المواطنون والكنيسة والدولة
 
 

 بني سويف – خط يد طفولي، أحواض منزوعة من حوائط الحمامات، رائحة الحرائق، “لا إله إلا الله، محمد رسول الله” مكتوبة على الجدران، شهادة ميلاد ملقاه على الأرض.

 مهاجمي مدرسة الفرنسيسكان ببني سويف احرقوها في الرابع عشر من أغسطس، اليوم الذي فض فيه بالقوة اعتصامين طالبا بعودة الرئيس المعزول محمد مرسي. كانت هناك أيضاً محاولة لخطف الراهبات اللاتي يقمن في الدير بالمدرسة التي تحتضن كنيسة.

يحكي لنا الأب بولس فهمي، من ابناء الطائفة القبطية الكاثوليكية الذي يتولى أمر الصلوات في المدرسة ويدير مستشفى سانت تريز القريبة منها “دمروا ما لم يستطيعوا أخذه، حتى بلاط الكنيسة”

مشهد العنف الطائفي بالنسبة لفهمي ورجل الدين سامح فرج، لا يدل على الطائفية كمشكلة إجتماعية أو فشل الدولة في مواجهتها، بل بالنسبة لهم المشكلة تتمثل في جماعة الإخوان.

كلاهما يؤكد على أنه لا يوجد مشاكل بين مسلمين ومسيحيين. يقول فرج مستخدماً الإسلوب المألوف في الإمتناع عن الحديث بتلك المشكلة ” ليس لدينا مشاكل مع المسلمين. في الأعياد نتبادل الكعك. في طفولتنا ارتدن نفس المدارس وزرنا بيوت بعضنا البعض”

 ويستطرد فهمي “لا أظن أن هناك طائفية بوجه عام، فالمسلمين كانوا أول من وقفوا لحماية الكنائس عندما بدأت الهجمات بعد الثلاثين من يونيو (عند نزول الحماهير إلى الشوارع مطالبة بإستقالة مرسي)”

يضيفان أن ثلثي طلاب المدرسة من المسلمين.

 انتقدت منظمات حقوقية فشل قوات الأمن في حماية الكنائس والمؤسسات المسيحية. ولكن مسيحي بني سويف أنفسهم بالكاد وجهوا أي لوم للجيش أو الشرطة، سواء هنا أو في قرية الديابية حيث تطورت مشاجرة على مطب صناعي إلى أعمال حرق ونهب لكنيسة ومنازل المسيحيين ومحالهم.

يقول فهمي “لم تستطع الشرطة فعل شيء، فقسم الشرطة نفسه تم حرقه”

الهجوم على قسم الشرطة وحرقه على بعد عدة كيلومترات من مدرسة الفرنسيسكان في نفس اليوم الذي هجمات فيه المدرسة معناه أنه لم يتوقع أحد أن تتدخل الشرطة. في القسم، اضرمت النيران في ثلاث شاحنات وعربة إطفاء، وأصبح القسم هيكل فارغ لا يحتوي على شيء.

على بعد نحو ثلاثون كيلومتراً من بني سويف، تمثل قرية الديابية مشهداً للحطام الذي خلفه هجوم على الأقباط.

 وراء مدخل القرية حيث يلعب الأطفال ويتجاذب الكبار أطراف الحديث على اعتاب أبواب بيوتهم تقف بوابة واسعة محترقة تؤدي إلى أرضاً التهمتها النيران.

على يمينها  يقع محل أمير نصرالله للأجهزة الكهربائية والتي حولته الحرائق إلى كومة من الأنقاض ولقى محل بقالات فريد مجدي نفس المصير. على يسار البوابة، صار منزل ظريف نصر، رجلاً مقعداً، ركام أيضاً. ليس هناك ما يشير إلى موقع غرفة الجلوس أو غرفة النوم أو المطبخ، فقد تحول كل شيء إلى رماد. التهمت النيران مجموعة كاملة من الأثاث والملابس الجديدة تعود إلى مريم أخت نصر، التي كان من المفترض أن تاذوج هذا الأسبوع. اضطرت لتأجيل فرحها إلى أجل غير مسمى.

بدأ الأمر عندما أقامت مجموعة من مسيحيي القرية مطباً قرب منزلهم لتقليل حوادث السيارات. وعندما إصطدم به رجل مسلم لم يكن على علم بوجوده، بدأ بتوجيه السباب لهم وإهانات أباهم وأمهاتهم. في العاشر من أغسطس، توجه رجل مسلم معروف برديكاليته إلى الكنيسة لتهديدهم. في اليوم التالي، وبينما كان المسيحيين ذاهبون إلى قداس الأحد، كان المسلمون قد بدؤا بالفعل بتوجيه نداءات لمهاجمة المسيحيين عبر المساجد.

 مثلهم مثل رجل الدين ببني سويف، تقول الأسر المسيحية أن الطائفية أمراً جديداً في قريتهم.

نصرالله، الذي لم يعد لديه ما يبيعه يخبرنا ” لا فرق بين مسلم ومسيحي، كنت أبيع بالتساوي للمسيحيين والمسلمين، وفي بعد الأحيان كانوا يدفعون لي في وقت لاحق”

نصرالله، ٢٨ عاماً، يحكي أن عدداً أكبر من المسيحيين بدأوا بالتوافد على القرية حيث رأوا الفرصة في وقت رفعت به اللوائح المتعلقة بالبناء على الأراضي الزراعية و يقول أنه يعتقد أن التوترات بدأت تظهر مع صعود مرسي للسلطة منذ عام، لا سيما في ضوء الحملات الشرسة التي شهدوها خلال الإنتخابات الرئاسية.

اليوم تقف الكنيسة البالغة من العمر الخامسة والعشرون عاماً، والتي دافعت عن وجود المسيحيين في الأرياف كرمز لظلمهم، حيث نراها محروقة، منهوبة ومدمرة.

تقف الكنيسة أيضاً كشاهد على إتجاهات شعبية واسعة النطاق. يقول إسحاق إبراهيم الباحث في مجال حرية المعتقدات والأديان في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية “ما نراه ألان هو إحتدام للعنف الطائفي بعد ٢٠١١ وتبنيه في أشكال مختلفة.

أحد هذه الأشكال هو “الميل لحرق الكنائس بعد مشاجرة بين مسلم ومسيحي. لم نكن نرى هذا من قبل، فقد كانت الأشخاص والبيوت هي التي تستهدف، لا الكنائس”

يضيف إبراهيم أن إستخدام المساجد لتحريك وتحريض الجموع على العنف قد زاد أيضاً في ظل إنتشار جماعات إسلامية خلال حكم مرسي. وأكدت الشرطة له أن المساجد بالفعل تم استخدمها لتعبئة الحشود ض المسيحيين.

ولكن على عكس رجال الدين ببني سويف، يتحدث أهالي الديابية عن علاقتهم التي تسوء.

 فوزي حبب، ٦٢ عاماً، يقول “عند نهاية المطاف، لن ينج عدا واحد بالمئة من الجيرة من تلك الأحداث دون أن تؤثر بهم. والمره القادمة سوف لربما تصبح أسوأ، فمن الممكن أن يتم خطف بناتنا أو قتلنا.”

تخبرنا أم جرجس أن المسلمين الساكنين بجانب الكنيسة سمحوا لمهاجميه بإستخدام ممتلكاتهم للدخول للكنيسة. ماري، ١٣ عام، تقول أنها ساعدت في إخماد الحرائق بالمدرسة وأنها لديها أصدقاء مسلمين بها، ثم إضافت “لكنني لم أعد متأكدة من هذا الأمر”

بالنسبة لها وغيرها من مروا بهذا الموقف إنتظار الشرطة سوف يكون بمثابة إنتظار جودو. فبالحادي عشر من أغسطس لم تظهر الشرطة إلا في نهاية أعمال العنف.

مجدي، الذي لايزال يدفع اقساط الثلاجة التي ابتاعها لمتجره المحروق يقول “تأتي الشرطة دائماً في النهاية، انها طبيعيتها، فهي لا تملك القدرة على السيطرة”

وفقن لهذا، تحل القرية مشاكلها بشكل مستقل وذاتي. فبعد عنف الحادي عشر من أغسطس تجمع شيوخ المسلمين والمسحيين مرة أخرى و وقعوا على ورقة مفادها إلزام  كل جانب منهما بدفع مبلغاً قد يصل قدره إلى المليون جنيه إذا حشاد وحرد ضد الآخر.

إضافةً إلى ذلك يقرر أهالي الديابية ميعاداً  تقدر فيه الخسائر ويتم التعويض عنها، ومع ذلك عبر ولد نصرالله عن تشككه حيال العملية بأكملها سائلاً الصحفيين مراراً وبيأس “أتظنون أننا يجدر بنا الذهاب إلى الميعاد؟”

ربما لا يترك لهم عجزهم سوى القليل من الخيارات. يقول ولد نصرالله أنه ذهب في اليوم التالي ليحرر محضراً في قسم شرطة الوسطى المدينة التي تتبعها الديابية ووجده أحرق تماماً.

لكن هناك القليل من الغضب نحو الشرطة لفشلهم في الظهور

أم جرجس، والدة لأربعة، تقول ” من يدري لماذا لم تأتي الشرطة؟ لابد أن شيئاً ما قد اخرهم في الطريق، لكننا لن نعلم. فاضطررنا لإخماد الحرائق بأنفسنا”

يبدو أن الإستياء من الشرطة وعدم إمكانية الإعتماد عليهم أقل شدة من تسليم المسيحيين بالأمر على أنه واقع، وكأن كونهم ليسوا بأولوية حقيقة قد تقبلوها.

نورا مجدي، 26 عاماً، لا أمل لديها بأن الكنيسة سوف يتم بناؤها من جديد “لديهم العديد من الأولويات الأخرى. الكثير من الكنائس تم تدميرها. فلم يختصون بإعادة بناء كنيستنا؟ لا اتوقع شيئاً من الشرطة أو قوات الأمن. لكن ربما يساعدنا الجيش”

 ولكن تسليم نورا بواقع فقدانها لكنيستها يتصدى له لهجة قومية تنتمي للخطاب السائد للذي تالا عزل مرسي والإخوان من السلطة. فنرى فرج يقول في تحدٍ  “ماذا بها إذا كانت كنائسنا قد دمرت؟ إن كان هذا هو الثمن الذي يجب دفعه لولادة وطناً جديداً، فنحن سعداء بدفعه.”

 ومع ذلك فإن والد نصرالله غير سعيد بدفع ذلك الثمن و يقول “لسنا نحن من يجب عليه دفع ثمن تطهير البلد من الإخوان” مضيفاً أن لديه إبناً أخر مجنداً بالجيش وقد أصيب في الاشتباكات الأخيرة مع الإخوان بالقاهرة. حدهم أخبره أن يخفي وشومه لأن إذا رأها أحد الاسلاميين الغاضبين، سوف يقتله.

ولكن تفاؤل فرج ينبع من إيمانه بأن مصر قد خرجت من “نفق الدين المظلم”

ويبدي متحمساً جنباً الى جنب مع فهمي رأيه عن الجيش وعودة مقدرة أمن الدولة في إسترجاع النظام قائلاً “الدولة القوية ليست بحاجة إلى الدين كي تحكم. دي الدولة يجب أن يكون القانون”. ويستشهد مستحسناً بعمليات القبض على قادة وأتباع جماعة الإخوان، مفسراً اياها على انها خطوة لحماية المسيحيين وممتلكاتهم. “(قائد القوات المسلحة المشير عبد الفتاح) السيسي هو رجل مخابرات ، و يعرف كيف تجري الأمور”

ولكن يبدو أن القرية لا يشاركونهم حماسهم بمهمات تخليص الدولة من الإسلاميين. يخبرنا حبيب “الناس بدأوا أن يهدأوا، لكن هناك من بقوا صامتين، وهم من تتكلم أعينهم عنهم”

ويضيف “كنا نقول من كنل أن الحسنة تمحو السيئة، لكن الآن يبدو أنه لم يتبق سوى السيئات”

اعلان