التستر عليها، وتلفق أسباب الوفاه فتصبح “وفاه طبيعية” أو سكتة قلبية، او حتى أن يتم تجاهلها بكل بساطة في ظل إنعدام تام لمساءلة الشرطة والجيش عن الجرائم التي ترتكبها. من الصعب أن تلوم تلك الأسر على رغبتها في تجنيب أنفسها الحسرة والأسى والآمال التي تنتجها بشكل متكرر وبلا كلل مشرحة زينهم، مصنع التعاسة والشقاء البشري.

أجد نفسي هذا الأسبوع في مشرحة زينهم للمرة الثانية. أرى هذه المرة في الطريق، الذي للأسف باتت تألفه قدماي، العديد من العربات الكبيرة التي يفترض بها أن تكون مبردة لنقل المئات من جثث ضحايا مذبحة رابعة العدوية بالرابع عشر من أغسطس، والتي لا تتسع المشرحة لهم.

قبل بضعة أيام، قتل على الأقل ٣٦ آخرون  أثناء ترحيلهم إلى سجن أبوزعبل، على الأرجح بسبب قنبلة غاز ألقيت بداخل عربة الترحيلات حيث اختنقوا بداخل ذلك الصندوق المعدني الضّيق.

ومع اقترابنا من الأبواب الجديدة المصفحة للمشرحة، كانت مشادة قد بدأت بالفعل مع من بداخل المشرحة لرفضهم دخول محامين أو مصورين أو أي أحد. أدخلت حينها كاميرا هاتفي المحمول بين قبضان الباب واستخدمتها كمنظار مؤقت لأرى جثثاً متناثرة في الردهة في مراحل مختلفة من التحلل، بعضها يشوهه ندبات كبيرة وقبيحة تخلفها عمليات التشريح.

جاءني رجل وطلب مني أن يرى الثواني القليلة التي استطعت تسجيلها بالفيديو، قائلاً “أريد أن أعلم ما إذا كان أخي بالداخل من فضلك، سأتعرف عليه إن رأيته” لم استطيع فهم مقدرة أي أحد التعرف على أولئك القتلى، فجثثهم كانت منتفحة ويشوهها التعفن، لم يكن تحللاً طبيعياً، بل العفن الذي تجده في مكان تم اهماله فيحمل بدوره كل ما فيه. أخبرني الرجل أن أخاه لم يكن بالفيديو، الأمر الذي منحة بضع دقائق من الراحة على الأرجح إلى أن يواجه اللحظة الحتمية.

أولئك الذين رأوا جثث اخوتهم أو ابنائهم أو آباهم أو اصدقائهم كانوا مكسورين ومرتبكين وغاضبين، فقد رأوا جثثاً متحللة صدورها وبطونها مفتوحة للتشريح، فتسارعت عقولهم للتساؤل عن الأهوال التي من الممكن أن تكون قد حدثت لهم كي يبدو بهذه الهيئة، هل أحرقوا أم تم تعذيبهم؟ أم شقت بطونهم؟ ومن بإمكانه لومهم على تلك التساؤلات إذا كان العاملون بالمشرحة في وقت سابق من الأسبوع قد رفضوا مرة أخرى تسليم الجثث لدفنها إلا إذا وافقت أسرها على أن الإنتحار هو سبب الوفاه؟

من بإمكانه لومهم حين نجد أن حوادث موتهم التراجيدية البشعة لم تكن هي حتى السبب في تشويههم بل السبب هو طريقة العمل بمشرحة زينهم، التي ينقصها التجهيزات والتمويل حتى أصبحت بحالة يرثى لها، اضافة الى الوحشية التي تدار بها والبيروقراطية التي تسيطر عليها وتلقي للأوراق إهتماماً أكبر من الإهتمام الذي تلقيه للشرور التي ترتكبها الدولة، حتى إذا تسببت في انتهاك حرمة أولئك الذين قتلتهم تلك الدولة؟

أحد المحاميين الذين تحدثت معهم أخبرني أنهم يريدون إضافة الحق في الدفن لحقوق الإنسان. لم أحتج لشرح بما انني أعلم جيداً ما بمشرحة زينهم من أهوال. كنت هنا ورأيت كل هذا من قبل، لكن في هذه المرة يوجهني مقدار من الوفيات لم أكن لأتخيله.

هذه المرة كان الدور على أعضاء جماعة الإخوان ليواجهوا مشرحة زينهم، قبلهم كانوا أقباط مذبحة ماسبيرو، والثوار وضحايا التعذيب بأقسام الشرطة أو حتى ضحايا حوادث السيارات.

مشرحة زينهم لا تميز بين احد وآخر، فهي تسيء وتنتهك الجميع على قدم المساوة. انها إستعارة مثالية لإستمرار النظام الأمني الحاكم ودولته اللذان قد يصلا إلى حد تدنيس الأموات لحماية سيطرتهما على السلطة.

منذ الخامس والعشرين من يناير حين قيل للصحفيين والنشطاء بأن الجثث بالداخل، باتت مشرحة زينهم وسط ثورتنا، ثابتة مظلمة تلقي بظلالها على مختلف المواجهات التي وقفنا خلالها في وجه قوات الأمن المتعطشة للدماء والتي لا يصلح حالها أبداً.

حتى من قبل الثورة، ألم يقتل خالد سعيد -أحد الشرارات التي اشعلت الثورة- بوحشية، ورمت الشرطة بجثته في الشوارع ليلتقطها الطب الشرعي وينتهكها عندما أقر في تقريرين منفصلين أن سبب الوفاه لم يكن الجراح الدامية، التي رأيناها كلنا في الصورة التي التقطت بعض وفاته، بل جراء اختناقه بواسطة لفافات بانجو كان قد ابتلعها؟

إن وقاحة ذلك التقرير، الذي من المفترض به أن يكون علميا لكنه في الحقيقة لا يقدم إلا مصالح الدولة، تحدث شروخا في الواجهة التي تتستر خلفها الدولة. لم يكفها قتله بل استعملت مقتله في تشويه حياته وشخصه.

تكرر الموقف، بعدما يقارب الثلاثة اعوام تحت سلطة محمد مرسي، عندما ظهر محمد الجندي بعد اختفاؤه بثلاثة أيام من ميدان التحرير، في مستشفى بأضلع مكسورة وعنق يحمل أثر لخنق بواسطة حبل. مات الجندي من تعذيب الشرطة ولكن ذلك التعذيب تحول في مشرحة زينهم إلى حادث سيارة. قالوا لنا أن الشرطة في مصر لا تعذب مواطنيها، لكن الحوادث تقع طوال الوقت.

والآن، عندما لا تتردد الشرطة في الإعتراف بإستخدامها للأسلحة الاتوماتيكية والذخيرة الحية ضد المدنيين في الشوارع، تصبح الوفيات إنتحاراً لا حوادث. يقولون لنا أن مئات القتلى في رابعة قتلوا أنفسهم عند تصديهم لمداهمة الشرطة، وكانوا يبيتون النية أن يموتوا، آملين أن تصيبهم الطلقات.

المشرحة توفر تبريراً “علمياً” للرواية الرسمية، بأن الإخوان طائفة موت، وأن قتلهم ليس جريمة بل تحقيقاً لرغباتهم، وهو أمراً يعزز قوتهم. وأن كان الطب الشرعي قد حكم بأن الإنتحار هو سبب الوفاه، من يستطيع لوم الشرطة على توفير الموت لهم؟

حتى وقت قريب لم يعلم بأمر المشرحة إلا عدداً صغير منا، الأسر والمحاميون والنشطاء. ولكن ربما تلقى المشرحة الإهتمام الذي تستحقه بعد أن فاضت بها الجثث لتنتشر في عربات مبردة متناثرة في الشوارع. 

نأمل أن صراعاً من أجل موت بكرامة يجذب الإنتباه إلى اننا لم نجد الكرامة في حياتنا اليومية حتى الآن، وأن مشرحة زينهم ليست حالة شاذة عن الفقر المدقع، بل حلقة في سلسلة متواصلة من القمع والإذلال والعقاب الذي تمارسه الدولة منذ أن نولد وحتى تنتهي حياتنا، ليس بالموت، بل في مشرحة زينهم.

بالطبع نجد أن الأمل صعبا في هذه الإيام، لكن فلنتذكر أن أم أحمد سرور قالت في نفس اليوم الذي مات فيه ابنها  أنه طالما رفض الثوار الركوع وأصروا على الوقوف بكرامة “سيعيش ابني، ولن يذهب دمه هدراً. كلكم أحمد، كل شاب وكل فتاه. كل من بالتحرير أحمد، وهم من سيحرصون على تطبيق العدالة.”

إذا استطعنا البقاء على أقدامنا عندما يغمرنا الشعور بأن اعدادهم قد فاقت اعددنا، إذا استطعنا ألإستمرار في مواجهة مشرحة زينهم وجوهرها يحاول قصم ظهورنا، فإننا لم نخسر المعركة حتى الآن.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن